الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
غيّوم لونغ* - (فورتشن. كوم) 18/3/2026
عمدت الولايات المتحدة إلى مهاجمة إيران لإظهار قوتها وتأكيد استمرار هيمنتها. لكن هذه الحرب أصبحت خاسرة فعليًا. وأصبحت عملية "الغضب الملحمي" تبدو باطراد أقرب إلى عملية إخفاق ملحمي.
يبدو أن الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران قد خُسرت مسبقًا بالنسبة للولايات المتحدة. حتى لو هُزمت إيران عسكريًا، فمن غير المرجح أن تتحقق الأهداف السياسية التي وضعتها الولايات المتحدة لهذه الحرب. وفي التحصيل الأخير، ستخرج الولايات المتحدة من هذه الحرب وقد أصبحت أضعف.
تكمن المشكلة الأكبر التي يواجهها الرئيس ترامب في محاولته تربيع دائرة مستحيلة: فرض تغيير للنظام في إيران من دون الالتزام بنشر قوات برية. ويدرك ترامب أن أيًا من قاعدته السياسية ضمن حركة "جعل أميركا عظيمة مرة أخرى" (ماغا)، وكذلك الرأي العام الأميركي، ليس لديهما أي شهية على الإطلاق لخوض حرب برية طويلة جديدة في الشرق الأوسط. لكن تغيير النظام من الجو لا ينجح في بلد يبلغ عدد سكانه 90 مليون نسمة، وتزيد مساحته أربع مرات على مساحة العراق، والذي أمضى عقودًا في الاستعداد لمواجهة هذه النتيجة. وبذلك تجد الولايات المتحدة نفسها عالقة في مفارقة وجود قيادة تسعى إلى إعادة فرض هيمنتها العالمية عن طريق الإكراه والقوة الصلبة، في مقابل مجتمع يرفض بشكل أساسي أي حرب يمكن أن تنطوي على خسائر كبيرة في الأرواح الأميركية.
لماذا كسر إيران أصعب مما يبدو
على الرغم من كل الحديث الذي ظهر خلال العامين الماضيين عن إضعاف إيران، أظهرت الأحداث الأخيرة قدرة البلد على المقاومة والصمود. وتعتمد مرونة إيران على بنية عسكرية وأمنية شديدة اللامركزية، تتداخل فيها هياكل القيادة بين القوات المسلحة النظامية و"الحرس الثوري الإسلامي". وقد أظهرت الأيام الأخيرة مدى اتساع وشمولية التخطيط للطوارئ الذي طورته إيران لضمان استمرارية عمل الدولة، حتى في ظل التعرض لهجمات متواصلة. وفي الحقيقة، كانت الضربات الجوية التي استهدفت القيادة الإيرانية غير فعّالة -بل وربما جاءت بنتائج عكسية، نظرًا لما أحدثته من تعزيز نزعة التشدد لدى القطاعات المؤيدة للحكومة، فضلًا عن تفعيلها لبروتوكولات حرب كانت مُعدّة سلفًا.
ولا يقل أهمية عن ذلك حقيقة أن استراتيجية إيران بُنيت حول الحرب غير المتكافئة وإدارة التصعيد، حيث تتيح لها ترسانتها من الأسلحة وشبكات الوكلاء نشر الفوضى في أنحاء المنطقة بينما تفرض كلفة باهظة على خصومها. وفي حين أن إنتاج المسيّرات والصواريخ الإيرانية منخفض التكلفة نسبيًا، فإن اعتراضها يتطلب صواريخ اعتراضية قد تصل كلفتها إلى ما يعادل 200 ضعف -ومحدودة من حيث الإمداد.
وهو ما يضع ترامب أمام فخ استراتيجي، حيث يتعين عليه الاختيار بين الكلفة السياسية لفشله في تحقيق هدف تغيير النظام، والكلفة السياسية التي تترتب على التراجع عن وعده الداخلي بعدم خوض "حروب أبدية" جديدة. ولعل الاستراتيجية الوحيدة القابلة للتطبيق للخروج من هذا المأزق هي صناعة مظهر انتصار: إعلان تحقيق الأهداف حتى عندما يكون واضحًا تمامًا أنها لم تتحقق.
اتفاق السلام الذي جرى تخريبه قبل يوم واحد من الهجوم
حتى لو نجح ترامب في حفظ ماء وجهه داخليًا، فإنه خسر الحرب مُسبقًا على المستوى الدولي -وربما يكون الدليل الأكثر استحقاقًا للإدانة على ذلك ما حدث في اليوم الذي سبق سقوط القنابل.
