الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
ستيفن إم. وولت* - (فورين أفيرز) 3/2/2026
كما يفعل زعيم مافيا أو حاكم إمبراطوري، يتوقّع ترامب من القادة الأجانب الساعين إلى نيل رضاه أن ينخرطوا في عروض مهينة من الخضوع وأشكال صفيقة من التملّق، تمامًا كما يفعل أعضاء حكومته. كيف إذن يمكن تفسير السلوك المخجل لأمين عام "حلف شمال الأطلسي"، مارك روته، الذي قال لترامب إنه "يستحق كل الثناء" على دفعه دول الحلف إلى زيادة إنفاقها الدفاعي، على الرغم من أن هذه الزيادات كانت جارية بالفعل قبل إعادة انتخاب ترامب، وأن الغزو الروسي لأوكرانيا كان عاملًا لا يقل أهمية في تسريع هذا التحول؟ وفوق ذلك، أعلن روته، في آذار (مارس) 2025، أن ترامب "كسر الجمود" مع روسيا بشأن أوكرانيا (وهو ادعاء غير صحيح بوضوح)، وأشاد بالضربات الجوية الأميركية على إيران في حزيران (يونيو) باعتبارها خطوة "لم يجرؤ أحد غيره على اتخاذها"، وشبّه جهود ترامب للسلام في الشرق الأوسط بتصرفات "أب" حكيم وخيّر.
وليس روته وحده في ذلك؛ فقد أيّد قادة عالميون آخرون -من بينهم قادة في إسرائيل وغينيا بيساو وموريتانيا والسنغال- علنًا منح ترامب جائزة نوبل للسلام، بل إن رئيس السنغال أضاف مديحًا مجانيًا لمهارات ترامب في لعبة الغولف. ولم يكن الرئيس الكوري الجنوبي، لي جاي-ميونغ، أقل حماسة، فقدّم لترامب خلال زيارته الأخيرة إلى سيول تاجًا ذهبيًا ضخمًا، واختتم مأدبة عشاء رسمية بتقديم طبق حمل اسم "حلوى صانع السلام". وحتى جياني إنفانتينو، رئيس "الاتحاد الدولي لكرة القدم" (فيفا)، انخرط في هذا الاستعراض، فابتكر "جائزة فيفا للسلام" الخالية من أي معنى، وسمّى ترامب أولَ من يتلقاها، خلال حفل صاخب أُقيم في كانون الأول (ديسمبر) 2025.
لا تكتفي المطالبة بعروض الولاء والخضوع بأن تكون مجرد انعكاسٍ لحاجة ترامب التي تبدو بلا حدود إلى الاهتمام والثناء؛ إنها تؤدي أيضًا وظيفة سياسية واضحة، تتمثل في ترسيخ الامتثال وردع حتى أبسط أشكال المقاومة. ويواجه القادة الذين يتحدّون ترامب توبيخًا علنيًا وتهديداتٍ بمعاملة أشد قسوة -كما حدث مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي اختبر ذلك في أكثر من مناسبة- في حين يحظى القادة الذين يُغرقون في تملّقه بلا خجل بمعاملة ألطف -مؤقتًا على الأقل. وعلى سبيل المثال، في تشرين الأول (أكتوبر) 2025 مدّت وزارة الخزانة الأميركية خط تبادل عملات بقيمة 20 مليار دولار لدعم البيزو الأرجنتيني، على الرغم من أن الأرجنتين ليست شريكًا تجاريًا مهمًا للولايات المتحدة، وعلى الرغم من أنها كانت تُزاحم الصادرات الأميركية من فول الصويا إلى الصين (التي كانت تدرّ مليارات الدولارات قبل أن يطلق ترامب حربه التجارية). لكنّ الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، باعتباره زعيمًا متقارب التوجّه يثني علنًا على ترامب ويتخذه قدوة، نال منحةً بدلًا من قائمة مطالب. وحتى تجّار مخدرات مُدانين، بمن فيهم الرئيس الهندوراسي السابق خوان أورلاندو هرنانديز، يمكنهم الحصول على عفوٍ رئاسي إذا بدا أنهم منسجمون مع أجندة ترامب.
