الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
جيفري دي. ساكس؛ وسيبيل فارس* - (كومون دريمز) 20/1/2026
يساعد فهم تكتيكات الحرب الهجينة على تفسير سبب تذبذب خطاب ترامب بين التهديد بالحرب وتقديم عروض سلام زائفة. وتقوم هذه الاستراتيجية المركّبة على مزيج من العقوبات الاقتصادية، والضربات العسكرية المحدودة، والحرب السيبرانية، وإشعال الاضطرابات، وحملات التضليل المتواصلة بلا هوادة.
لم يعد السؤال يتعلق بما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل ستهاجمان إيران، بل بمتى ستقومان بذلك.
في العصر النووي، تحجم الولايات المتحدة عن خوض حرب شاملة لأن ذلك قد يقود بسهولة إلى تصعيد نووي. وبدلًا من ذلك، تعكف الولايات المتحدة وإسرائيل على شن حرب ضد إيران باستخدام مزيج من العقوبات الاقتصادية الساحقة، والضربات العسكرية المحددة، والحرب السيبرانية، وإشعال الاضطرابات، وشن حملات التضليل المتواصلة بلا توقف. وتُسمّى هذه الاستراتيجية المركّبة "الحرب الهجينة".
تبدو الدول العميقة في كلٍّ من الولايات المتحدة وإسرائيل مدمنة على الحرب الهجينة. بعمل مشترك، قامت "وكالة الاستخبارات المركزية" الأميركية (سي. آي إيه) وجهاز "الموساد" الإسرائيلي، إلى جانب متعاقدين عسكريين وأجهزة أمنية حليفة، بإشعال الفوضى ونشرها في أنحاء واسعة من أفريقيا والشرق الأوسط، ضمن سلسلة من الحروب الهجينة التي شملت ليبيا، والصومال، والسودان، وفلسطين، ولبنان، وسورية، والعراق، وإيران، واليمن.
الحقيقة الصادمة في كل هذا هي أنه على مدى أكثر من ربع قرن، دمّرت الجيوش وأجهزة الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية إقليمًا كبيرًا يضم مئات الملايين من البشر، وعرقلت التنمية الاقتصادية فيه، وخلقت الإرهاب وحركات اللجوء الجماعية من دون أن تحصد أي نتيجة تُذكر سوى الفوضى ذاتها.
ليس ثمة أمن، ولا سلام، ولا تحالفات مستقرة موالية للولايات المتحدة أو لإسرائيل -ثمة المعاناة فحسب. وفي هذه العملية، تبذل الولايات المتحدة جهدًا حثيثًا لتقويض ميثاق الأمم المتحدة الذي كانت هي نفسها قد أسهمت في صياغته عقب الحرب العالمية الثانية.
يوضح ميثاق الأمم المتحدة أن الحرب الهجينة تنتهك الأساس الجوهري للقانون الدولي، الذي يدعو الدول إلى الامتناع عن استخدام القوة ضد دول أخرى. ولعل المستفيد الوحيد من الحرب الهجينة هو المجمع العسكري-الصناعي-الرقمي في الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث تجني شركات مثل "بالانتير" وغيرها أرباحًا طائلة من خوارزميات الاغتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
كان الرئيس دوايت أيزنهاور قد حذّر في خطابه الوداعي في العام 1961 من الخطر العميق الذي يشكله المجمع العسكري-الصناعي على المجتمع الأميركي. وقد تحققت تحذيراته اليوم بدرجة تفوق ما تخيّله، بعد أن أصبح هذا المجمع مدعومًا بالذكاء الاصطناعي، والدعاية الجماهيرية، وسياسة خارجية أميركية متهورة.
كنا نشهد في الأسابيع الأخيرة حربين هجينتين متزامنتين: في فنزويلا وفي إيران. وكلتاهما مشاريع طويلة الأمد لوكالة الاستخبارات المركزية، وقد شهدتا تصعيدًا مؤخرًا. وكلتاهما ستقودان إلى مزيد من الفوضى.
