عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Jan-2026

نظام عالمي راكد: أفول القوى الصاعدة (2-2)

 الغد

مايكل بيكلي* - (الإندبندنت) 15/11/2025
رهان الصين
إذا كان هناك أي بلد قادر على مواجهة الرياح المعاكسة اليوم، فهو الصين. فهي تنتج ثلث سلع العالم، وتصنع سفناً ومركبات كهربائية وبطاريات ومعادن أرضية نادرة، وألواحاً شمسية ومكونات دوائية أكثر مما تنتجه بقية أجزاء العالم مجتمعة. ويمكن للمراكز الصناعية الصينية، مثل شنجن وهيفي، تحويل التصميم من نموذج أولي إلى إنتاج ضخم في غضون أيام، مدعومة بأكبر شبكة كهرباء في العالم وقوة عاملة هائلة من الروبوتات الصناعية. وتمول بكين البحوث وتوجه الشركات وتخزن الموارد، في حين أن استراتيجيتها في مجال الذكاء الاصطناعي تعطي الأولوية للتطبيق العملي السريع ومنخفض الكلفة.
 
 
كما يمنحها حجمها الهائل نفوذاً كبيراً، حيث يمكنها إغراق الأسواق لإفلاس المنافسين مثلما فعلت مع الألواح الشمسية. ويمكنها إنتاج السلع الاستراتيجية -من الطائرات المسيرة إلى السفن والمعادن النادرة- بسرعة تفوق أي منافس. وعند النظر فيما تملكه من أصول وقدرات، تبدو الصين قوة لا يمكن إيقافها.
لكن وضع الصين من ناحية الأعباء والمسؤوليات أضعف بكثير، حيث يرتكز نموذج نموها على ثلاثة رهانات محفوفة بالأخطار، وهي أن الإنتاج الإجمالي أهم من العوائد الصافية؛ وأن عدداً قليلاً من الصناعات النموذجية والمتفوقة يمكن أن يعوض عن غياب النشاط الاقتصادي الواسع والمتنوع؛ وأن الحكم الاستبدادي يمكن أن يحقق ديناميكية أكبر من الديمقراطية. وقد ولدت هذه الرهانات ناتجاً مذهلاً، وإنما بكُلف متزايدة. ويظهر التاريخ أن هذه الالتزامات والأعباء عادة ما تكون حاسمة ومصيرية.
على مدى القرنين الماضيين، كانت الدول التي تمتلك موارد صافية أعمق -أي ما يبقى بعد توفير حاجات شعوبها والحفاظ على اقتصاداتها وأمنها الداخلي- هي التي تنتصر في 70 في المائة من النزاعات، و80 في المائة من الحروب، وفي جميع منافسات القوى العظمى. في القرن التاسع عشر، بدت الصين وروسيا عملاقتين على الورق بامتلاكهما أكبر اقتصادين في أوراسيا، لكن إمبراطوريتيهما المثقلتين بالالتزامات والأعباء هُزمتا مراراً وتكراراً على يد منافسين أصغر حجماً وأكثر كفاءة، مثل ألمانيا واليابان والمملكة المتحدة. وفي القرن العشرين، ضخ الاتحاد السوفياتي موارد هائلة في القطاعات الاستراتيجية، فأنفق ما يقارب ضعف ما أنفقته الولايات المتحدة على البحث والتطوير كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. ووظف ما يقارب ضعف عدد العلماء والمهندسين، بينما أنتج كميات هائلة من الفولاذ والأدوات الصناعية والتكنولوجيا النووية والنفط والغاز والمواد الخام الأخرى. وقد بنى سدوداً وسكك حديد عملاقة وحقق تقدماً باكراً في سباق الفضاء. ومع ذلك كانت تلك النجاحات استثناءات قليلة وسط حالة عامة من الركود. وانهار الاتحاد السوفياتي في نهاية المطاف لا بسبب نقص المشاريع العملاقة بل لأن اقتصاده الأوسع تآكل من الداخل.
