عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    14-Jan-2026

إطفاء غزة*إسماعيل الشريف

 الدستور

أنت ما تغرّد – أليكس تيو، رائد أعمال بريطاني.
في عام 2012 أجرت شركة فيسبوك، قبل تحوّلها إلى ميتا، تجربة واسعة شملت 689 ألف مستخدم. عُرضت على المجموعة الأولى منشورات ذات طابع عاطفي في موجز الأخبار، فيما حُجبت هذه المنشورات عن المجموعة الثانية. ورغم أن المحتوى العاطفي حظي بتفاعل أعلى، فإن غالبية التعليقات اتسمت بالكآبة واستخدمت ألفاظًا ذات دلالات سلبية، بينما جاءت تعليقات المستخدمين الذين لم يتعرضوا لهذا النوع من المحتوى أكثر إيجابية. وقد أثبتت هذه التجربة أن الأجواء العاطفية تتسلل إلى وجدان المستخدمين وتؤثر مباشرة في حالتهم النفسية، وخلصت إلى نتيجة بالغة الأهمية مفادها أن إخفاء ما لا يزيد على 10% فقط من المنشورات السلبية أو العاطفية كفيل بإحداث تغيير ملموس في اتجاهات الرأي العام.
وهنا يفرض نفسه السؤال التالي: إذا عمدت منصة ما إلى تقليص ظهور المحتوى الذي يوثّق القصف والتجويع، ويكشف استحالة الواقع الإنساني، ودمار المنازل والمستشفيات، وقصص اغتصاب السجناء الجارية في غزة، ألن يؤدي ذلك بالضرورة إلى إعادة تشكيل الرأي العام تجاه هذه القضية؟ هذا بالضبط ما تنتهجه المنصات المملوكة لشركة ميتا، وعلى رأسها فيسبوك وإنستغرام، إذ تسعى قدر الإمكان إلى حجب مأساة غزة عن فضائها الرقمي، استنادًا إلى المقولة الشهيرة No News Is Good News، أي إن غياب الخبر هو في ذاته خبر جيد.
في كانون الأول 2023، أصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريرًا من 51 صفحة بعنوان «وعود ميتا الكاذبة: الرقابة الممنهجة على المحتوى الفلسطيني على إنستغرام»، وثّق إزالة أكثر من 1050 محتوى سلمياً مؤيداً لفلسطين، في مقابل السماح باستمرار خطاب كراهية يدعو صراحة إلى تدمير غزة. وخلال المجزرة، برز أيضًا مصطلح «قومية المعلومات» ليعبّر عن واقع بات مألوفًا، حيث تتسامح الدول مع انتهاكات حلفائها، بينما تقمع وتدين المحتوى الذي يفضح تلك الانتهاكات إذا تعارض مع مصالحها. ولعل المثال الأوضح على ذلك هو حظر تيك توك في الولايات المتحدة، ثم السعي لاحقًا إلى الاستحواذ عليه، والسبب لم يكن سوى أن المنصة أتاحت نشر صور ومواد توثّق المجزرة في غزة، ما أسهم بوضوح في إعادة تشكيل اتجاهات شريحة واسعة من الشباب الأميركي.
وفي تحقيق أجرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في كانون الأول من العام الماضي، سُجّل تراجع حاد بلغ 77% في حجم التفاعل مع 20 صفحة إعلامية فلسطينية على فيسبوك عقب طوفان الأقصى نتيجة إخفاء هذه الصفحات، في مقابل ارتفاع تفاعلات صفحات الإعلام الصهيوني بنسبة 37%. ولم يقتصر الأمر على خفض التفاعل، إذ أقدم فيسبوك على إزالة صفحات لوسائل إعلام فلسطينية قبل أن يعيد تفعيلها تحت ضغط احتجاجات المستخدمين. وفي السياق ذاته، فقد تلفزيون فلسطين، الذي يتابعه 5.8 مليون شخص، نحو 60% من مشاهداته، كما أُغلقت صفحتا «عين على فلسطين»، أحد أبرز مصادر توثيق الإبادة المصوّرة، و«قدس نيوز»، قبل أن تعودا إلى العمل إثر موجة احتجاجات واسعة.
لكي تنجح أي إبادة، لا بد أن تُرتكب في الظلام، تحت غطاء من التعتيم الإعلامي، وهو بالضبط ما تسعى إليه منصات التواصل الاجتماعي اليوم. فالمقصود هو تغييب أخبار غزة إلى الحد الذي يُخيَّل فيه أن الاهتمام بها قد خبا. فمن يسيطر على الفضاء الرقمي هو من يوجّه الرأي العام، وهو من يقرر أيّ الوقائع تبقى حيّة في الذاكرة، وأيّها تُدفن في النسيان.
من الضروري أن يدرك الناشطون وموثّقو الإبادة الجارية في غزة هذه الحقيقة بوضوح: ضعف التفاعل مع منشوراتهم لا يعكس تراجعًا في أهميتها، بل هو نتيجة إخفائها المتعمّد على منصات التواصل الاجتماعي. لذلك، لا ينبغي أن يتحوّل انخفاض التفاعل إلى سبب لليأس، بل إلى دافع للاستمرار والثبات، إدراكًا لطبيعة المعركة الدائرة على الوعي والذاكرة.
وأثناء تناولي موضوع المجزرة، اخترت أن أُسكت نداء النرجسية؛ فلا أعير أيقونات الإعجاب ولا سيل التعليقات اهتمامًا. يكفيني أن تبلغ المقالة أو المنشور شخصًا واحدًا، فتُحرّك وعيه وتُعيد تشكيل موقفه. فذلك، في جوهره، ينبغي أن يكون الهدف الأسمى لكل ناشط مناهض للإبادة.