عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    08-May-2019

لماذا يفهمون الصحافة العلمية بشكل خاطئ؟ - شادي عبد الحافظ
على الرغم من أن الكتابة في المجال العلمي هي نمط شهير على مستوى عالمي، ولها تاريخ طويل ساعدت خلاله على انتشار العلم بصورة واسعة بين العامة، إلا أنها جديدة نسبيًا على الأوساط الرقمية العربية، قبل 2010 لم تكن لتسمع أخبارًا علمية بالأساس إلا إذا كنت مهتمًا بمتابعة مجلة "العلم" المصرية أو مجلة "العلوم" التي توقّفت قبل فترة.
 
لكن مع الإنفتاح الرقمي، وحالة الإهتمام الواسعة بالعلوم والفلسفات التي تلت الربيع العربي، انتقلت الكتابة العلمية لتصبح جزء رئيسي من تركيبة أية مؤسسة تود أن تصل إلى الشباب العربي في الفئات العمرية من 17- 24 سنة، خاصة الجامعيين، هنا أصبحت الكتابة في العلوم أكثر وضوحًا انتشارًا.
 
من أنت؟
على الرغم من ذلك، لازال البعض غير مدرك بشكل واضح لما يعنيه الأمر أن تعمل كمحرر علمي أو كاتبًا في العلوم بشكل عام. على سبيل المثال، بينما عملت بالكاتبة في مجال العلوم على مدى ست سنوات مضت، لم يحدث أن مرّ شهر كامل دون أن يسأل أحدهم: لم تعمل بالكتابة في العلوم؟ ألا يحتاج ذلك لمتخصص في تلك المادة العلمية كي يكتب فيها؟ بل وأتذكر أن أحدهم، وهو متخصص في الفيزياء ربما، حينما دخل في "خناقة" شديدة ضد أحد الصحفيين العلميين المصريين، قال له بدرجة واسعة من السذاجة: كيف تسمح لنفسك بالكتابة في هذا العلم وأنت لست متخصص به؟ هل نشرت ورقة علمية من قبل؟ كان ذلك عجيبًا حقًا.
 
لا، ببساطة لا يجب أن يكون العامل بمجال الصحافة العلمية متخصص علوم. في الـ "ساينتفك أميركان" على سبيل المثال، أو في النسخة العامة من دورية "نيتشر"، أو غيرها من الدوريات التي تصدر لغير المتخصصين، فإن المحررين ليسوا متخصصين في تلك المجالات التي يكتبون عنها، ولا يهم من الأساس أن يكونوا كذلك. في الحقيقة، فإن أدبيات هذا النوع من العمل الصحافي لا تفترض حتّى حاجة الكاتب في العلوم لأكثر من 20% من المعرفة العلمية لبناء قصته العلمية، بينما توجب عليه 80% من مهارات العمل الصحافي، ورغم أني أرى - بشكل شخصي - أن الأمر يعتمد بصورة أكبر على قدرة الكاتب على تبسيط المفاهيم العلمية، وهو ما يحدث حينما تستذكر الموضوع العلمي جيدًا وتقرأ بصورة مستمرة وأكثر عمقًا في العلوم وتخضع لبعض المساقات الأساسية ان أحببت، إلا أن ذلك ليس أساسيًا، ويفيد فقط – كما في حالتي – في كتابة التقارير الطويلة الأكثر عمقًا، خاصة حينما تحاول أن تلمس جوانب متشعبّة في أمر بعينه.
 
المشكلة التي تواجه بعض الكتّاب في العلوم، كما أظن، هي اعتقادهم أن "الجاذبية" تتناسب طرديًا مع "التبسيط"، لذلك يتعامل مع الجمهور كأنهم مجموعة من السذج، لكن ذلك غير صحيح
العلم كصحافة
لكن هذا الفهم الخاطئ عند الكثيرين يبني نفسه بالأساس على عدة نقاط، مركزها – لا شك – هو تصوّر البعض أن الصحافة العلمية هي نوع من العلوم، لكن ذلك غير صحيح، الصحافة العلمية هي أحد أنواع الصحافة، ما يدفع الكاتب للإهتمام بعدة معايير أساسية صاغها جرفي مبارغا وجون مارك فلوري من مؤسسة "سايديف".
 
الأول هو المصداقية، ويعني ذلك ببساطة ألا تحاول اختلاق الحقائق أو تضخيمها لكي تنال اهتمام الجمهور، يعني كذلك ألا تخفي حقائق هامة عنهم، كأن تكتب أن دراسة جديدة تقول أن الشيكولاتة تعالج السرطان، لكنك لا تضع في تقريرك أن تلك التجارب نفّذت على الفئران أو أن العيّنة كانت 15 فأرًا فقط، أو ألا تقول أن نسبة النجاح لم تتخط 20% ... الخ، اخفاء الطبيعة الإحصائية للنتائج العلمية هو أحد أشهر الكوارث. في الواقع، فإن تلك المشكلة تبدو واضحة أكثر ما يكون في طريقة تقديم البرامج الصباحية للعلوم، فتجد احداهن تقول أن "دراسة جديدة تقول أن حضن واحد في اليوم يرفع نسبة الهيموجلوبين في الدم" أو أن "فنجانين من القهوة يفيدان المفاصل أما ثلاثة فيهددون القلب" ... الخ، في أثناء عرضه للخبر يتجنب المقدم الكثير من المعلومات المهمة والضرورية التي يجب أن يعرفها الجمهور أيضًا.
 