وتتجه الصين اليوم نحو فخ مشابه، فيعتمد نموذجها القائم على الاستثمار على مدخلات متزايدة باستمرار لإنتاج عوائد أصغر فأصغر، حيث تتطلب كل وحدة إنتاج الآن ضعفَي إلى ثلاثة أضعاف رأس المال وأربعة أضعاف العمالة مقارنة بالولايات المتحدة. وللحفاظ على معدلات النمو الرسمية، أغرقت بكين النظام بالائتمان، فخلقت أكثر من 30 تريليون دولار من الأصول المصرفية الجديدة منذ العام 2008. وبحلول العام 2024، كان نظامها المصرفي قد تضخم ليصل إلى 59 تريليون دولار -أي ما يعادل ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي الصيني وأكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
في الواقع، يذهب جزء كبير من هذه الديون إلى شقق سكنية فارغة ومصانع غير مربحة وقروض متعثرة -أي الأصول التي تبدو كالثروة على الورق، ولكنها في الحقيقة سندات دين قد لا تُسدد مطلقاً. وقد انهار قطاع العقارات والبناء الذي كان يشكل حوالي 30 في المائة من الاقتصاد، وهو ما محا نحو 18 تريليون دولار من ثروة الأسر منذ العام 2020. وكانت الضربة التي تلقاها المواطنون الصينيون أقسى من تلك التي تعرض لها الأميركيون في العام 2008 لأن الأسر الصينية استثمرت أكثر من ضعف صافي ثروتها في العقارات مما استثمرته الأسر الأميركية. ومع خسارة كثير من الأسر متوسطة الدخل من مدخرات عمرها، توقف الدخل المتاح عند 5.800 دولار للفرد، والاستهلاك عند 39 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي -أي ما يعادل نصف النسبة المسجلة في الولايات المتحدة، وأقل بكثير مما حققته اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان خلال طفراتها الصناعية. وقد انهار الطلب وتراجعت الأسعار الآن إلى تسعة أرباع متتالية (نحو عامين وربع العام)، وهي أطول فترة انكماش اقتصادي شهدها أي اقتصاد رئيسي منذ عقود.
وهناك نقطة ضعف أخرى هي رأس المال البشري. بينما أنفقت بكين بسخاء أموالاً طائلة على البنية التحتية، فإنها أهملت شعبها. وهناك ثلث فقط من البالغين في سن العمل ممن أنهوا مرحلة تعليمهم الثانوي -وهي أدنى نسبة بين البلدان متوسطة الدخل. وعلى النقيض من ذلك، عندما كانت كوريا الجنوبية وتايوان عند مستوى الدخل نفسه في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، كان ما يقارب 70 في المائة من عمالهما يحملون شهادات التعليم الثانوي، وهو أساس مكنهم من الانتقال من خطوط التجميع إلى الصناعات المتقدمة والوصول إلى مستوى الدخل المرتفع. وفي المناطق الريفية في الصين، يدفع سوء التغذية والفقر كثيراً من الأطفال إلى ترك الدراسة قبل إتمام المرحلة المتوسطة. والنتيجة، كما أظهر الاقتصادي سكوت روزيل، هي مئات ملايين العمال الشباب غير المؤهلين لاقتصاد حديث، في وقت تختفي فيه وظائف البناء منخفضة المهارات التي كانت تستوعبهم في السابق.