وتشبه محاولات استرضاء ترامب بالإطراء سباق تسلّح، حيث يتنافس القادة الأجانب لمعرفة من يستطيع أن يقدّم أكبر قدر من المديح في أقصر وقت ممكن. وفي المقابل، لا يتأخر ترامب في الرد على القادة الذين يخرجون عن النص. وقد تعلّم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ذلك عندما فُرضت على الهند، بعد أسابيع من رفضه ادعاء ترامب بأنه أوقف الاشتباكات الحدودية بين الهند وباكستان، رسومٌ جمركية بنسبة 25 في المائة (رُفعت لاحقًا إلى 50 في المائة لمعاقبة الهند على شرائها النفط الروسي). وبعد أن بثّت حكومة مقاطعة أونتاريو إعلانًا تلفزيونيًا ينتقد سياسة ترامب الجمركية، سارع ترامب إلى رفع التعرفة المفروضة على كندا بنسبة 10 في المائة إضافية. وسرعان ما قدّم رئيس الوزراء الكندي مارك كارني اعتذارًا، واختفى الإعلان فورًا من على شاشات التلفزة. ولتفادي مثل هذه الإهانات، اختار كثير من القادة الانحناء مسبقًا -على الأقل في الوقت الراهن.
كفى.. بلغ السيل الزبى
يرى ترامب وأنصاره في هذه المظاهر من الخضوع دليلًا على أن سياسة "اللعب الخشن" تدرّ على الولايات المتحدة مكاسب مادية ملموسة. وكما قالت آنا كيلي، المتحدثة باسم البيت الأبيض، في آب (أغسطس)، فإن "النتائج تتحدث عن نفسها: صفقات الرئيس التجارية تسوّي ميدان اللعب لصالح مزارعينا وعمالنا، وتريليونات الدولارات من الاستثمارات تتدفّق إلى بلادنا، وحروبٌ استمرت عقودًا تقترب من نهايتها... القادة الأجانب حريصون على إقامة علاقة إيجابية مع الرئيس ترامب والمشاركة في اقتصاد ترامب المزدهر". ويبدو أن الإدارة تعتقد أنها قادرة على افتراس الدول الأخرى إلى ما لا نهاية، وأن ذلك سيجعل الولايات المتحدة أقوى ويعزّز نفوذها أكثر فأكثر. لكنها مخطئة: إن الهيمنة الافتراسية تحمل في داخلها بذور فنائها.
أولى المشكلات التي ينطوي عليها هذا النهج هو أن المنافع التي تتباهى بها الإدارة جرى تضخيمها إلى حد بعيد. ما تزال معظم الحروب التي يدّعي ترامب أنه أنهاها مستمرة. والاستثمارات الأجنبية الجديدة في الولايات المتحدة تقلّ كثيرًا عن مستوى التريليونات، ومن غير المرجّح أن تتحقق كاملة. وباستثناء مراكز البيانات التي غذّاها الهوس بالذكاء الاصطناعي، لا يشهد الاقتصاد الأميركي أي ازدهار حقيقي -في جزء منه بسبب الرياح المعاكسة التي خلقتها سياسات ترامب الاقتصادية. ربما يكون ترامب وعائلته وحلفاؤه السياسيون مستفيدين من هذه السياسات الافتراسية، لكن معظم البلد ليس كذلك.
ثمة مشكلةٌ أخرى تتمثّل في أن اقتصاد الصين أصبح اليوم يضاهي اقتصاد الولايات المتحدة في جوانب عديدة. ومع أن الناتج المحلي الإجمالي الصيني أصغر بالقيمة الاسمية، فإنه أكبر عند احتسابه على أساس تعادل القوة الشرائية؛ كما أن معدل نموّه أعلى، وقد أصبحت الصين تستورد ما يقارب حجم واردات الولايات المتحدة. كما ارتفعت حصة الصين من صادرات السلع العالمية من أقل من واحد في المائة في العام 1950 إلى نحو 15 في المائة اليوم، في حين تراجعت حصة الولايات المتحدة من 16 في المائة في العام 1950 إلى 8 في المائة فقط. وتمسك الصين أيضًا بزمام سوق العناصر الأرضية النادرة المكرّرة التي يعتمد عليها كثيرون، بمن فيهم الولايات المتحدة؛ وهي تتحول بسرعة إلى لاعبٍ رائد في مجالات علمية عديدة؛ كما أن أطرافًا كثيرة، بما فيها المزارعون الأميركيون، تسعى إلى الوصول إلى أسواقها. وكما أظهرت قرارات ترامب الأخيرة بتعليق الحرب التجارية مع الصين، ووضع خطط لفرض عقوبات على وزارة أمن الدولة الصينية جانبًا بسبب حملة تجسس إلكتروني استهدفت مسؤولين أميركيين، فإنه لا يستطيع التنمّر على القوى الكبرى الأخرى بالطريقة نفسها التي تنمّر بها على الدول الأضعف.