أما المعيار الثاني فهو الجاذبية، هدف الكاتب في مجال العلوم من الأساس هو العمل على اجتذاب الجماهير بأفكار جديدة وملفتة، أو عبر تحويل عمل بحثي ما يبدو ممل للوهلة الأولى إلى "قصة" ممتعة للجمهور، مع الإلتزام بالمعيار الأول، وهذا ممكن. في الحقيقة فإن أحد علامات المحرر العلمي الجيد هي قدرته على البحث لساعات طويلة عن فكرة مناسبة لمقاله أو تقريره الخبري، بمعنى أن يكون صبورًا كفاية لإيجاد الفكرة الجيدة، والتي قد تتخفّى في أحاديث الناس الدارجة أو على حواف "ترند" شهير. أضف لذلك أن هذا من المفترض أن يكون هدف العالِم أيضًا. بمعنى أوضح، حينما تلقى أبحاثك درجة من الشهرة فإن هذا سيعني مزيدًا من التمويل، في الحقيقة فإن الكثير من المؤسسات البحثية تفرض على باحثيها الترويج بأسلوب مبسط لأبحاثهم في أوساط العامة، من أجل ذلك التبسيط غالبًا ما يختلق الباحث قصة ليبدأ بها حديثة مع الناس.
 
لكن المشكلة التي تواجه بعض الكتّاب في العلوم، كما أظن، هي اعتقادهم أن "الجاذبية" تتناسب طرديًا مع "التبسيط"، لذلك يتعامل مع الجمهور كأنهم مجموعة من السذج، لكن ذلك غير صحيح، يمكن للكتابة في العلوم للجمهور أن تتلخص في آليتين رئيسيتين: أن تقلل من شأن توقعاتك عن محصلات جمهورك اللغوية، أي (استخدم أقل عدد ممكن من الكلمات الصعبة وأكبر عدد ممكن من الكلمات البسيطة والقريبة للواقع). وأن ترفع من شأن توقعاتك عن ذكاء الجمهور، أي (تعامل معهم على أساس أنهم أذكياء، الناس يحبون أن يتم تحديهم).
 
المعيار الثالث هو الجدارة، ويعني أن تقدم المادة العلمية من زاوية معالجة مختلفة ومثيرة للإنتباه ولم يسبق لأحد أن قدمها، ولذلك فهي جديرة بالظهور على الساحة. هنا يجب أن تعرف أن مشكلة كاتب العلوم ليست في "نقص المعلومات" بل في وفرتها، الأبحاث كثيرة والحقائق كثيرة لكن مهمتك هي انتقاء ما يناسب قصّتك بحيث تكون مكتملة وذات حجة قويّة وجذّابة في نفس الوقت، في تلك النقطة تظهر براعة الكاتب، الإنتقاء. أحد الأمثلة هنا هو الحادث الإرهابي الأخير في نيوزيلندا. من جانبي، تحدثت عن الموضوع من ناحية سايكولوجية تشرح كيف أمكن لليمين المتطرف أن يغير الطريقة التي يدرك بها الناس رفاقهم في الإنسانية ويتعاملوا معهم كشيء آخر غير البشر، البعض تقدم ليتحدث في الأمر من وجهة نظر سياسية، البعض الآخر بدأ من وجهة نظر فلسفية مناقشًا المانيفستو الذي قدمه الإرهابي، البعض الآخر ناقش الموضوع من ناحية "ألعاب الفيديو وتأثيرها على المجتمع" .. الخ. كل تلك القصص تستحق أن تخرج للجمهور، رغم أنها جميعًا تناقش نفس المعلومات ونفس الأحداث، إلا أن زاوية المعالجة الخاصة بكل منها مختلفة عن الأخرى، هناك شيء جديد يقدمه الكاتب، ليس في المعلومة نفسها، بل في طريقة وزاوية العرض.
 
ساهم تقديم العلوم بكثافة إلى المحتوى العربي في دفع الكثير من الطلبة لتجربة المجالات العلمية كتخصص، وأثْرت النقاشات العلمية نقاشات أخرى سياسية واجتماعية
أما المعيار الأخير فهو الدلالة. نعم هناك حقائق علمية، لكن الجمهور يقيس هذه الحقائق بدلالتها، بما تحققه من فوائد له، وكيف يمكن أن تؤثر على حياته، ويعني ذلك أن يكون جزءًا من قصتك مرتبطًا بربط هذا الكشف العلمي بحياة الناس أو البشرية ككل، يجيب أسئلة ذات علاقة باحتياجات القارئ، بداية من الفائدة المباشرة إلى العامة، فإذا كنت تتحدث عن المادة المظلمة – على سبيل المثال – أو تجربة حول الوعي، هنا يفضّل أن تربطها بأسئلة القارئ الأكثر عمقًا: من نحن؟ ولماذا جئنا إلى هنا؟ مثلًا.
 
