عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    17-Jan-2026

لماذا أيد اليسار الإسرائيلي جرائم الحرب في غزة؟

  الغد

ياغيل ليفي* - (هآرتس بالعربي) 6/1/2026
حتى بعد تدمير قطاع غزة ومقتل عشرات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين، يرى خُمس المستطلَعين الإسرائيليين في استطلاع أجراه "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية" بعد التوقف الأخير للحرب، أن المساس بالسكان المدنيين في غزة ينبغي أن يكون له تأثير محدود على قرارات المستوى السياسي المتعلقة بمدة الحرب ونطاقها.
 
 
سوف نظل منشغلين لسنوات طويلة بهذا اللغز: ما الذي جعل المجتمع في إسرائيل يمنح دعمًا واسعًا للحرب على غزة؟ وهي حرب لم تكتفِ بالإخفاق في تحقيق أهدافها، بل وضعت إسرائيل أيضًا في قفص الاتهام بتهمة ارتكاب إبادة جماعية. ثمة مفتاح جزئي لفهم هذا الموقف يكمن في تحولات اليسار اليهودي (الصهيوني)، ذلك المعسكر الذي كان يُفترض به، تاريخيًا، أن يقف في وجه استخدام القوة غير الأخلاقية أو غير المجدية. غير أن هذا الاعتراض لم يصدر عنه هذه المرة، كما لا يمكن توقعه من اليسار العربي الذي جرى قمعه خلال الحرب، ولا من تيارات "الوسط" التي رأت في الحرب تعبيرًا عن "صحوة" سياسية وأمنية -وهي تيارات لم تكن أصلًا في موقع معارض قبل الحرب.
يكشف تحليل مواقف اليسار خلال الحرب عن هوة واسعة تفصله عن ماضيه السياسي والأخلاقي. وللاستدلال على ذلك، يمكن الرجوع إلى استطلاع أجراه "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية" بعد أيام قليلة من انتهاء الحرب. لم تعد المسألة مجرد استجابة ظرفية لضغط "رص الصفوف" الذي يرافق الحروب عادة. في تلك المرحلة كانت قد تراكمت بالفعل معطيات وشهادات عن استخدام قوة نارية غير متناسبة، وعن مستويات مرتفعة من "الأضرار الجانبية" التي سمحت الحكومة والجيش بإحداثها من خلال القصف الجوي الكثيف، بالإضافة إلى وقائع تتعلق بسوء معاملة الأسرى. ومع ذلك، حتى الاتهامات الصادرة عن شخصيات بارزة من اليمين أو من اليسار الصهيوني، مثل موشيه يعلون ويائير غولان، بشأن حدوث تطهير عرقي و"قتل الأطفال كهواية"، لم تكن كافية لزعزعة موقف مجمل اليسار الصهيوني أو لدفعه إلى مراجعة موقفه.
تكشف نتائج الاستطلاع المذكور عن معطيات مقلقة على نحو خاص. بحسب النتائج، يرى قرابة ثلث المستطلَعين من اليهود الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم من اليسار أن الامتناع عن القتل غير الضروري وعن إلحاق الأذى بالمدنيين الأبرياء يقيد قدرة الجيش على تنفيذ مهامه. وحتى بعد تدمير قطاع غزة ومقتل عشرات الآلاف من المدنيين، ما يزال خُمس المشاركين يعتقدون أن المساس بالسكان المدنيين من "العدو" ينبغي أن يكون له تأثير ضئيل، أو معدوم، على قرارات المستوى السياسي المتعلقة بمدة الحرب ونطاقها. كما يوافق ربع المستطلَعين، أو يوافقون إلى حد ما، على قتل "مخرّب" بعد تحييده، حتى وإن لم يعد يشكل خطرًا -أي تبرير قضية إيليؤر عزاريا.
ولا تقل خطورة عن ذلك مواقف أخرى برزت في الاستطلاع: إذ يوافق خُمس المشاركين على جواز استخدام مدني فلسطيني لفحص مبنى أو مدخل نفق يُشتبه في تفخيخه، بهدف تجنب تعريض الجنود للخطر -وهي ممارسة أقر الجيش نفسه بعدم قانونيتها. وبنسبة مماثلة، يوافق مستطلَعون على أنه في حال إطلاق صواريخ من غزة نحو تجمعات سكانية إسرائيلية، ينبغي الرد بقصف كثيف لمراكز سكنية فلسطينية لـ"نقش ثمن الاستفزاز في الوعي الجماعي" -أي الدعوة الصريحة إلى ارتكاب جريمة حرب واضحة عن سابق إدراك وتصميم.
لا غرابة، والحال هذه، في أنه على الرغم من الشهادات المتراكمة عن التحولات التي طرأت على الجيش، يرى أكثر من 40 في المائة ممن يعرّفون أنفسهم بأنهم من اليسار أن منظومة القيم التي تحكم القيادة العسكرية العليا قريبة، أو قريبة إلى حد كبير، من منظومة قيمهم الشخصية، فيما منح ما يقرب من نصف المستطلَعين تقييمًا مرتفعًا للسلوك الأخلاقي للجيش خلال الحرب. هذا المناخ الذهني لا يمكن أن يُنتج ضغطًا حقيقيًا يدفع نحو مراجعة أخلاقية جادة.
لا تبدو هذه النتائج مفاجئة إذا ما تذكرنا أنها تبلورت داخل معسكر يرى نفسه في موقع الدفاع عن الجيش في مواجهة اليمين. وهو المعسكر نفسه الذي خرجت منه مجموعات من الطيارين وعناصر وحدات الاستخبارات الذين تحملوا مسؤولية مباشرة عن جانب من القتل والدمار اللذين أحدثتهما إسرائيل في غزة خلال الحرب. لقد استبطن هذا المعسكر منطقًا يقوم على أن المساس بمدنيي "العدو" يصبح مشروعًا حين يُقدَّم باعتباره وسيلة للحفاظ على حياة الجنود. ومن هنا تشكل شرخ عميق بين الصورة الذاتية التي يحملها اليسار عن نفسه وبين جوهره الحقيقي -وهو شرخ بدأ بالتكون منذ الانتفاضة الفلسطينية الثانية. وبهذا المعنى، لم يفشل اليسار في ممارسة النقد الذاتي فحسب، بل إنه تخلى عن الحاجة إليه من الأساس.
*ياغيل ليفي Yagil Levy: كاتب ومحلل إسرائيلي معروف ومساهم منتظم في صحيفة "هآرتس" اليومية الإسرائيلية. يركز في كتاباته وتحليلاته على قضايا الأمن والمجتمع الإسرائيلي، ودور الجيش الإسرائيلي في السياسة والمجتمع. يُعرف بطرحه الناقد لسياسات الحكومة الإسرائيلية والجيش، بالإضافة إلى تناول القضايا الاجتماعية والسياسية التي تؤثر على طبيعة الدولة الإسرائيلية ومستقبلها.