الحرب الهجينة ضد فنزويلا
لطالما كان للولايات المتحدة هدفان عندما يتعلق الأمر بفنزويلا: السيطرة على احتياطاتها النفطية الهائلة في حزام أورينوكو؛ وإسقاط حكومتها اليسارية القائمة منذ العام 1999. وتعود الحرب الهجينة الأميركية ضد فنزويلا إلى العام 2002، عندما ساعدت "وكالة الاستخبارات المركزية" في دعم محاولة انقلاب ضد الرئيس هوغو تشافيز.
عندما فشلت تلك المحاولة، صعّدت الولايات المتحدة باستخدام أدوات أخرى من الحرب الهجينة، شملت العقوبات الاقتصادية، ومصادرة الاحتياطيات الدولارية الفنزويلية، واتخاذ إجراءات لشلّ إنتاج النفط الفنزويلي -وهو ما أدى فعليًا إلى انهياره. ومع ذلك، وعلى الرغم من الفوضى التي زرعتها الولايات المتحدة، لم تتمكن الحرب الهجينة من إسقاط الحكومة.
الآن، صعّد ترامب إلى حد قصف كاراكاس، واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، وسرقة شحنات النفط الفنزويلية، وفرض حصار بحري مستمر، وهو بطبيعة الحال عمل حربي متواصل. ويبدو مرجّحًا أيضًا أن ترامب يقوم من خلال ذلك بإثراء ممولين نافذين مؤيدين للصهيونية في حملاته الانتخابية، ممن يتطلعون إلى الاستيلاء على الأصول النفطية الفنزويلية. كما أن مصالح صهيونية أخرى تسعى إلى إسقاط الحكومة الفنزويلية بالنظر إلى دعمها الطويل للقضية الفلسطينية وعلاقاتها الوثيقة مع إيران. وقد هلّل نتنياهو للهجوم الأميركي على فنزويلا، واصفًا إياه بأنه "عملية مثالية".
الحرب الهجينة ضد إيران
تقوم الولايات المتحدة وإسرائيل في الوقت نفسه بتصعيد حربهما الهجينة المستمرة ضد إيران. ويمكن توقّع استمرار عمليات التخريب الأميركية والإسرائيلية، والضربات الجوية، وعمليات الاغتيال الموجّهة.
الفرق مع فنزويلا هو أن الحرب الهجينة ضد إيران قد تتصاعد بسهولة إلى حرب إقليمية مدمرة -بل وحتى إلى حرب عالمية. وفي الحقيقة، انخرط حتى حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، وخاصة دول الخليج، في جهود دبلوماسية مكثفة لإقناع ترامب بالتراجع وتجنّب العمل العسكري.
تعود الحرب على إيران إلى تاريخ أطول حتى من الحرب على فنزويلا. فقد بدأت الولايات المتحدة في إقلاق إيران في العام 1953، عندما قام رئيس الوزراء المنتخب ديمقراطيًا، محمد مصدق، بتأميم النفط الإيراني، متحديًا بذلك "شركة النفط الأنجلو-إيرانية" (التي تُعرف اليوم باسم "بريتيش بتروليوم" BP).
في ذلك الحين، دبّرت "وكالة الاستخبارات المركزية" وجهاز (أم. آي - 6) البريطاني عملية "أجاكس" للإطاحة بمصدق باستخدام مزيج من الدعاية، والعنف في الشوارع، والتدخل السياسي. وقامت الوكالة بتنصيب الشاه، وظلت تدعمه حتى العام 1979.
خلال فترة حكم الشاه، ساعدت "وكالة الاستخبارات المركزية" في إنشاء جهاز الشرطة السرية سيئ الصيت "السافاك"، الذي سحق المعارضة بالمراقبة، والرقابة، والسجن، والتعذيب. وفي نهاية المطاف، قاد هذا القمع إلى ثورة أوصلت آية الله الخميني إلى السلطة.
