بعد احتلال 60% من غزة.. لماذا يفضل نتنياهو تجميد الوضع الراهن؟
الغد
رغم تراجع كثافة القصف الشامل في غزة، لا يوحي المشهد بأن الحرب تتجه إلى خاتمة سياسية، بل إلى طور جديد من السيطرة الهادئة، تُستبدل فيه سياسة القضم التدريجي بإستراتيجية الإبادة المفتوحة، تحت مظلة اتفاق معلّق يمنح إسرائيل زمنا لإعادة تشكيل الواقع الميداني.
فالمرحلة الأولى من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي كان يفترض أن تمهّد لانسحاب وترتيبات دولية، تحولت عمليا إلى غطاء لإدامة وضع رمادي، تُبقي فيه تل أبيب يدها الطولى في الميدان من دون كلفة دولية توازي كلفة العودة إلى حرب واسعة.
هذا التحول شكّل جوهر النقاش في برنامج "مسار الأحداث"، حيث بدا أن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا تسعى إلى حسم الصراع ولا إلى إنهائه سياسيا، بل إلى تجميده في صيغة تسمح بتوسيع السيطرة ببطء، مع تجنّب ضغوط الانسحاب أو متطلبات التسوية.
ميدانيا، يتجلى هذا النهج في التوسع المتدرج لما يُعرف بـ"المنطقة الصفراء"، التي باتت تشمل أكثر من 60% من مساحة القطاع، مع استمرار عمليات الاغتيال والهدم ومنع عودة النازحين، في مسار يُعيد رسم الحدود الفعلية للسيطرة.
الدكتور إياد القرا، الكاتب والمحلل السياسي من خان يونس، يرى أن ما يجري ليس مجرد إجراءات أمنية، بل "هندسة مقصودة لواقع احتلالي جديد"، تُستخدم فيها الجغرافيا والضغط الديمغرافي لفرض فصل عملي بين شرق غزة الخاضع للسيطرة وغربها المكتظ بالنازحين.
ويشير القرا إلى أن دفع السكان قسرا نحو الشريط الساحلي، مع إبقاء المعابر مغلقة وتعطيل إعادة الإعمار، يرسّخ معادلة تقوم على تفريغ مساحات واسعة من الحياة، وتحويلها إلى نطاق أمني مغلق، يُدار كمنطقة عازلة طويلة الأمد.
إدارة الصراع
هذا المسار يتقاطع مع قراءة الدكتور مهند مصطفى، الأكاديمي والخبير في الشؤون الإسرائيلية، الذي يعتبر أن تل أبيب انتقلت من منطق الحسم العسكري إلى منطق "إدارة الصراع"، لأن الاحتلال المتدرج أقل كلفة سياسيا من حرب إبادة تعيد استدعاء العزلة الدولية.
فالبقاء في المرحلة الأولى من الاتفاق، مع استمرار عمليات محدودة، يمنح إسرائيل حرية حركة ميدانية، ويحول دون الانتقال إلى مرحلة ثانية تفرض انسحابا أو ترتيبات دولية قد تقيد قدرتها على التحكم بمستقبل القطاع.
ويرى مصطفى أن شعار "نزع سلاح حماس" يُستخدم في هذا السياق كأداة سياسية لتعليق المسار التفاوضي، وربط أي تقدم بشروط تعلم إسرائيل مسبقا صعوبة تحققها، بما يبرر الإبقاء على الوضع القائم كخيار "اضطراري".
من زاوية أخرى، يلفت الأكاديمي والخبير في سياسات الشرق الأوسط الدكتور محجوب الزويري إلى أن نتنياهو لا ينسف الخطة الأميركية صراحة، بل يعمد إلى "إفساد تنفيذها"، عبر تعطيل آلياتها وإغراق واشنطن بملفات إقليمية متداخلة تصرف الانتباه عن استحقاقات غزة.
فربط الانتقال إلى المرحلة الثانية بملفات إيران ولبنان وسوريا، وفق الزويري، يربك إدارة ترامب ويضعف قدرتها على ممارسة ضغط مركز، بينما يقدّم نتنياهو سلوكه بوصفه التزاما شكليا بالخطة لا خروجا عليها.
تباين صامت
وفي البعد الأميركي، يقدّم جو بوريلي، الزعيم الجمهوري السابق لمجلس مدينة نيويورك والمدير الإداري لمجموعة "تشارتويل" للإستراتيجيات، قراءة تشير إلى تباين صامت بين ترامب ونتنياهو حول توقيت الانتقال للمرحلة الثانية وآلياتها.
فالإدارة الأميركية، بحسب بوريلي، لم تضع أدوات تنفيذية واضحة، ولا جداول زمنية ملزمة لفتح المعابر أو نشر قوة دولية، ما يترك الاتفاق إطارا سياسيا بلا مخالب، ويمنح إسرائيل هامشا واسعا للمناورة وفرض الوقائع.
ويضيف أن سيطرة إسرائيل على المعابر، ولا سيما رفح، وتحكّمها في إدخال المساعدات، تحوّل البعد الإنساني إلى ورقة ضغط سياسية، تُستخدم لانتزاع تنازلات أو لتكريس معادلة السيطرة دون إعلان انهيار الاتفاق.
في غزة، كما ينقل القرا، يُترجم هذا الجمود إلى شعور متزايد بأن الهدنة لم تغيّر جوهر المعادلة، فالحصار قائم، والدمار يتسع، والانسحاب غائب، فيما تتحول الحياة اليومية إلى انتظار طويل تحت سقف خيام ومناطق مغلقة.
أما مصطفى فيرى أن نتنياهو يفضّل هذا الوضع لأنه يحقق له توازنا حساسا يرضي اليمين المتطرف بعدم تقديم تنازلات، ويجنّبه في الوقت نفسه مواجهة دولية شاملة، ويؤجل استحقاقات المساءلة الداخلية.
ويخلص الزويري إلى أن غياب آلية دولية ملزمة، سواء عبر مجلس الأمن أو قوة متعددة الجنسيات، يجعل المرحلة الأولى من الاتفاق أداة لتقنين القضم التدريجي لا جسرا نحو تسوية، في ظل عجز الوسطاء عن فرض الانتقال إلى ما بعدها.
-(وكالات)