وتتفاقم الأزمة بسبب العوامل الديموغرافية والضغوط المالية. فلو شكل كبار السن في الصين دولة بحد ذاتهم لكانت رابع أكبر دولة في العالم وأسرعها نمواً، حيث يبلغ عددهم اليوم ما يقارب 300 مليون نسمة، ومن المتوقع أن يتجاوز 500 مليون نسمة بحلول العام 2050. وبحلول ذلك الوقت، سيتولى إعالة كل متقاعد عاملان فقط بعدما كان العدد 10 عمال في العام 2000. ومع ذلك، فإن شبكة الأمان الاجتماعي ضعيفة للغاية؛ حيث لا تغطي المعاشات التقاعدية سوى نصف القوة العاملة، ومن المتوقع أن تنفد بحلول العام 2035. أما رعاية المسنين فهي أضعف من ذلك، إذ لا تمتلك الصين سوى 29 ممرضاً لكل 10 آلاف شخص مقارنة بـ115 في اليابان و70 في كوريا الجنوبية. كما أن تقلص القوى العاملة يقلص قاعدة إيرادات الحكومة. وقد تراجعت عائدات الضرائب من 18.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2014 إلى أقل من 14 في المائة في العام 2022 -أي أقل من نصف المتوسط المسجل في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
وتعقد بكين الأمل على تعزيز اقتصادها من خلال دعم الصناعات الاستراتيجية، لكن هذه القطاعات صغيرة جداً بحيث لا يمكنها تعويض انهيار قطاع العقارات. فقد شكلت المركبات الكهربائية والبطاريات والطاقات المتجددة معاً بالكاد ما يقارب 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للعام 2023، والكثير منها يتحول إلى عبء في حد ذاته. وأدت الإعانات إلى تخمة في الإنتاج وحروب أسعار وظهور مناطق صناعية شبه ميتة تشبه المدن الخاوية التي خلّفها ركود العقارات. وتنتج شركات صناعة السيارات الصينية ضعف عدد السيارات التي يمكن للسوق المحلية استيعابها، وما يقارب ثلاثة أضعاف الطلب على المركبات الكهربائية. وزادت شركات الطاقة الشمسية قدرتها الإنتاجية بمقدار 1000 غيغاواط في العام 2023 -أي خمسة أضعاف ما أنتجته بقية دول العالم مجتمعة، مما دفع إلى خفض الأسعار إلى ما دون الكلفة، في حين راكمت السكك الحديد عالية السرعة نحو تريليون دولار من الديون، حيث تعمل معظم الخطوط بخسارة. وأصبح ما يقارب ربع الشركات الصناعية الصينية غير مربح حالياً، وهي أعلى نسبة منذ العام 2001، وتقرب من ضعف ما كانت عليه قبل عقد من الزمن، في حين خسرت أكبر خمس شركات تكنولوجية في البلاد 1.3 تريليون دولار من قيمتها السوقية منذ العام 2021.
وعلى الرغم من تقديم أكثر من تريليون دولار من الإعانات الحكومية على مدى العقد الماضي، ما تزال الصين تعتمد على الولايات المتحدة وحلفائها لتأمين ما بين 70 و100 في المائة من 400 سلعة وتقنية حيوية تحتاج إليها. وعلى سبيل المثال، أصبحت رقائق أشباه الموصلات أكبر واردات البلاد، متجاوزة النفط الخام. ومع ذلك، لا يغطي الإنتاج المحلي سوى أقل من خُمس الطلب. وعلى صعيد التقنيات المتقدمة، تعتمد الصين بصورة شبه كاملة على الموردين الأجانب. وبعد فرض واشنطن قيوداً على تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي في العام 2022، قفزت حصة الولايات المتحدة من القدرة الحاسوبية العالمية المستخدمة في الذكاء الاصطناعي 50 في المائة تقريباً، بينما انخفضت حصة الصين إلى النصف، مما منح الولايات المتحدة تفوقاً بخمسة أضعاف. وقد أبرزت تلك الحادثة ما سماه العالمان ستيفن بروكس وبنجامين فاغل بـ"القوة التجارية الاستبعادية". ففي الصناعات التي تعتمد بصورة كبيرة على الاستثمار في البحث والتطوير، تستحوذ الولايات المتحدة وحلفاؤها على أكثر من 80 في المائة من الإيرادات العالمية. وفي الأوقات العادية تُترجَم هذه الهيمنة إلى قوة سوقية. أما في أوقات الأزمات فتتحول إلى سلاح، حيث يمكن أن تخسر الصين ما بين 14 و21 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي في حال انقطاع التجارة، مقارنة بـ 4 إلى 7 في المائة فقط للولايات المتحدة.
وتتفاقم نقاط الضعف هذه بسبب النظام السياسي الصيني. فقد حول الحزب الشيوعي الصيني الحكم الاستبدادي إلى قيد اقتصادي خانق، حيث شدد قبضته على القطاع الخاص ووجه رؤوس الأموال نحو الشركات المتصلة بأصحاب النفوذ السياسي. وانخفض عدد الشركات الناشئة المدعومة برأس المال الاستثماري من 51 ألف شركة في العام 2018 إلى ما يقارب 1.200 شركة فقط في العام 2023، وفقاً لـ"صحيفة فايننشال تايمز". وانخفض الاستثمار الأجنبي إلى أدنى مستوى له منذ ثلاثة عقود، بينما ارتفع هرب رؤوس الأموال مع مغادرة عشرات الآلاف من أصحاب الملايين ومعهم مئات المليارات من الدولارات سنوياً. والنتيجة هي اقتصاد هش يمتلك أصولاً هائلة ظاهرياً، لكنه يعاني من أعباء متفاقمة في العمق.