في خضم الثورة، قام طلاب إيرانيون باحتجاز رهائن أميركيين في طهران بعد أن سمحت الولايات المتحدة للشاه بدخول أراضيها لتلقي العلاج الطبي، مما أثار مخاوف من محاولة أميركية لإعادته إلى الحكم. وقد عمّقت أزمة الرهائن تسميم العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران.
منذ العام 1981، دأبت الولايات المتحدة على السعي إلى تعذيب إيران سياسيًا واقتصاديًا -وإذا أمكن إسقاط نظامها. ومن بين عدد لا يُحصى من الإجراءات الهجينة، موّلت الولايات المتحدة العراق في ثمانينيات القرن الماضي لشن حرب على إيران، أدت إلى مقتل مئات الآلاف، من دون أن ينجح ذلك في إسقاط الحكومة.
يقف الهدف الأميركي-الإسرائيلي بشأن إيران على النقيض من التوصل إلى تسوية تفاوضية تُطبّع موقع إيران في النظام الدولي مع تقييد برنامجها النووي. ويتلخص الهدف الحقيقي في إبقاء إيران منهكة اقتصاديًا، ومحاصَرة دبلوماسيًا، ومضغوطًا عليها داخليًا. وقد قوّض ترامب مرارًا المفاوضات التي كان من شأنها أن تقود إلى السلام، بدءًا بانسحابه من الاتفاق النووي للعام 2016 (خطة العمل الشاملة المشتركة)، الذي كان سيُخضع أنشطة إيران النووية للرقابة مقابل رفع العقوبات الاقتصادية الأميركية.
يفسِّر فهم تكتيكات الحرب الهجينة السبب في تأرجُح خطاب ترامب فجأة بين التهديد بالحرب وتقديم عروض سلام زائفة.
تزدهر الحرب الهجينة على التناقضات، والغموض، والخداع الصريح في النوايا الأميركية. في الصيف الماضي، كان من المفترض أن تُعقد جولة مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في 15 حزيران (يونيو) 2025. لكنّ واشنطن دعمت بدلًا من ذلك قصف إسرائيل لإيران في 13 حزيران (يونيو) -قبل الموعد المفترض للمفاوضات بيومين.
لهذا السبب لا ينبغي التعامل مع مؤشرات خفض التصعيد في الأيام الأخيرة على أنها مسلّمات. ويمكن أن يعقبها بسهولة هجوم عسكري مباشر على إيران في الأيام المقبلة.
في هذه الأوقات، يبقى أفضل أمل للعالم هو أن تقول الدول الـ191 الأخرى الأعضاء في الأمم المتحدة، باستثناء الولايات المتحدة وإسرائيل، "لا" لإدمان أميركا على الحرب الهجينة: لا لعمليات تغيير الأنظمة؛ لا للعقوبات الأحادية؛ لا لتسليح الدولار؛ ولا للتنكر لميثاق الأمم المتحدة.
لا يدعم الشعب الأميركي خروج حكومته على القانون، لكنه يواجه صعوبة بالغة في إيصال صوته ومعارضته. وهو، ومعه معظم شعوب العالم، يريدون أن تتوقف وحشية الدولة العميقة الأميركية قبل فوات الأوان.
*جيفري دي. ساكس Jeffrey D. Sachs: أستاذ جامعي ومدير مركز التنمية المستدامة في جامعة كولومبيا، حيث أدار "معهد الأرض" بين العامين 2002 و2016. وهو أيضًا رئيس "شبكة حلول التنمية المستدامة" التابعة للأمم المتحدة، وعضو في "لجنة النطاق العريض للتنمية". سيبيل فارس Sybil Fares: متخصصة ومستشارة في سياسات الشرق الأوسط والتنمية المستدامة في "شبكة حلول التنمية المستدامة".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The US-Israel Hybrid War Against Iran