الغد-عزيزة علي
نظّم مركز "تعلّم واعلم"، للأبحاث والدراسات، في رابطة الكتاب الأردنيين ندوة فكرية تناولت كتاب الدكتور أيوب أبو دية "سيكولوجية الإنكار ودوافع الإبادة الجماعية"، بمشاركة عدد من الأكاديميين والكتّاب، حيث ناقشت الندوة أنماط الإبادة الجماعية في التاريخ الحديث، ودوافعها السياسية والاقتصادية والقومية، إضافة إلى آليات تبريرها وإنكارها في السياقات المختلفة.
جاءت الندوة التي أقيمت أول من أمس، في مقر رابطة الكتاب، وأدارها أستاذ الفلسفة الدكتور أحمد ماضي، وشارك فيها كل من أستاذ الفلسفة في الجامعة الأردنية الدكتور توفيق شومر، والروائي والكاتب محمد أزوقة.
قال الدكتور أيوب أبو دية، إن الكتاب تناول أسباب إنكار الإبادة الجماعية، موضحًا أنها ترتبط بعوامل سياسية وقومية، إضافة إلى الخوف من المساءلة أو التهديد الوجودي، مستعرضا الإبادة الجماعية للأرمن (1915–1923)، التي أودت بحياة نحو 1.5 مليون شخص، وشملت التهجير القسري وتدمير الممتلكات والمعالم الثقافية.
تناول الكتاب بحسب المحاضر، الجدل الدائر حول الاعتراف بالإبادة الأرمنية، موضحا أن برنارد لويس رفض توصيفها كإبادة جماعية، وربط ذلك باعتبارات سياسية وثقافية، إضافة إلى الإشارة إلى مواقف مرتبطة باللوبيات والتحالفات السياسية، خاصة في سياق العلاقات التركية.
أما دوافع الإبادة والإنكار، فبيّن أبو دية أنها تتمثل في شكّ السلطات العثمانية بولاء الأرمن واتهامهم بالتعاون مع قوى خارجية، وتصنيفهم كأعداء داخليين خلال الحرب العالمية الأولى، خاصة في سياق معارك مثل غاليبولي.
كما أشار إلى العوامل الاقتصادية التي أسهمت في تأجيج التوتر، إذ كان يُنظر إلى الأرمن باعتبارهم جماعة ناجحة اقتصاديًا، ما أثار مشاعر الغيرة والعداء لدى بعض الفئات.
كما تناول أبو دية الإبادة الجماعية في البوسنة (1992–1995)، بما فيها مذبحة سربرنيتسا عام 1995، التي وقعت في منطقة أُعلنت آمنة، ضمن سياق من التطهير العرقي.
وأشار أبو دية إلى أن إنكار القادة السياسيين في صربيا لجرائم الحرب ارتبط بالحفاظ على الخطاب القومي وتجنب المساءلة والعقوبات، كما في قضايا محاكمة شخصيات مثل رادوفان كاراديتش.
وأضاف أبو دية أن الكتاب يربط دوافع الإبادة في البوسنة بالنزعة القومية الصربية المتأثرة بتاريخ طويل من الصراعات، الممتد إلى الحكم العثماني ومعركة كوسوفو عام 1389، حيث سعى القوميون إلى إقامة "صربيا الكبرى"، عبر سياسات تطهير عرقي استهدفت البوشناق والكروات، مع دور بارز للدعاية القومية في تبرير العنف وشيطنة هذه الجماعات.
ويؤكد أبو دية أن الإبادات الجماعية عموماً نتاج تداخل عوامل سيكولوجية وأيديولوجية وسياسية واقتصادية وقومية. وفي الحالة الفلسطينية، يُطرح الصراع بوصفه مزيجًا من مشروع توسّعي وصراع وجودي، بما يستدعي مقارنات تاريخية مع حالات مثل الأرمن والشركس.
كما تشير المقارنات إلى أن أنظمة متعددة مارست سياسات إقصاء وتطهير في سياقات مختلفة، فيما تمتد آثار السياسات التمييزية في الحالة الفلسطينية لتشمل أيضًا أصواتًا ناقدة داخل المجتمع الإسرائيلي.
وخلص أبو دية إلى أن تفسير الإبادة الجماعية يتمحور حول عاملين أساسيين: التوسع الاستعماري المقترن بالعنف ضد السكان الأصليين، والشعور بالتهديد الوجودي الذي يُستخدم لتبرير العنف، وغالبًا ما يتداخل العاملان في إنتاج صراعات أكثر تعقيدًا وحدة.
من جانبه، قال أستاذ الفلسفة في الجامعة الأردنية الدكتور توفيق شومر إن أبو دية يستعرض في كتابه عددًا من حالات الإبادة الجماعية في العالم، وتحديدًا: إبادة العثمانيين للأرمن، وإبادة الروس للشركس، وإبادة الصرب للمسلمين في البوسنة، وإبادة الصهيونية والكيان الغاصب للفلسطينيين.