العواصف تلوح في الأفق
يوشك عصر صعود القوى العظمى على الانتهاء. وقد بدأت التداعيات مسبقاً في تأجيج الصراع. ويتمثل أحد التهديدات في أن الدول الراكدة بدأت تتجه نحو العسكرة لاستعادة الأراضي المفقودة والحفاظ على مكانتها كقوى عظمى. وقد أقدمت روسيا بالفعل على هذه الخطوة في أوكرانيا. وإذا لم يتم ردعها فقد توجه أنظارها نحو جيرانها الأكثر ثراء مثل دول البلطيق أو بولندا. وقد تُقدِم الصين على خطوة مشابهة ضد تايوان. بالنسبة لهذه القوى الصاعدة سابقاً، والتي تواجه اليوم حالة من الركود، قد يبدو الغزو مُغرياً ووسيلة لانتزاع الموارد والهيبة، وضم شعوب يبلغ متوسط دخل الفرد لديها أحياناً ضعف متوسط دخل الفرد فيها تقريباً، والسماح لقادتها بالظهور في صورة بناة إمبراطوريات بدلاً من أن يكونوا أوصياء على الانحدار.
ويُفاقم الخوف هذا الميل إلى العدوان، حيث يهدد الازدهار الغربي بجذب المناطق الحدودية بعيداً وإثارة الاضطرابات في الداخل. ويقوم كل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي ما يزال يطارده شبح انهيار الاتحاد السوفياتي في التسعينيات من القرن العشرين، والزعيم الصيني شي جينبينغ المتوجس من تكرار احتجاجات العام 1989 التي عمت البلاد وبلغت ذروتها في قمع "ميدان تيانانمن"، بإذكاء المشاعر المعادية لأميركا والنزعة الانتقامية لتعزيز حكمهما. وقد نجحا في ذلك إلى حد بعيد. وتحمّل روسيا شعبها خسائر هائلة في حرب بوتين على أوكرانيا في مقابل تعويضات مالية وعروض وطنية، فيما توجه الصين الشباب العاطلين عن العمل نحو حملات مقاطعة ذات طابع قومي، والاحتفالات بوعد شي بالنهضة الوطنية.
في الوقت نفسه، ضاعفت روسيا والصين إنفاقهما العسكري خمسة أضعاف مقارنة بالولايات المتحدة وحلفائها منذ العام 2000، في تكرار لحالات سابقة حينما قامت قوى مأزومة، مثل ألمانيا واليابان في فترة الكساد الكبير، والاتحاد السوفياتي في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، بإنفاق مواردها على التسلح، مراهنة على أنه بعد فقدانها القدرة على شراء النفوذ من خلال النمو، يمكنها فرض هيمنتها بالقوة بدلاً من ذلك.
وتوفر الأسلحة الدقيقة والطائرات المسيرة للدول الصغيرة أدوات دفاعية جديدة. لكنها قد تجعل بوتين وشي يعتقدان أن الانتصارات السريعة ممكنة. ففي بيئة مغلقة على نفسها لا تدور فيها سوى أفكار الديكتاتور والآراء المتوافقة مع معتقداته، فإن ما يبدو انتحاراً في نظر الناس العاديين قد يُنظر إليه على أنه قدر محتوم.
وثمة تهديد آخر يتمثل في الانهيار المتسارع للدول المثقلة بالديون والتي تشهد نمواً سكانياً سريعاً. في القرن التاسع عشر، حولت الثورة الصناعية النمو السكاني إلى مكاسب اقتصادية من خلال نقل الفلاحين إلى المصانع. لكن ذلك الطريق أصبح مغلقاً الآن. فقد أصبحت الصناعات التحويلية سلعة متداولة ومؤتمتة وتهيمن عليها الشركات القائمة، مما أبقى الوافدين المتأخرين عالقين في مجالات منخفضة القيمة. ما يزال نصيب أفريقيا جنوب الصحراء من العمالة الصناعية لا يتجاوز 11.5 في المائة، وهي نسبة بالكاد ارتفعت عما كانت عليه قبل ثلاثة عقود. ووعدت حملة "صنع في الهند" العام 2014 بنهضة صناعية. لكن نصيب قطاع الصناعة من الناتج المحلي الإجمالي ظل عند نحو 17 في المائة. وانخفضت حصة هذا القطاع من فرص العمل. وفي الشرق الأوسط، موّلت عائدات النفط تحديث المدن، ولكنها لم تسهم في تحقيق تصنيع واسع النطاق. 