الكتابة للجمهور
كما ترى، فإن واحدًا فقط من تلك المعايير الأربعة هو ما يقترب من العلم نفسه، بمعنى أنه يجب عليك – كمحرر علمي – أن تتعلم عما يعنيه العلم، وعن الكيفية التي تختار بها ورقة بحثية ما لتتحدث عنها، عن كيفية اختيار المصادر وعن القابلية للتكذيب والنماذج الإرشادية وبرامج البحث والطبيعة الإحصائية، لكن ذلك لا يتطلب خوضًا أعمق في المعادلات الرياضياتية أو الفيزيائية لاستخراج "المفهوم" العلمي.
 
المفهوم العلمي يشبه الفيلم، يمكن لك حينما تشاهده أن تفهم ما يعنيه المخرج وكيّف حاول أن يصيغه، لكن لفهم الفيلم لا حاجة لك في أن تعرف كيف تم التقاط المشاهد وبأي عدد من الكاميرات والزواويا التي التقطت منها المشاهد وطبيعة الإضاءة وخلفيات الديكور ... الخ. الأمر هكذا بالنسبة للناس، لا حاجة للمواطن العادي أن يتعلم عن الجبر الخطي أو الهندسة التفاضلية أو معادلات لاجرانج وهاميلتون على سبيل المثال، ولكنه بحاجة إلى معرفة المفهوم العلمي، والفائدة التي تعود على حياته وادراكه للواقع بعد أن يتعرّف إلى هذا المفهوم. لا ينتقص ذلك من قدرة الجمهور على فهم العلم، ولكنه – على العكس تمامًا – يسمح له بالإندماج في عملية تؤثر على كل شيء تقريبًا، بداية من الطب إلى السياسة، يقول باول فييرابند فيلسوف العلم الشهير أنه "من حق المواطن العادي، بل من واجبه، أن يتولى الإشراف على العلم". في النهاية، يجب أن يعرف الناس عن العلم، وإلا سيتحوّل لمعبد بوذي مجهول مُلقى به في ثلوج التبت يجب أن ننفذ أوامر كهنته دون نقاش.
 
المحرر العلمي إذن ليس عالمًا، لكنه في المقابل من ذلك "شاهد" على العملية العلمية، يريد أن ينقل مجرياتها إلى الجمهور بصورة هي أقرب ما يكون للواقع، مستخدمًا مصادر رصينة هي ما يدفع الناس لتصديق ما يقول بالأساس، لكن وظيفته لا علاقة لها بالعلم بالمعنى المفهوم، النقطة التي يتميز فيها محرر علمي عن آخر هي الزاوية التي يجب أن يقرأ منها الخبر أو الموضوع العلمي، الكيفية التي يمكن أن ينتقل بها هذا الخبر المجرد للناس. والمحرر العلمي بذلك يساهم في اثراء النقاش المجتمعي حول قضايا لم تكن يومًا محط اهتمامنا في الوطن العربي، القضايا العلمية. وتلك نقطة هامة ان تأملت قليلًا، فالأمر لا يعني أن تُملي العلوم على جموع الناس كأوامر، وإنما أن تفتح الباب للنقاش المجتمعي حولها، أن تترك النهايات مفتوحة للجمهور كي يتأملها بدرجة من الحرية، مع حاجة لمعرفة الفروق بين النظرية العلمية والحقيقة العلمية والفرضية ... الخ.
 
ورغم أن هناك الكثير من المشكلات التي تواجه الكتابات العلمية العربية في الأعوام القليلة الفائتة، سواء الصحافة العلمية أو فقط تبسيط العلوم للجماهير عبر منصات شبابية عديدة متنوعة، إلا أن التجربة ناجحة لا شك، الفوائد أكبر بفارق واضح من الأضرار، فارق يدفعك للتساؤل عن سبب كل هذا الهجوم الشديد الذي يلاقيه الكتّاب في المجالات العلمية، والصحفيين العلميين بالخصوص. ساهم تقديم العلوم بكثافة إلى المحتوى العربي في دفع الكثير من الطلبة لتجربة المجالات العلمية كتخصص، وأثْرت النقاشات العلمية نقاشات أخرى سياسية واجتماعية وفلسفية في الأوساط المهتمة، ودفع ذلك الكثير من الآباء والأمهات للإهتمام بتقديم العلم لأطفالهم، سواء في صورة كتاب أو تلسكوب صغير كهدية في عيد الميلاد العاشر، وهذا مهم.
 
الجزيرة 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات