عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Mar-2026

المناعة وفَضّ النزاعات ومُخَفِّضات العمران*د بسام الساكت

 الراي 

ينعش ذاكرتي ما نمر به من أحداث، في مادة درسناها في الجامعة في بريطانيا في "الاستراتيجيات الاقتصادية والاجتماعية" عن فنون المناعة والأمن وضبط الاحتكاك، مفادها فض النزاعات وإدارة السيطرة على الآخرين بلداناً، أو شركات، أو أفرادا، باستخدام أدوات اقتصادية، هي وسائل وحلول سلمية للنزاعات، دون اللجوء للحروب. كان أستاذي فيها اقتصاديا ذا خلفيَّة عسكرية درَّسنا مادة أسماها "الهندسة الاقتصادية والمالية" تلطيفاً وتنعيما لخُشونَتِها لكنها تكتيك استراتيجي للسيطرة والعبث من الأقوياء وليس للتعاون والتكامل.
الأحداث اليوم أنعشت ذاكرتي بالبروفيسور الفطن، فأذكر شرحه للأسلحة وأدوات الهندسة المالية والاقتصادية والتي ظاهرها اقتصادي، وباطنها سياسي، تحكم وتُخَلْخِل، وتبذُر، وتَفُك صراعات. وأتذكر قوله: شُد أحزمة العقل، واستثمر منعتك وقوتك الاقتصادية أولا، لإضعاف خصمك، فتنال من بنيته وقوته، لتُفْقِده بالتالي توازنه ومنعته الإدارية والسياسية، دون حرب أو صدام معه. فتحقق مرحلياً هدنة أو سلاما، يخدم هدفك الاستراتيجي. وما شاهدناه في تفتت الاتحاد السوفياتي نموذج صارخ، إذ لم تُغْنِهِ شيئا قوّته العسكرية ومخزونه النووي، حين ضعفت مناعته الاقتصادية، فانهار وتفتت. وكذلك، يوغسلافيا تيتو، وغيرها كُثْر، إذ استخدمت أدوات اقتصادية لإضعافهم كالتعرفة الجمركية، رفعا أو تخفيضا، والحصار الاقتصادي المباشر أو الجزئي أو الكلي أو المتدرج. كما يستخدم التحريض على الخصم، وإغراء فتح مؤسسات وصناديق التمويل لمشاريع مشروطة، هي فِيَلا بيضاء، تُشبِعُ غرور الخصم، و لا تديم النمو عنده؛ أو الإقراض السهل اسميا، أو إغراق أسواقه بسلع أسعارها مصطنعة مُخفَّضة، لا تَعكِسُ الكُلَف الحقيقية، فتودي بالمنتج المحلي في بلد يتَسلم المساعدات. وبالمحصلة تُودي بقطاع المنتجين عنده، ومثال ذلك بيع سلع استراتيجية كالحليب والحبوب بتخفيض مُفتَعَل، يُخْرِجُ المُنْتج المحلي من الحقول؛ وبالتدريج يفقد الخصم قواعِدَه، والمناعة الاقتصادية، ثم المناعه السياسية. ويصبح أسيرا لتوجيهات المانح، كما حدث في أميركا اللاتينية، وباكستان والهند وڤيتنام والعراق وشمال أفريقيا، ودول أخرة، إنها "هندسة تبعيّة اقتصادية تكنولوجية ثم سياسية". هي تماماً نقيض المَنَعة.
 
وقد يرافقها نهج حرب نفسية، أذْرُعها نشر الأخبار السلبية عن الخصم. وقد يرافق ذلك حملات "ترويج سلبي" محليا وخارجيا، "تنفخ في نفسية الخصم" أمام جمهورِه، "فتَتَورَّم ثقته بنَفسِه، وتُعملقهُ"، فيقاوم وربما يُغامِر، "فيدخل المصيدة"، وذلك "مبرر مستقل" للتحريض الإقليمي والدولي ومن ثم الهجوم عليه كفريسة سهلة. ويرافق "تضخيم " سلوكياته السلبية، إنباتُ "عناكب إخبارية" تجسُّسيَّة عليه، داخلية تجمعُ المعلومات وتقيسُ النَّبضَ وتُبْرِز وتُضخِّم سلبيات قيادات الإدارة العامة والمجتمع، باستخدام عناكب محلية غاضبة داخلية من أدوات وعملاء، تُستَثمَر براءتها أو جهلها أو عَمَالتها، فتُرْدِي بِسُمعَة الاقتصاد والمجتمع ليصبح بلد الخصم مجتمعاً مكروهاً منبوذاً، بل طاردٌ للمستثمر المحلي والخارجي فيَضْعُف، وتتخلف بنيته الاقتصادية وسوق رأس المال والخدمات البنكية والمصارف، و يُضحِي فريسة سهلة مُسَيطَرا عليها أو مُحيَّدة. ومثال ذلك العراق وسوريا ومصر الخمسينيات، وباكستان وفنزويلا، وكوبا وبعض دول آسيا.
 