جنَت دول فقيرة متعددة ثمار التقدم في متوسط العمر المتوقع الذي أتاحته الحداثة، ولكن من دون ثورة اقتصادية، مما حول النمو السكاني إلى عبء. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن 3.3 مليار شخص يعيشون حالياً في بلدان تتجاوز فيها مدفوعات الفوائد على الديون حجم الاستثمارات في الصحة أو التعليم. ومنذ العام 2015، شهد نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ركوداً في معظم أنحاء أفريقيا والشرق الأوسط، وانهارت معدلات المدخرات والاستثمارات وتجاوزت نسبة البطالة بين الشباب 60 في المائة في بعض البلدان. وتغذي هذه الضغوط حالة من الاضطراب، إذ تشهد حوالي ثلث الدول الأفريقية صراعات مسلحة. كما تصاعدت وتيرة العنف الإسلاموي المتطرف في منطقة الساحل بصورة كبيرة منذ العام 2015، حيث تنشط جماعات متطرفة، مثل "بوكو حرام" والفروع التابعة لتنظيم "القاعدة" وتنظيم "داعش" في أكثر من 12 دولة. ومع فرار الناس من هذه الفوضى ارتفعت معدلات الهجرة بصورة كبيرة. وحتى حزيران (يونيو) 2024، أحصت "مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين" أكثر من 120 مليون شخص نازح قسراً في جميع أنحاء العالم.
قد تؤدي دوامة فشل الدول إلى تفاقم تهديد ثالث، هو صعود النزعات المناهضة لليبرالية داخل الديمقراطيات نفسها. فبعد أن دفعت الحرب السورية بما يقرب من مليون لاجئ إلى أوروبا، شهدت القارة صعوداً ملاحظاً للأحزاب القومية الإثنية. وحدث تحول مماثل في الولايات المتحدة وسط موجة هجرة غير مسبوقة على الحدود الجنوبية خلال إدارة بايدن. وقد انهار مستوى ثقة الجمهور في الحكومة، فانخفض في الولايات المتحدة من نحو 80 في المائة في ستينيات القرن العشرين إلى حوالي 20 في المائة اليوم، بينما أدت الأتمتة وعدم المساواة إلى إضعاف الطبقات الوسطى وتأجيج الانقسامات القائمة على الهوية. وتستغل القوى الاستبدادية هذه الانقسامات. فروسيا ترعى الحركات المتطرفة وتدعمها، والصين تصدر أدوات المراقبة، وكلاهما يُغرق خصومهما الغربيين بالمعلومات المضللة.
لقد ازدهرت الديمقراطية الليبرالية تاريخياً في عصور النمو والفرص والوحدة. ولكن من غير الواضح على الإطلاق ما إذا كانت قادرة على الصمود في عصر الركود والهجرة الجماعية والتخريب الرقمي. ومع تآكل الديمقراطية الليبرالية في الداخل، يتفكك النظام الدولي الليبرالي في الخارج. وفي عالم يخلو من القوى الصاعدة، تتحول الولايات المتحدة إلى قوة عظمى مارقة تكاد لا تشعر بأي التزام تجاه أي أحد سوى نفسها. خلال الحرب الباردة، جمع الدور القيادي الأميركي بين شيء من الفضيلة وكثير من المصلحة الذاتية. وكان ثمن احتواء خصم صاعد هو حماية الحلفاء ونقل التكنولوجيا وفتح الأسواق الأميركية. وقد قبل الحلفاء علناً بهيمنة الولايات المتحدة لأن الجيش الأحمر كان على مقربة منهم، ولأن الشيوعية كانت تجذب مئات الملايين من المؤيدين. ولكن مع انهيار الاتحاد السوفياتي انهارت معه الحاجة إلى القيادة الأميركية. واليوم، ومع غياب الخطر الأحمر ووجود نظام ليبرالي غامض يحتاج إلى من يدافع عنه، تبدو عبارة "زعيم العالم الحر" جوفاء حتى في آذان الأميركيين أنفسهم.