أول مصادر الاستياء هو أن الولايات المتحدة دخلت هذه الحرب بناءً على طلب إسرائيل. وكانت إسرائيل تدفع منذ سنوات نحو خوض مواجهة حاسمة مع إيران، على الرغم من التحذيرات المتكررة من شركاء واشنطن التقليديين الآخرين في الخليج الفارسي. وقد عارضت دول الخليج، المنضوية في "مجلس التعاون الخليجي"، هذه الحرب منذ البداية لأنها تدرك أن صراعًا كبيرًا مع إيران سيؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة بأكملها. ولم يتم إبلاغها مسبقًا بالهجوم الذي جرى التخطيط له بدقة بالتنسيق مع إسرائيل. وقد عبّر الأمير تركي الفيصل، الرئيس السابق للاستخبارات السعودية، عن شعور إقليمي واسع عندما قال لشبكة (سي. إن. إن): "هذه حرب نتنياهو".
كان هذا الرفض هو الذي دفع دولا عدة إلى دعم الجهود الدبلوماسية التي كانت جارية بالفعل عندما بدأ الهجوم. وكانت سلطة عُمان قد أعلنت في اليوم السابق للهجوم عن تحقيق اختراق مهم: وافقت إيران على عدم تخزين مواد انشطارية لديها -وهو تنازل يتجاوز ما كانت قد وافقت عليه في اتفاق العام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة)، الذي كان ترامب قد أجهضه سابقًا. وقال وزير الخارجية العُماني: "ثمة اتفاق سلام أصبح في متناول أيدينا"- قبل أن يقول في اليوم التالي، بعد بدء الضربات: "أشعر بخيبة أمل. لقد جرى تقويض مفاوضات نشطة وجادة مرة أخرى". وهكذا مات ذلك الاتفاق قبل أن يُقلع. ويجدر التوقف كثيرًا عند هذه الحقيقة.
كيف تحدِث الحرب تصدعات في تحالفات أميركا في الخليج
تتمثل الشكوى الثانية لدول الخليج في أن هذه الحرب عرّضت أمنها للخطر بشكل خطير. فنتيجة للهجوم الأميركي-الإسرائيلي، ردّت إيران بضرب منشآت في دول خليجية تستضيف قواعد عسكرية أميركية. وقد استهدفت الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية في الخليج أهدافًا في البحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان والسعودية وقطر. ويتصاعد الغضب في هذه الدول من أن الولايات المتحدة، في حين لم تبذل جهدًا يُذكر لحمايتها من هذه الضربات، فعلت الكثير لحماية إسرائيل. وتخلق هذه الدينامية بالضبط النتيجة الاستراتيجية التي سعت إليها إيران منذ زمن طويل: تقويض أسس البنية الأمنية الأميركية في الخليج. وإذا ما تآكلت الثقة بين واشنطن وشركائها الخليجيين -وهو ما قد يدفع بعض الدول في نهاية المطاف إلى تقليص تعاونها الأمني- فإن ذلك وحده يشكل انتصارًا استراتيجيًا مهمًا لإيران.
مع أن البحرين نجحت فعليًا في قيادة الجهود لإصدار قرار في مجلس الأمن الدولي يُدين إيران على هذه الضربات، فإن عداء دول الخليج لإيران ليس هو التطور الجديد هنا. الجديد هو تنامي الاستياء الإقليمي تجاه الولايات المتحدة -خاصة أن جميع الأطراف كانت تعلم أن إيران ستستهدف على الأرجح جيرانها إذا بادرت واشنطن إلى الهجوم أولًا.
وقد يذهب الوضع إلى المزيد من التدهور إذا اختارت واشنطن، بتشجيع من إسرائيل، المضي قدمًا في خيار التدمير الشامل لإيران بدلًا من البحث عن استراتيجية للخروج. لا أحد في المنطقة -باستثناء إسرائيل- يريد حربًا طويلة أو انهيارًا كاملًا للدولة الإيرانية. وما تزال أشباح الدول الفاشلة في ليبيا والحرب الأهلية في سورية تُخيّم على المنطقة. ونتيجة لذلك، ينظر جيران إيران بعين الريبة إلى الدعم المتجدد من وكالة الاستخبارات المركزية (سي. آي. إيه) للمقاتلين الأكراد، وكذلك إلى تصاعد الحديث عن تأجيج الحركات القومية الأذرية والبلوشية والعربية داخل إيران.
مع ذلك، يبدو أن العديد من حلفاء ترامب في الداخل ما يزالون غافلين عن هذه المخاوف. ومن الأمثلة اللافتة -والمحيّرة- على هذا الجهل المتجذّر التهديد الأخير الذي أطلقه السيناتور ليندسي غراهام لدول "مجلس التعاون الخليجي"، حين قال: "عليهم أن ينخرطوا أكثر في هذه المعركة لأنها تدور في فنائهم الخلفي... وإلا ستكون هناك عواقب" -وهو ما يجسّد عمق هذا الانفصال في الرؤية.