بالإضافة إلى ذلك، وعلى الرغم من أن دولًا أخرى ما تزال تسعى إلى النفاذ إلى الاقتصاد الأميركي وإلى مستهلكيه الأثرياء، فإن الولايات المتحدة لم تعد "اللعبة الوحيدة في المدينة". بعد وقتٍ قصير من رفع ترامب معدل الرسوم الجمركية على السلع الهندية إلى مستوى قاسٍ بلغ 50 في المائة، في آب (أغسطس) 2025، سافر مودي إلى بكين للمشاركة في قمة جمعت الزعيم الصيني، شي جينبينغ، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وفي كانون الأول (ديسمبر)، قام بوتين بزيارة مودي في نيودلهي، حيث وصف رئيس الوزراء الهندي صداقة بلاده مع روسيا بأنها "مثل نجم الشمال"، واتفق الزعيمان على تحديد هدفٍ للتجارة الثنائية بقيمة 100 مليار دولار بحلول العام 2030. ولم تكن الهند تصطف رسميًا إلى جانب موسكو، لكن مودي كان يذكّر البيت الأبيض بأن لدى نيودلهي بدائل.
بما أن إعادة ترتيب سلاسل الإمداد وترتيبات التجارة هي عملية مكلفة وتستغرق وقتًا طويلًا، ولأن عادات التعاون والاعتماد المتبادل لا تزول بين عشية وضحاها، اختارت بعض الدول استرضاء ترامب على المدى القصير. وقد أقنعت اليابان وكوريا الجنوبية ترامب بخفض معدلات الرسوم الجمركية مقابل الموافقة على استثمار مليارات الدولارات في الاقتصاد الأميركي، لكنّ هذه الالتزامات المالية ستكون ممدّدة على سنوات طويلة، وقد لا تتحقق بالكامل أبدًا. وفي الوقت نفسه، عقد مسؤولون صينيون ويابانيون وكوريون جنوبيون أول مفاوضات تجارية بينهم منذ خمس سنوات في آذار (مارس) 2025، وتبحث الدول الثلاث في ترتيب ثلاثي لمبادلة العملات يهدف إلى "تعزيز شبكة الأمان المالي في المنطقة وتعميق التعاون الاقتصادي في خضم الحرب التجارية التي يشنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب"، وفقًا لصحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست". وخلال العام الماضي، وسّعت فيتنام علاقاتها العسكرية مع روسيا، متراجعة بذلك عن مساعٍ سابقة للتقارب مع الولايات المتحدة. وبحسب محلل نقلت عنه صحيفة "نيويورك تايمز"، فإن "عدم قابلية سياسات ترامب للتنبؤ جعلت فيتنام متشككة جدًا في التعامل مع الولايات المتحدة. والمسألة لا تقتصر على التجارة، بل تشمل صعوبة قراءة ذهنه وأفعاله". وهكذا، ينطوي ما يفاخر به ترامب من عدم قابليته للتنبؤ على جانبٍ سلبي واضح: إنه يدفع الآخرين إلى البحث عن شركاء أكثر موثوقية.
ثمة دولٌ أخرى تعمل أيضًا على تقليص اعتمادها على الولايات المتحدة. فقد حذّر كارني مرارًا من أن عصر التعاون المتزايد مع الولايات المتحدة قد انتهى، ووضع هدفًا يتمثّل في مضاعفة صادرات كندا غير المتجهة إلى السوق الأميركية خلال عقدٍ واحد، ووقّع أول اتفاقية تجارة ثنائية في تاريخ بلاده مع إندونيسيا، وهو يُجري مفاوضات بشأن إبرام اتفاق تجارة حرّة مع "رابطة دول جنوب شرق آسيا" (آسيان)، كما قام في كانون الثاني (يناير) بزيارة تصالحية إلى بكين. ومن جهته، وقّع الاتحاد الأوروبي بالفعل اتفاقات تجارية جديدة مع إندونيسيا والمكسيك وتكتل "ميركوسور" التجاري في أميركا الجنوبية. وكان الاتحاد، حتى أواخر كانون الثاني (يناير)، قريبًا من إتمام اتفاق تجاري جديد مع الهند. وإذا واصلت واشنطن محاولاتها استغلال اعتماد الدول الأخرى عليها، فإن هذه الجهود لن تفعل سوى تسريع هذا المسار.
