الدستور
دخلت خطة السلام الخاصة بقطاع غزة، ذات النقاط العشرين، مرحلة تنفيذية جديدة عقب وقف إطلاق النار، بما فتح المجال لتحسن ملموس في الوضع الإنساني والإداري في القطاع. وتمثل هذه المرحلة اختبارًا جديًا لقدرة السلطة الفلسطينية على تولي إدارة غزة ضمن رؤية قانونية وسياسية تستند إلى قرارات الشرعية الدولية وحل الدولتين، وبما يتيح إعادة بناء مشروع الدولة الفلسطينية على أسس واقعية ومؤسساتية.
تحسن إنساني وإداري بإشراف دولي
شهدت غزة منذ وقف إطلاق النار تدفق مساعدات إنسانية وصفت بأنها غير مسبوقة من حيث الحجم وآليات التوزيع المباشر للمدنيين، مع إشادة أممية بهذه الجهود وبمستوى الشفافية والمساءلة الذي رافقها. وتؤسس هذه التطورات لمرحلة جديدة من الحوكمة المدنية تتولاها اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة بدعم من الممثل السامي للمجلس الدولي، وبمنهج تكنوقراطي بعيد عن التجاذبات الحزبية.
نزع السلاح والتعاون الإقليمي
تتضمن المرحلة الانتقالية إجراءات نزع السلاح الكامل من حركة حماس وتفكيك الأنفاق العسكرية بالتعاون مع مصر وتركيا وقطر. وتُنظر إلى هذه العملية باعتبارها ركيزة لإعادة دمج القطاع ضمن منظومة الحكم الفلسطيني الموحد، مع الحرص على مراعاة مقتضيات الأمن الإقليمي والقانون الدولي الإنساني، وبما يسهم في خلق بيئة مدنية مستقرة.
تعقيدات إسرائيلية: المرحلة الأولى قبل الثانية
ورغم التقدم في الجانب الإنساني، لا تزال هناك تعقيدات إسرائيلية واضحة تعيق تنفيذ المرحلة الأولى من الخطة. فإسرائيل لم تُزل كامل القيود على تدفق المساعدات، ولم تُعد تشغيل معبر رفح بصورة طبيعية، وتذرعت باعتبارات أمنية لتعطيل بعض الإجراءات ذات الصلة بالحوكمة المدنية. هذه الوقائع تطرح تساؤلات سياسية وقانونية حول مدى استعداد إسرائيل للالتزام بالمرحلة الثانية من الخطة، وهي مرحلة أكثر حساسية وتشمل ملفات ترتبط بنزع السلاح، وتوحيد الإدارة الفلسطينية، واستحقاقات سياسية على أرض الواقع.
فإذا كانت إسرائيل قد وضعت موانع في تنفيذ الخطوات الأولى، فإن الانتقال إلى المرحلة الثانية سيصطدم بلا شك بتعقيدات أكبر، خاصة مع غياب ضمانات قانونية دولية ملزمة تفرض على إسرائيل الوفاء بالتزاماتها وفق قواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
دور الولايات المتحدة ومجلس السلام برئاسة ترمب
تلعب الولايات المتحدة دورًا مركزيًا في الإشراف السياسي على تنفيذ الخطة، عبر مجلس السلام لإدارة غزة برئاسة الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترمب. ويتركز دور المجلس في توفير الغطاء السياسي والتمويلي والتقني للمرحلة الانتقالية، إضافة إلى إدارة التنسيق بين الأطراف الإقليمية، وعلى رأسها مصر والأردن وتركيا وقطر، وبين الأمم المتحدة.
غير أن الدور الأمريكي يظل محوريًا أيضًا في ضبط السلوك الإسرائيلي؛ فبدون ضغط أمريكي واضح وإرادة سياسية ملزمة، يبقى تنفيذ البنود الأكثر حساسية في الخطة رهينًا بالتوازنات الأمنية الإسرائيلية، وهو ما قد يعرقل تقدم المسار نحو رؤية الدولتين وإحياء مشروع الدولة الفلسطينية.
تداعيات المرحلة على السلطة الفلسطينية والمشهد السياسي
توفر المرحلة الانتقالية فرصة للسلطة الوطنية لاستعادة حضورها في غزة وتعزيز شرعيتها داخليًا وخارجيًا، خصوصًا في ظل الحاجة لإعادة بناء نموذج حكم فلسطيني موحد ومؤسسي. كما أنها تشكل قاعدة قانونية وسياسية لإطلاق مفاوضات تتناول ملفات السيادة والقدس والحدود وفق إطار دولي أوسع، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والضمانات المطلوبة.
خلاصة سياسية – قانونية – ديبلوماسية
تُظهر خطة السلام أن غزة دخلت مرحلة حساسة تتقاطع فيها السياسة بالقانون والدبلوماسية والواقع الميداني. فإذا نجحت السلطة الفلسطينية في اجتياز اختبار الإدارة، ونجح المجتمع الدولي في توفير ضمانات التنفيذ، فقد تتحول المرحلة الانتقالية إلى فرصة لإحياء مشروع الدولة الفلسطينية وفق قرارات الشرعية الدولية.
غير أن استمرار التعقيدات الإسرائيلية، خاصة مع عدم تنفيذ المرحلة الأولى كاملة، يطرح السؤال الجوهري:
كيف ستُنفَّذ المرحلة الثانية؟