عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    25-Jan-2026

الحرب المنسية: حملة "الصدمة والرعب" الإسرائيلية في الضفة الغربية

 الغد- ترجمة: علاء الدين أبو زينة

رمزي بارود- (كومون دريمز) 16/1/2026
جرى تجاهل أعنف فترات العدوان الإسرائيلي على الضفة الغربية منذ الانتفاضة الثانية إلى حد كبير -جزئيًا بسبب هول الإبادة الجماعية في غزة وحجمها الهائل. لكنّ تداعيات ما يجري في الضفة قد تكون مدمّرة بنفس القدر. هناك تسابق إسرائيل الزمن بينما تعمل على ترسيخ ما تأمل أن يتحول إلى واقع جديد على الأرض لا يُمكن نقضه.
 
 
صدمة، ورعب. إنه تعبير دقيق في توصيف ما فعلته إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة، وشرعت فيه بشكل شبه فوري عقب أحداث السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 وبداية الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة.
في كتابها "عقيدة الصدمة" The Shock Doctrine، تعرّف نعومي كلاين Naomi Klein "الصدمة والرعب" بوصفه يتجاوز التكتيك العسكري ليكون إستراتيجية سياسية واقتصادية تستغل لحظات الصدمة الجماعية -سواء كانت ناجمة عن حرب، أو كارثة طبيعية، أو انهيار اقتصادي- لفرض سياسات جذرية ينبغي أن تستدعي، في الظروف العادية، مقاومة واسعة. ووفقًا لكلاين، فإن المجتمعات التي تعيش حالة الصدمة تصبح مشوشة وضعيفة بطريقة تتيح لأصحاب السلطة تمرير تحولات شاملة في وقت تعاني فيه المعارضة من التفكيك أو تكون عاجزة عن المواجهة.
على الرغم من أن هذه السياسة غالبًا ما تُناقش في سياق السياسة الخارجية الأميركية -من العراق إلى هايتي- فقد استخدمت إسرائيل تكتيكات الصدمة والرعب بوتيرة أعلى، وباتساق أكبر، وبقدر أوفر من الإتقان. وعلى خلاف الولايات المتحدة التي طبّقت هذه العقيدة بصورة متقطعة في مسارح بعيدة، استخدمتها إسرائيل بشكل متواصل ضد سكان واقعين تحت سيطرتها العسكرية المباشرة.
في واقع الأمر، كانت النسخة الإسرائيلية من "الصدمة والرعب" منذ زمن طويل سياسة ثابتة ومألوفة تمامًا لقمع الفلسطينيين. وقد طُبّقت هذه السياسة على مدى عقود في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وامتدت إلى دول عربية مجاورة كلما اقتضت الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية ذلك.
في لبنان، عُرف هذا النهج باسم "عقيدة الضاحية"، نسبة إلى حيّ الضاحية الجنوبية في بيروت الذي دمّرته إسرائيل بشكل منهجي خلال حربها على لبنان في العام 2006. وتدعو هذه العقيدة إلى استخدام قوة غير متناسبة ضد المناطق المدنية، والاستهداف المتعمّد للبنى التحتية، وتحويل أحياء كاملة إلى ركام، بهدف ردع المقاومة عن طريق العقاب الجماعي.
وكانت غزة مركز الثقل في تطبيق إسرائيل لهذه التكتيكات. في السنوات التي سبقت الإبادة الجماعية، كان المسؤولون الإسرائيليون يقدّمون اعتداءاتهم على غزة بوصفها حروبًا محدودة "مُدارة"، تهدف إلى إضعاف المقاومة الفلسطينية بشكل دوري.
تم تبرير هذه العمليات من خلال مفهوم "جزّ العشب"، وهو تعبير يستخدمه استراتيجيون عسكريون إسرائيليون لوصف اللجوء الدوري إلى استخدام العنف الكاسح من أجل "إعادة ترسيخ الردع". وكان منطق هذا النهج يقوم على أن مشكلة غزة لا يمكن حلّها سياسيًا وإنما يمكن إدارتها فقط إلى أجل غير مسمّى عن طريق التدمير المتكرر.
اتّبع ما تكشّف في الضفة الغربية بعد وقت قصير من بدء الإبادة في غزة نمطًا مشابهًا بطريقة ملفتة. ابتداءً من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، أطلقت إسرائيل حملة غير مسبوقة من العنف في مختلف أنحاء الضفة الغربية. وشملت هذه الحملة تنفيذ اقتحامات عسكرية واسعة النطاق للمدن ومخيمات اللاجئين، والاستخدام الروتيني للغارات الجوية -التي كانت نادرة سابقًا في الضفة الغربية- والانتشار الواسع للآليات المدرعة، إلى جانب تصاعد عنف المستوطنين الذي يجري بدعم، أو بمشاركة مباشرة من الجيش الإسرائيلي.