اشترِ الآن... ولا تدفع أبدًا؟
تحمّل حلفاء الولايات المتحدة قدرًا معينًا من التنمّر في الماضي لأنهم كانوا يعتمدون بدرجة كبيرة على الحماية الأميركية. لكنّ لهذا التسامح حدودًا. كان مستوى الافتراس الذي مورس خلال ولاية ترامب الأولى محدودًا نسبيًا، وكان لدى حلفاء الولايات المتحدة ما يدعوهم إلى الأمل في أن تكون فترته في الحكم فصلًا استثنائيًا لن تتكرر. لكن هذا الأمل تحطّم الآن، وخاصة في أوروبا. على سبيل المثال، تتّسم استراتيجية الأمن القومي التي تتبنّاها الإدارة بعداءٍ صريح تجاه العديد من الحكومات والمؤسسات الأوروبية. وإلى جانب تهديدات ترامب المتجددة بالاستيلاء على غرينلاند، أثارت هذه الاستراتيجية شكوكًا إضافية حول جدوى "حلف شمال الأطلسي" على المدى الطويل، وأظهرت أن محاولات القادة الأوروبيين كسب ودّ ترامب عن طريق استرضائه قد باءت بالفشل.
بالإضافة إلى ذلك، سوف يفقد التهديد بسحب الحماية العسكرية الأميركية فعاليته إذا لم يتم تنفيذه أبدًا، كما أنه لا يمكن تنفيذه من دون القضاء على النفوذ الأميركي نفسه. وإذا واصل ترامب التهديد بالانسحاب من دون أن يُقدم فعليًا على ذلك، فسوف ينكشف خداعه وستفقد تهديداته قدرتها على أن تكون عامل إكراه. أما إذا انسحبت الولايات المتحدة حقًا من التزاماتها العسكرية، فإن النفوذ الذي كانت تملكه ذات يوم على حلفائها السابقين بسبب هذه الالتزامات سيتلاشى. وفي كلتا الحالتين، يبقى استخدام وعد الحماية الأميركية لانتزاع سلسلة لا تنتهي من التنازلات استراتيجية غير قابل للاستدامة.
كما أن التنمّر بدوره غير قابل للاستمرار. لا أحد يستمتع بأن يتم إجباره على أداء طقوس ولاء مهينة. ربما يجد القادة الذين يتشاركون مع ترامب رؤيته للعالم متعةً في التغنّي بمحاسنه علنًا، ولكن لا شك في أن آخرين يرون في هذه التجربة شيئًا مُذلًا ومُثيراً للحفيظة. ولن نعرف أبدًا ما الذي كان يدور في أذهان القادة الأجانب الذين أُجبروا على "تقبيل خاتم" ترامب وهم يرددون عبارات الإطراء المنمّقة. ولكن، لا بد أن يكون بعضهم قد ضاق ذرعًا بذلك وخرج وهو يتمنى فرصةً لتسديد قدرٍ من الدَّين لاحقًا. وعلى القادة الأجانب أيضًا أن يحسبوا حساب ردود الفعل في بلدانهم؛ ففي النهاية قد يكون الكبرياء الوطني قوةً جارفة. ويجدر تذكر أن فوز كارني الانتخابي في نيسان (أبريل) 2025 يعود في جزءٍ كبير منه إلى حملته المناهضة لترامب تحت شعار "ارفع المِرفقين"، وإلى تصوّر الناخبين أن منافسه من "حزب المحافظين" لم يكن سوى نسخة مخففة من ترامب. كما شهد قادة دول آخرون، مثل الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، ارتفاعًا ملحوظًا في شعبيتهم عندما تحدّوا تهديدات ترامب. ومع تراكم الإهانات، قد يكتشف قادة عالميون آخرون أن الردّ والمواجهة يمكن أن يجعلاهم أكثر شعبيةً لدى قواعدهم الانتخابية.