وليست "الهندسة الاقتصادية" سراً مكتوما، بل واضحة معالمها ومقاصدها حتى للخصم، إنما العقول مَرْخيّة، لا مشدودة أحزِمَتها، حتى تعْقِلَها وُلاةُ أمورها. ويُتْرَكَ ولاة الأمور في خدرانِهم، وعلى علمٍ ورضى، يفوّضون الإدارة المحلية لمُقَرَّبين ضِعَاف أو مُلَوَّثين، لا عَمَودَ فِقريٍ عندهم، هُمْ بمَثابةِ "ألغام مؤقتة مُهَنْدَسَة".
 
إن ما يجري من حرب إسرائيلية أميركية على إيران وأذرعها حاضر أمامنا. أما نهجنا الأردني الاستراتيجي في المناعة "فقاعدته الحقيقية" تبدأ من الداخل. ذلك من "خِبْرتنا" في هذا العالم المتوحِّش، والوَهَن في حنانِ ذوي القربى -"التغريب العربي": أولا: المنعة الاقتصادية التدريجية، وتعاون عربي ما أمكن. فهو ركن في نهجنا. ثانيا: التعاون الدولي ركن ثانٍ هام، مع المؤسسات الجماعية الإقليمية والدولية، الاقتصادية أو الأمنية. ورغم أن هذا قد يُجانِب الروحانيات، إلا أن الاجتهاد العلمي مُبَاح، فلا حَرَجَ ولا مثلبة في تعاوننا معها جماعيا، أو مع دولة قوية، حِفاظاً على أمننا. فذلك خيار ذكي تكتيكي استراتيجي ودبلوماسي، نُفَعِّلُهُ وِفْقَ قراءتنا للبيئة حولنا، وتذَبْذُب واضمحلال التكامل الإقليمي الاقتصادي العربي. حقاً لقد خَدَمَ ترابطنا الدولي، ويخدِم مصلحتنا العليا، دون ارتهان لإرادة أو تَعَدٍ جامحٍ على سيادة، حمى البلاد لمراحل، ويُحَصِّنها من مصائد الأزمات الحقيقية أو المُفتَعَلة. كما وحافظ ويحافظ على جسورنا مفتوحة وصوتنا مسموع في العالم؛ وهذا واقع تفرضه الظروف. وصدقت أمثالنا في البلقاء: النَّاسُ على دِينِ مُلُوكِهم، عاشِرْ السْبَاع وَلاَ تْعاشرْ الضْباع، من أَفْطَرَ على ابْنِ عَمِّكَ تْغدَّاك، التْرِفْرِف بِكَسِّرْ الجِنْحان؛ والعُود المَرِن الطَّرِي ما بِنِكْسِر، وأخيراً: صابُونِ الْعَرَب لْحَاها.
 
ويحضُرني هنا، لقاء سياسي خاص لحِزْبِيينَ كِبار عندنا، بعد أحداث عام 1970، كُنتُ شاهدا مستمعا فيه، لتقويم المواقف، ودروس حرب 1967 واحتلال سيناء والجولان، والضفة وقبلها حرب السويس الثلاثية البريطانية الفرنسية الإسرائيلية على مصر عام 1956. لقد سمِعْتُ قناعات مَفادُها:" إنهم (اليسار ) قاوموا توجهات تعاون الأردن مع دول قوية وإقليمية، مشروع حلف بغداد ومشروع أيزنهاور
 
بل كفَّروا من فتح باب الحوار مع الغرب، واعترفوا أنهم - اليسار واتباعه- "خُدِعوا" من الغرب، إذ زَيَّنَ لهم العضوية، وشجعهم عليها. فردُّوا معاكسين معارضين "للتعاون والتحالف"؛ فقالوا: "فوقعنا في مصيدتهم".... "فلو كُنّا أعضاء في التعاون لما تجرأت إسرائيل وغيرها الاعتداء على عضو فيها ولم نحصد احتلالات مُرَّة". هذه قناعةُ كِبار، من اليسار واليمين، كُنْتُ شاهدا عليها.
 
الأردن يعرف نفسه وقدرته، بحمد الله. وقيادتنا ليست من "قيادات الميكرفونات" ناقصةَ التاريخ ، سطحيَّةَ الجذور. نحن نعرف حجمنا، وقدراتنا، وحدودنا، كما ونُدرِك حجم الخصوم، فنقف عند الحدود، والأحداث اليوم شاهدة على ذلك.
 
إن "حسن التدبير" في موازناتنا العامة، والموازنات العائلية، مناعة داخلية مالية واقتصادية، فيها شد أحزمة العقول والبطون معاً. وهي "معادلة رياضية وعلاج دائم" ، يُحَصِّن المجتمعات، ويرفع مناعتها السياسية والإدارية، ويُدِيمُ "العِمْران". ولدينا من الأمثال في البلقاء ما يُفِيدْ :مَنْ رَقَّع ما عِرِي، ومن دبَّر ما جَاع، والّلي أُمُّه خبَّازِة ما بْجُوع، وقِرْش بجيبك خير مِن نيرَة في جيب غيرَك.
 
ولقد سبق الجميع في هذا "النهج العقلاني" في "منَعَةِ العمران"، العالم العربي التونسي ، ابن خلدون .