إلى جانب ذلك ارتفعت حصيلة القتلى بشكل حاد، حيث قُتل مئات الفلسطينيين خلال بضعة أشهر، من بينهم أطفال. وتعرّضت مخيمات لاجئين بأكملها، مثل جنين ونور شمس وطولكرم، لتدمير منهجي. وجرى فيها تجريف الطرق، وهدم المنازل، وتخريب شبكات المياه والكهرباء، وفرض قيود شديدة على الوصول إلى الخدمات الطبية. كما فرضت القوات الإسرائيلية حصارًا متكررًا على مجتمعات كاملة، ومنعت حركة سيارات الإسعاف والصحفيين والعاملين في المجال الإنساني.
وفي الوقت نفسه، سرّعت إسرائيل وتيرة التطهير العرقي للتجمعات الفلسطينية، وخاصة في المنطقة "ج". وتم تفريغ عشرات القرى البدوية والريفية من سكانها الفلسطينيين قسرًا باستخدام مزيج من الأوامر العسكرية، واعتداءات المستوطنين، وهدم المنازل، وحرمان السكان من الوصول إلى الأراضي والمياه. ودُفعت العائلات إلى الرحيل تحت وطأة إرهاب متواصل صُمِّم لجعل الحياة اليومية مستحيلة.
مع ذلك، جرى إلى حدٍّ كبير تجاهل أعنف فترات العدوان الإسرائيلي على الضفة الغربية منذ الانتفاضة الثانية (2000–2005). حدث ذلك في جزء منه بسبب الحجم الهائل للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة وهولها. وقد جعل هول تدمير غزة العنف في الضفة الغربية يبدو ثانويًا في المخيلة العالمية، على الرغم من أن عواقبه بعيدة المدى قد تكون مدمّرة بالقدر نفسه.
في الوقت ذاته نجح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وائتلافه المتطرف في تقديم أنفسهم للعالم بوصفهم متهورين، غير منضبطين، ومندفعين أيديولوجيًا -مستعدين وقادرين على توسيع دائرة الدمار إلى ما هو أبعد من غزة ليشمل الضفة الغربية، ويتجاوز حدود إسرائيل إلى الدول العربية المجاورة. وعمل هذا الاستعراض للتطرف ليكون بمثابة استراتيجيةٍ سياسية.
كانت النتائج واضحة لا لبس فيها. ثمة مساحات واسعة من الضفة الغربية أصبحت أنقاضًا. وثمة مجتمعات كاملة تحطمت وتفككت بنيتها الاجتماعية والمادية عمدًا. ووفقًا لـ"وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى" (الأونروا)، ما يزال أكثر من 12 ألف طفل فلسطيني مشرّدين، في مؤشر متزايد على أن هذا التشريد قد يتحول إلى حالة دائمة لا مؤقتة.
مع ذلك كله، يقدم التاريخ درسًا حاسمًا. لقد أثبت النضال الفلسطيني ضد الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي مرارًا أن الفلسطينيين لا يظلون سلبيين إلى الأبد. وعلى الرغم من الشلل والتفكك اللذين تعانيهما قيادته السياسية، تمكن المجتمع الفلسطيني على الدوام من إعادة توليد قدرته على المقاومة.
تدرك إسرائيل هذه الحقيقة أيضًا. وهي تعلم أن الصدمة ليست أبدية، وأن الخوف يفسح المجال في نهاية المطاف للتحدي، وأن الفلسطينيين سيعيدون، ما إن يبدأ الأثر الفوري للصدمة في الانحسار، تنظيم صفوفهم ويدفعون في مواجهة شروط الهيمنة المفروضة عليهم.
إن ما يجري في الضفة هو سباق مع الزمن. هناك تعمل إسرائيل على ترسيخ ما تأمل أن يتحول إلى واقع جديد غير قابل للنقض على الأرض -واقع يتيح الضم الرسمي، ويطبع الحكم العسكري الدائم، ويستكمل التطهير العرقي لشرائح واسعة من الشعب الفلسطيني.
لذلك، أصبح تحصيل فهم أعمق وأكثر استدامة لما يجري حاليًا في الضفة الغربية أساسيًا. ومن دون مواجهة هذه الحقيقة مباشرة ستتقدّم الخطط الإسرائيلية لتصل حدودًا بعيدة من دون تحدٍّ يُذكر. وليس كشف هذه المخططات ومقاومتها -وفي نهاية المطاف إفشالها- مسألة تحليل سياسي فحسب. إنها واجب أخلاقي لا ينفصل عن دعم الشعب الفلسطيني من أجل استعادة كرامته وتحقيق حريته التي طال أمد حرمانه منها.
*رمزي بارود: صحفي ورئيس تحرير "ذا فلسطين كرونيكل". ألّف خمسة كتب، من بينها: "هذه السلاسل ستُكسَر: حكايات فلسطينية عن النضال والتحدي في السجون الإسرائيلية" (2019)، و"كان أبي مناضل حرية: الحكاية غير المروية لغزة" (2010)، و"الانتفاضة الفلسطينية الثانية: تأريخ لنضال شعب" (2006). يشغل الدكتور بارود منصب زميل بحثي أول غير مقيم في مركز الإسلام والشؤون العالمية (CIGA) بجامعة إسطنبول زعيم (IZU). 
*نشر هذا المقال تحت عنوان: A War Without Headlines: Israel’s Shock-and-Awe Campaign in the West Bank