ورأى شومر أن المؤلف حاول الوقوف على أوجه التشابه والاختلاف في أنماط الإبادة وأسبابها، والطرق التي جرى تبريرها، مثل: اتهام الأرمن بالخيانة والتخابر مع الأعداء في الدولة العثمانية، واعتبار الشركس ثائرين ضد الدولة الروسية، واستخدام الاختلاف الديني في البوسنة، إضافة إلى توظيف عوامل دينية وعرقية في الحالة الفلسطينية.
وأشار إلى أن الإبادة، في بعض الحالات التي تناولها الكتاب، تُعد جزءًا من أفعال تقوم بها إمبراطوريات أو دول تشعر بتهديد وجودي أو باعتقاد أن بقاءها مهدد، ما يدفعها إلى تصعيد العنف خلال الحروب إلى مستويات قصوى من الوحشية، بحيث يُعاد تأويل فعل الإبادة بوصفه "دفاعًا عن النفس"، من منظور سيكولوجي لدى تلك الدول. واعتبر أن هذا ما استشعرته الدولة العثمانية والدولة الصربية، وكذلك دولة إسرائيل في حربها على غزة.
وأشار شومر إلى أن العامل الاقتصادي يُعد من العوامل الأساسية في الحروب والإبادات، ولا ينفصل عن دوافعها. ولفت إلى أن بعض الصراعات الجارية في المنطقة يمكن النظر إليها ضمن سياقات تتعلق بالنفط والممرات التجارية العالمية، مع الإشارة إلى ارتباطات جيوسياسية أوسع تشمل مشاريع طرق التجارة الدولية والتنافس على النفوذ الاقتصادي. وربط ذلك بالحروب والنزاعات التي شهدتها مناطق مختلفة، معتبرًا أنها تتصل أيضًا بصراعات السيطرة على الموارد والممرات الاستراتيجية.
وأكد شومر ضرورة الانتباه إلى ازدواجية المعايير في ردود الفعل الدولية تجاه قضايا الإبادة الجماعية، مشيرًا إلى أن هذه الردود تختلف تبعًا لمدى انسجام الدول المتورطة مع السياسات الدولية السائدة أو عدمه، حيث تختلف الاستجابات العالمية مثلًا بين ما جرى في البوسنة وبين حالات أخرى معاصرة.
ومن جهته أشار الروائي والكاتب محمد أزوقة إلى أن أطماع روسيا القيصرية في بلاد القفقاس بدأت منذ منتصف القرن الثامن عشر، حيث أقامت سلسلة من الحصون العسكرية على امتداد حدودها مع القفقاس، من سواحل البحر الأسود غربًا حتى بحر قزوين شرقًا. وقد دعمت هذه الحصون بمرتزقة القوزاق، الذين أُتيح لهم الاستقرار هناك، مع ممارسة أعمال اعتداء على ممتلكات الشراكسة والاستيلاء على أراضيهم ومواشيهم كمصدر للرزق.
وأوضح أزوقة أن دوافع التوسع الروسي في القفقاس تمثلت في عدة عوامل، أبرزها: الحاجة إلى الوصول إلى المياه الدافئة لأساطيلها وتجارتها، نظرًا لتجمد موانئها في الشتاء؛ والسعي إلى الظهور كإمبراطورية استعمارية مماثلة لبريطانيا وفرنسا والدولة العثمانية وإيران؛ إضافة إلى الحاجة إلى أراض زراعية تُمنح للأقنان المحررين الذين فقدوا مصادر رزقهم؛ فضلًا عن رغبة روسيا في التصدي لأي توسع محتمل من جانب العثمانيين أو الفرس.
ورأى أزوقة أن الوالي العثماني كان عند وصول سفن تُقلّ مهجّرين شراكسة إلى البلقان، يوقف الرجال من سن الخامسة عشرة حتى الخمسين ويأمرهم بالاصطفاف على حدة، تمهيدًا لتجنيدهم في الجيش. وقد امتدت خدمة الشركسيين مدى الحياة، حيث كان مصيرهم إما القتل، وهو الغالب، أو الوصول إلى مراتب عسكرية عليا، إذ تمكن عدد محدود منهم من أن يصبحوا جنرالات.
وتشير السجلات إلى أن عدد الشراكسة الذين وصلوا إلى البلقان عام 1864 بلغ نحو ربع مليون، في حين لم يتجاوز عدد الذين غادروا البلقان مع الجيش العثماني المنسحب بعد هزيمة بليفنا عام 1878 خمسين ألفًا.
وخلص ازوقة الى أن الدولة العثمانية قبلت بالمهجّرين الشراكسة لحاجتها إلى مزارعين وجنود، خاصة ممن يتمتعون بقدرات قتالية عالية. وقد أُرسلت مجموعة منهم إلى شرق الأردن عام 1878، حيث مُنحوا أراضي زراعية نظرًا لحاجة الدولة إلى إنتاج القمح، كما كُلّفوا مع مهجّرين آخرين إلى سورية بحماية طريق الحج الممتد من جنوب تركيا حتى معان في الأردن.