عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-May-2026

«منصات التنبؤ»... الإعلام «التقليدي» في مواجهة تحدٍّ جديد*د. ياسر عبد العزيز

 الشرق الاوسط

لقد تطور الواقع الاتصالي الراهن بسرعة لم تشهدها البشرية في أي حقبة سابقة، وفي خضم هذا التحول المُتسارع تتشكل فرص استثنائية تفتح آفاقاً جديدة أمام صناعة المحتوى والتحليل، غير أنها تُفرز في الوقت ذاته تحديات عميقة تهز بنى راسخة، وتطرح تساؤلات مُلحة على مرجعيات لطالما كانت مستقرة.
 
وضمن تلك التحولات، تشق «منصات التنبؤ الجماعي» طريقها بقوة لافتة إلى مشهد إعلامي مُضطرب أصلاً، حاملةً معها إشكاليات لم يُحسم الجدل بشأنها بعد؛ فهل ستمنح تلك المنصات الإعلام «التقليدي» أداةً جديدة تُعيد له شيئاً من النفاذ والمصداقية، أم ستُضيف إلى أعبائه الثقيلة عبئاً جديداً يُعزز الضغوط عليه، ويُقوي شوكة الفوضى المعلوماتية التي يعاني بسببها؟
 
آلية عمل هذه المنصات في جوهرها بسيطة وذكية في آن. فهي تطرح أسئلة محددة حول أحداث مستقبلية قابلة للتحقق؛ من قبيل: هل ستتوقف الحرب الراهنة؟ أو هل سيُخفض البنك المركزي الفائدة في اجتماعه المُقبل؟ ثم تدعو المستخدمين إلى شراء عقود رهان مالي تعكس درجة ثقتهم بتحقق هذا الحدث أو عدم حدوثه. فإذا اعتقد المتداول أن احتمالية وقوع الحدث عالية، اشترى العقد بسعر مرتفع، وإذا شك في تحققه باع بسعر مُنخفض. وتتراوح قيم هذه العقود بين صفر ومائة سنت أميركي، وتُشكل قيمتها السوقية في أي لحظة انعكاساً حياً لما يعتقده آلاف المتداولين في الوقت الفعلي. والمبدأ الذي يُسوغ هذا النموذج هو أن المال الحقيقي المُراهَن به يجبر المشارك على التفكير الجاد والتخلي عن التحيزات العاطفية، مما يجعل السعر الناتج مؤشراً أكثر صدقاً من مجرد استطلاع رأي تقليدي لا تبعات فيه على المشارك.
 
وتلك المنصات مثل بوليماركت (Polymarket) وكالشي (Kalshi) وبريديكت (PredictIt) ليست وليدة اليوم، لكنها شهدت في السنوات الأخيرة منعطفاً نوعياً في مستوى تأثيرها وانتشارها. فقد انبثقت في الأصل من رحم الاقتصاد السلوكي، مُستندةً إلى الفرضية القائلة بأن المعلومات المُستخلصة من ملايين العقول قد تتفوق في دقتها على ما يُنتجه خبير منفرد أو مؤسسة مركزية. ومن هذا المنطلق راحت تلك المنصات تراهن على «ذكاء الحشود»، وتوظف آليات السوق لاستشراف الأحداث، من الانتخابات الكبرى إلى القرارات الاقتصادية المفصلية، مروراً بالأزمات الجيوسياسية وتقلبات المناخ.
 
وما يجعل هذه المنصات استثنائية أنها لم تبقَ حبيسة الدوائر التقنية وعمليات المُضاربة، بل شقَّت طريقها إلى غرف التحرير في مؤسسات إعلامية مرموقة. فقد بات عدد من كبار المحررين في صحيفة «ذا إيكونوميست»، ووكالة «رويترز»، يرصدون أسعار العقود في تلك المنصات، بوصفها مرجعاً موازياً، حين يعالجون الأحداث السياسية والاقتصادية الكبرى. وتشير الدراسات إلى أن استطلاعات «بوليماركت» أثبتت في بعض سياقات الانتخابات الأميركية دقةً في التنبؤ فاقت ما أجرته مراكز استطلاع رأي تقليدية ذات تاريخ عريق. وهذا ما دفع بعض الباحثين إلى الدعوة إلى دمج هذه الأدوات ضمن منظومة صنع القرار المعلوماتي، مؤكدين أن ثمة قيمة معرفية حقيقية يمكن استخراجها منها متى توافرت الضمانات اللازمة.
 
وفي المقابل، فإن بعض المؤسسات الإعلامية الوازنة آثرت التريث، وأبدت مخاوف جوهرية من الاستسلام لإغراء هذه المنصات. وفي مقدمة هذه المخاوف أن منصات المراهنات هشة أمام التلاعب المُنظَّم، إذ يستطيع فاعل ذو موارد مالية ضخمة أن يُضخ أموالاً في اتجاه بعينه فيُوهم الرأي العام بأن ثمة توافقاً على نتيجة محددة، مُستغلاً ما يوليه الإعلام من اهتمام لهذه الأسعار. وقد رصدت دراسة أصدرها «معهد أكسفورد للإنترنت» حالات موثقة لمحاولات توظيف هذه الآليات في التأثير على تأطير الحدث إعلامياً في اتجاه مُعين.
 
وأمام هذه المعادلة المُعقدة، لا تكمن الحكمة في الرفض المطلق ولا في الاستسلام الأعمى. فالإعلام «التقليدي»، الذي يريد أن يصون مكانته، وأن يستخدم هذه الأدوات، يحتاج إلى بناء جدار فاصل وواضح بين التوظيف التحليلي لأسعار التنبؤ وبين منح هذه الأسعار سلطة تحريرية تفوق حدها. كما يستلزم الأمر تطوير بروتوكولات شفافة تُوضح للقارئ طبيعة المُعطيات التي يستند إليها المحرر، حتى لا يتحول التحليل إلى ترديد لصدى مُضاربات مالية.
 
والأهم من ذلك أن تركز المؤسسات الإعلامية على تدريب كوادرها لفهم منهجية «منصات التنبؤ» ونقاط ضعفها البنيوية.
 
وفي المحصلة، فإن «منصات التنبؤ» ليست سوى أداة معلوماتية كسائر الأدوات المشابهة، ولا تتحدد قيمتها عبر ما تنتجه من مُعطيات، ولكن من خلال الطريقة التي يتعامل بها الإعلام مع تلك المُعطيات. والإعلام «التقليدي»، الذي يبدو مُحاصراً من جوانب عديدة، ما زال يمتلك من الرصيد المهني ما يجعله قادراً على ترويضها والاستفادة الذكية منها، لا مجرد الانجراف خلفها.