وليست الهيمنة الافتراسية فعّالة أيضًا. إنها تتجنب الاعتماد على القواعد والمعايير متعددة الأطراف، وتسعى بدلًا من ذلك إلى التعامل مع الدول الأخرى على أساس ثنائي. ولكن، في عالم يضم ما يقرب من 200 دولة، سوف يستغرق الاعتماد على المفاوضات الثنائية وقتًا طويلًا ويؤدي حتمًا إلى اتفاقات متسرعة وضعيفة التصميم. كما أن فرض صفقات أحادية الجانب على عشرات الدول الأخرى يشجع على التلكؤ والتهرب، حيث تعلم هذه الدول أنه سيكون من الصعب على المُهيمن مراقبة الالتزام وتنفيذ جميع الاتفاقات التي أبرمها. ويبدو أن إدارة ترامب أدركت متأخرة أن الصين لم تقم بشراء جميع الصادرات الأميركية التي تعهدت بشرائها في اتفاق المرحلة الأولى للتجارة، الذي وُقّع مع الولايات المتحدة في العام 2020 خلال الولاية الأولى لترامب، وأطلقت تحقيقًا في هذا الأمر في تشرين الأول (أكتوبر). ضاعِف مهمة مراقبة الالتزام عبر جميع الترتيبات التجارية الثنائية لواشنطن، يصبح من السهل رؤية كيف يمكن للدول الأخرى أن تَعِد بتقديم تنازلات الآن، ثم تتراجع عنها لاحقًا.
أخيرًا، سوف يجعل التخلي عن المؤسسات، والتقليل من قيمة القيم المشتركة، والتنمر على الدول الأضعف من الأسهل على منافسي الولايات المتحدة إعادة كتابة كتاب القواعد العالمي بما يخدم مصالحهم. وقد حاولت الصين، تحت قيادة شي جينبينغ، مرارًا، تصوير نفسها كقوة عالمية مسؤولة وغير أنانية، تسعى إلى تعزيز المؤسسات العالمية لصالح البشرية جمعاء. وقد ولى عهد "دبلوماسية المحارب الذئب" التصادمية التي ميزات السنوات الماضية، عندما كان مسؤولون صينيون يسيئون بانتظام إلى حكومات أخرى ويتنمرون عليها من دون جدوى تُذكر. وباستثناء حالات نادرة، أصبح الدبلوماسيون الصينيون اليوم يسجلون حضورًا متزايد النشاط، وفاعلًا، وأكثر تأثيرًا في المنتديات الدولية.
من الواضح أن التصريحات العامة للصين تخدم المصلحة الذاتية. لكن بعض الدول ترى هذا الموقف كبديل جذاب للولايات المتحدة التي تتزايد نزعتها الافتراسية. وكما ظهر في دراسة استقصائية شملت 24 دولة كبرى، ونشرها "مركز بيو للأبحاث" في تموز (يوليو) الماضي، كان لدى الغالبية في ثماني دول رأي أكثر إيجابية تجاه الولايات المتحدة مقارنة بالصين، بينما اعتبر المستجيبون في سبع دول أن الصين أفضل؛ ونظر المستجيبون إلى الدولتين نظرة مشابهة في الدول التسع المتبقية. لكن الاتجاهات تصبّ في صالح بكين. وكما تشير الدراسة، "أصبحت الآراء تجاه الولايات المتحدة أكثر سلبية، بينما أصبحت الآراء عن الصين أكثر إيجابية". وليس من الصعب فهم سبب ذلك.
الخلاصة هي أن تصرفها كمهيمن افتراسي سيضعف شبكات القوة والنفوذ التي اعتمدت عليها الولايات المتحدة طويلًا، والتي صنعت النفوذ الذي يحاول ترامب الآن استغلاله. سوف تعمل بعض الدول على تقليل اعتمادها على واشنطن، وستعقد دول أخرى ترتيبات جديدة مع منافسيها، وستتوق أكثر من دولة إلى اللحظة التي يمكنها فيها الرد على الولايات المتحدة بسبب سلوكها الأناني. ربما ليس اليوم، وربما ليس غدًا، لكن رد الفعل العكسي قد يحدث بسرعة مفاجئة. وبالاستشهاد بعبارة إرنست همنغواي الشهيرة عن بدء الإفلاس، فإن سياسة متسقة من الهيمنة الافتراسية قد تؤدي إلى تراجع النفوذ العالمي للولايات المتحدة "تدريجيًا ثم فجأة".
إستراتيجية خاسرة
ما تزال القوة الصلبة هي العملة الأساسية في السياسة العالمية. لكن الغايات التي تُستخدم من أجلها والطرق التي تُوظَّف بها هذه القوة هي ما يحدد مدى فعاليتها في تعزيز مصالح الدولة. وبفضل موقعها الجغرافي المواتي، واقتصادها الكبير والمتطور، وقوتها العسكرية التي لا تضاهى، وسيطرتها على العملة الاحتياطية العالمية والعُقد المالية الحيوية، تمكنت الولايات المتحدة خلال الأعوام الخمسة والسبعين الماضية من بناء شبكة استثنائية من الروابط والاعتمادية المتبادلة، وكسب نفوذ كبير على العديد من الدول الأخرى.
ولأن الإفراط في استغلال هذا النفوذ بشكل صارخ كان سيقوضه، كانت السياسة الخارجية الأميركية أكثر نجاحًا عندما مارس القادة الأميركيون القوة المتاحة لهم مع ضبط للنفس. وقد عملوا مع دول تشاركهم الرؤى لإنشاء ترتيبات مفيدة للطرفين، مدركين أن الدول الأخرى ستكون أكثر استعدادًا للتعاون مع الولايات المتحدة إذا لم تشعر بالخوف من طموحاتها. لم يكن أحد يشك في أن واشنطن تمتلك قبضة حديدية. ولكن من خلال تغليفها بقفاز من المخمل -بمعاملة الدول الأضعف باحترام وعدم محاولة انتزاع كل ميزة ممكنة- تمكنت الولايات المتحدة من إقناع أهم الدول في العالم بأن الانحياز إلى سياساتها الخارجية هو خيار أفضل من الشراكة مع منافسيها الرئيسيين.
لكنّ الهيمنة الافتراسية تهدر هذه المزايا في سبيل تحقيق مكاسب قصيرة المدى وتتجاهل العواقب السلبية طويلة المدى. وبطبيعة الحال، لن تواجه الولايات المتحدة تحالفًا ضخمًا مضادًا أو تفقد استقلالها -فهي قوية للغاية ومتموضعة بشكل مواتٍ بحيث لا تواجه هذا المصير. لكنها، مع ذلك، ستصبح أفقر، وأقل أمانًا، وأقل نفوذًا مما كانت عليه خلال معظم حياة الأميركيين الحاليين. وسيجد القادة الأميركيون في المستقبل أنفسهم وهم يعملون من موقع أضعف، وسيترتب عليهم خوض معركة شاقة من أجل استعادة سمعة واشنطن كشريك يخدم مصلحة ذاتية، ولكنه عادل.
إن الهيمنة الافتراسية هي استراتيجية خاسرة، وكلما أسرعت إدارة ترامب في التخلي عنها، كان ذلك أفضل.
*ستيفن م. وولت Stephen M. Walt: عالم أميركي بارز في العلاقات الدولية، يشغل منصب أستاذ روبرت ورينيه بيلفر في الشؤون الدولية بكلية كينيدي في جامعة هارفارد. يُعدّ من أبرز ممثلي مدرسة الواقعية الهيكلية في العلاقات الدولية، ويركز في أبحاثه على توزيع القوة بين الدول وأثر ذلك على السلوك الدولي، ويدافع عن تحليلات تستند إلى موازين القوى بدلًا من التفسيرات الأيديولوجية. من بين أعماله المعروفة "النظرية والنظام الدولي" Theory and the International System؛ و"الصداقة والسياسة الخارجية" Friendship and Foreign Policy. وشارك في تأليف كتاب "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الخارجية الأميركية" The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy، الذي أثار نقاشًا واسعًا حول تأثير اللوبيات على السياسة الخارجية الأميركية. تهتم أبحاثه بالهيمنة الأميركية والتحالفات والأمن الدولي والعلاقات بين القوى الكبرى، وله نفوذ بارز في النقاشات الأكاديمية والسياسية بشأن النظام الدولي.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Predatory Hegemon: How Trump Wields American Power