نتيجة لذلك، تتخلى الاستراتيجية الأميركية عن القيم والذاكرة التاريخية، وتحصر تركيزها على المال والدفاع عن الوطن. ويكتشف الحلفاء الآن معنى الأحادية الصريحة، حيث تتحول الضمانات الأمنية إلى ابتزاز. وتُفرض الاتفاقات التجارية بالتعرفات الجمركية. وهذا هو منطق قوة الإكراه البحتة نفسه الذي أسهم في اندلاع حربين عالميتين. وقد أصبحت عواقب ذلك واضحة للعيان؛ فالمؤسسات متعددة الأطراف مشلولة، وأنظمة الحد من التسلح تنهار، والنزعات القومية الاقتصادية تتصاعد.
إن ما يلوح في الأفق ليس نظاماً متعدد الأقطاب تتشارك فيه القوى العظمى في حكم العالم، بل هو عودة لبعض أسوأ جوانب القرن العشرين -دول متعثرة تتجه نحو التسلح، وأخرى هشة تنهار، وديمقراطيات تتآكل من الداخل. والضامن المفترض للنظام ينكفئ نحو مصلحته الذاتية الضيقة.
جوانب إيجابية
ومع ذلك، إذا أمكنت إدارة أخطار اليوم، فقد يؤدي أفول القوى الصاعدة في نهاية المطاف إلى مستقبل أكثر إشراقاً. على مدى قرون، أسفر صعود القوى العظمى وسقوطها عن اندلاع أكثر الحروب دموية في التاريخ. ومن دون ظهور منافسين جدد، قد ينعم العالم أخيراً باستراحة من أكثر الدورات تدميراً على الإطلاق؛ دورة الصراع على الهيمنة. وكما أشار عالم السياسة غراهام أليسون، فقد شهدت الأعوام الـ250 الماضية 10 حالات تواجهت فيها قوة صاعدة مع قوة مهيمنة، وانتهت سبع من تلك الحالات بمجازر دامية. وقد يثار الجدل حول اختياره للحالات، لكن النمط الأساسي واضح: لقد أشعلت القوى الصاعدة حرباً كارثية مرة واحدة تقريباً في كل جيل.
إن عالماً يخلو من القوى الصاعدة لن ينهي الصراعات، ولكنه قد يزيل شبح تلك الحروب المدمرة للأنظمة. وسوف يستمر العنف -بل قد يؤدي الركود وانهيار الدول إلى زيادة وتيرة الصراعات المحلية. لكن من غير المرجح أن تتسم هذه الاشتباكات بالنطاق العالمي والحماسة الأيديولوجية والامتداد الزمني عبر الأجيال والقدرة التدميرية الشاملة التي اتسمت بها صراعات الهيمنة. وقد يؤدي تناقص عدد السكان وتباطؤ النمو الاقتصادي إلى إضعاف الطموح والقدرة على غزو القارات، أو حتى على النهوض مجدداً بعد التعثر. وقد يفضي عالم أقل ديناميكية أيضاً إلى صراع أكثر براغماتية بين الأنظمة الليبرالية والأنظمة الاستبدادية الفاسدة بدلاً من الحروب الشاملة للفاشية والشيوعية التي انبثقت عن اضطرابات التصنيع وسعت إلى إعادة تشكيل البشرية. ولن ينتهي التاريخ، ولكن ربما تطوى أكثر فصوله كارثية.
وقد يتعزز هذا الميل إلى تجنب الصراعات الكبرى بما يسميه عالم السياسة مارك هاس "سلام الشيخوخة". فالمجتمعات المتقدمة في السن تواجه ارتفاعاً هائلاً في كلف الرعاية الاجتماعية، وتناقصاً في أعداد المجندين المؤهلين للخدمة العسكرية، وناخبين يميلون إلى تجنب الأخطار. عشية الحرب العالمية الأولى، كان متوسط عمر سكان القوى الكبرى يقارب الـ25 عاما، أما اليوم فهو يتجاوز الـ40 عاما في جميع القوى العظمى باستثناء الولايات المتحدة (التي يقل فيها المتوسط قليلاً عن الـ40). وخلال عقد من الزمن، سيشكل كبار السن ربع سكان هذه الدول أو أكثر. قبل قرن من الزمان، دخلت المجتمعات الشابة في حروب عالمية. أما في القرن الحادي والعشرين، فقد تكون القوى التي يغلب عليها كبار السن أكثر تعباً وحكمة من أن تجرب ذلك.