التداعيات الاقتصادية العالمية
خارج نطاق الشرق الأوسط، أصبحت هذه الحرب تشكل تهديدًا للاقتصاد العالمي بأسره. فقد ارتفعت أسعار النفط نتيجة الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز. وفي الولايات المتحدة، شهدت أسعار الوقود ارتفاعًا حادًا، وهو ما أثار مخاوف لدى الجمهوريين من أن استمرار أزمة الطاقة قد يضرّ بهم في انتخابات التجديد النصفي. وفي أجزاء من آسيا، لم يقتصر التأثير على ارتفاع أسعار الوقود والغاز المسال، وإنما تعدى ذلك إلى وضع قيود على الإمدادات، حيث تعاني دول عدة في جنوب وجنوب شرق آسيا مسبقًا من تقنين في الطاقة أدى إلى تقليص أسابيع العمل، وإغلاق شركات، وتعطيل جزئي للمدارس.
ومن جهتها، تواجه أوروبا بدورها بعضًا من نقاط الضعف الخاصة. ومع أن نهاية فصل الشتاء توفّر بعض السلوى، تظل احتياطيات الغاز المتوفرة لديها منخفضة. وقد سارعت روسيا إلى عرض شريان حياة طاقوي على أوروبا، لكنه عرض رفضه الأوروبيون حتى الآن إصرارًا منهم على الحفاظ على العقوبات. وفي الوقت نفسه، منحت واشنطن الهند في البداية إذنًا بشراء كميات محدودة من النفط الروسي، ثم رفعت العقوبات عن النفط الروسي بالكامل، ولو بشكل مؤقت. ويبدو أن روسيا في طريقها إلى أن تكون من أبرز المستفيدين من هذه الحرب.
وسوف تضطر الصين، التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات النفط من الخليج، إلى البحث هي الأخرى عن مصادر بديلة للطاقة -ما قد يسرّع اعتمادها على النفط الروسي. لكنّ هذه الحرب تميل، على المدى الأبعد، بالكفة الاستراتيجية بوضوح لصالح بكين. سوف يستنزف الصراع المطوّل الموارد العسكرية الأميركية على مستوى العالم، بما في ذلك في شرق آسيا- ويشكل سحب نظام الدفاع الصاروخي "ثاد" من كوريا الجنوبية مثالًا مبكرًا على آثار هذا التمدد المفرط.
كما ستؤدي هذه الحرب إلى مزيد من تآكل مكانة واشنطن العالمية وتعميق الشكوك لدى حلفائها الرئيسيين بشأن موثوقية قيادتها. وقد أمضت الصين سنوات في رعاية علاقاتها مع دول الخليج، بما في ذلك السعودية -وسيكون من بين النتائج الصافية لهذه الحرب تعزيز تلك الروابط. ويرى بعض المحللين أيضًا أن صدمة الطاقة قد تسرّع الانتقال العالمي نحو مصادر الطاقة المتجددة، بما يزيد الطلب العالمي على الألواح الشمسية والمركبات الكهربائية والبطاريات الصينية. وفي ظل ما يُنظر إليه كمغامرات عسكرية أميركية، ستواصل سمعة الصين في مجال الدبلوماسية والاستقرار الاقتصادي اكتساب المزيد من الجاذبية العالمية.
المفارقة النووية
إحدى أكبر المفارقات في هذه الحرب هي أنها تُنهي فعليًا أي شكل ذي معنى من أشكال ردع إيران -بما في ذلك ما يتعلق ببرنامجها النووي. وإذا ما تمكنت إيران من النجاة والبقاء رغم الدمار الهائل الذي أُلحق بها، فإن رغبتها في امتلاك رادع نووي ستزداد بشكل كبير. وبذلك، ربما تكون إحدى النتائج المحتملة لهذه الحرب تسريع التهديد ذاته الذي ادّعت أنها تسعى إلى منعه.
بالإجمال، تبدو "عملية الغضب الملحمي" على نحو متزايد أقرب إلى إخفاق ملحمي. وما بدأ كمحاولة لإظهار استمرار أهمية القوة العسكرية الأميركية التي لا تُضاهى، يتحول سريعًا ليكون أحد أكثر الأخطاء الاستراتيجية جسامة في هذا القرن -ولحظة مفصلية في التآكل المتدرّج للهيمنة الأميركية.
*غيوم لونغ Guillaume Long: زميل أبحاث أول في "مركز البحوث الاقتصادية والسياسية". شغل مناصب وزارية عدة في حكومة الإكوادور، منها وزير الخارجية، وزير الثقافة، ووزير المعرفة والمواهب البشرية. ومؤخرا، شغل منصب الممثل الدائم للإكوادور لدى الأمم المتحدة في جنيف. يركز بحثه بشكل أساسي على السياسة الخارجية لدول أميركا اللاتينية، والإقليمية والاندماج في أميركا اللاتينية، بما في ذلك عمل "منظمة الدول الأميركية"، و"السوق المشتركة الجنوبية"، و"اتحاد دول أميركا الجنوبية"، و"جماعة دول أميركا اللاتينية والكاريبي". على المستوى متعدد الأطراف، قاد مبادرات حول الملاذات الضريبية، ومعاهدات الاستثمار الثنائية، ومعاهدة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان والشركات العابرة للحدود.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The US Attacked Iran to Show Its Power but the War Is Already Lost. Epic Fury Looks Like an Epic Fail