وإذا تبين أن عالماً بلا قوى صاعدة أكثر هدوءاً من الناحية الجيوسياسية، فقد يكون الوضع الاقتصادي أيضاً أكثر إشراقاً من المتوقع. وحتى من دون ثورة صناعية أخرى، تعمل التقنيات الجديدة على تحسين الحياة اليومية. وقد أصبحت البشرية أكثر صحةً وعِلماً من أي وقت مضى. صحيح أن تباطؤ نمو الإنتاجية وشيخوخة السكان قد يؤثران سلباً في الناتج المحلي الإجمالي، لكنهما لا يمنعان حدوث ثورة أكثر هدوءاً في مستويات المعيشة، مما يخلق مستقبلاً تصبح فيه المجتمعات أكثر ثراء معرفياً وأكثر صحة بدنياً حتى مع انخفاض عدد سكانها.
ويكمن مصدر آخر للتفاؤل في التباين الديموغرافي الحالي. الاقتصادات المتقدمة غنية برأس المال ولكنها تعاني نقصاً في الأيدي العاملة، بينما تتميز معظم دول العالم النامي، وخاصة أفريقيا، بوفرة الأيدي العاملة وندرة رأس المال. ومن حيث المبدأ يمهد هذا لتقسيم جديد للعمل، حيث توفر المجتمعات المتقدمة في السن المدخرات والتكنولوجيا، بينما تقدم المجتمعات الأصغر سناً العمالة، وهو ما يخلق تآزراً يمكن أن يدعم النمو العالمي حتى مع تباطؤ نمو الاقتصادات الوطنية.
تشكل تدفقات التحويلات المالية وشراكات تطوير وتبادل المهارات والاستثمارات العابرة للحدود مؤشرات مبكرة على هذه العلاقة الجديدة، فيما تسهل المنصات الرقمية عملية التنسيق. ومع ذلك لا شيء من هذا يحدث تلقائياً. فسياسات التجارة والهجرة تتجه نحو الانغلاق. وما يزال استيعاب تدفقات المهاجرين الكبيرة من دون زعزعة استقرار المجتمعات يمثل تحدياً كبيراً. ومن دون إدارة حكيمة تتمثل في قنوات هجرة منظمة، وحدود آمنة، وضمانات للعمال، ونماذج جديدة للتعاون عن بعد، فإن ما يمكن أن يكون وصفة للنمو قد يتحول إلى عكس ذلك.
إن الفرصة حقيقية، لكن العقبات لا تقل عنها واقعية. والتنبؤ بالمستقبل مهمة محفوفة بالأخطار. بينما يمكن قياس الديموغرافيا غالباً ما تفاجئنا التكنولوجيا والسياسة. وقد تبدو الحقائق الراهنة ساذجة بعد جيل -أو حتى بعد بضعة أعوام. وما يمكن قوله بثقة هو أنه على مدى قرنين ونصف كانت السياسة العالمية مدفوعة بالصعود السريع للقوى العظمى، وأن القوى التي مكنت هذا الصعود آخذة في التراجع الآن. وهذا لا يضمن الاستقرار، ولكنه يشير إلى تحول عميق. فالصراع المألوف بين القوى الناشطة والمحتضرة يقترب من نهايته. وهناك قصة أخرى ما تزال معالمها غامضة بدأت في التكشف.
 
*مايكل بيكلي: أستاذ مساعد في العلوم السياسية بجامعة تافتس، وزميل غير مقيم في "معهد المشروع الأميركي" ومدير برنامج آسيا في "معهد السياسة الخارجية". المقال مترجم عن مجلة "فورين أفيرز"، حيث نشر عدد في تشرين الثاني (نوفمبر) - كانون الأول (ديسمبر) 2025.