عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-Mar-2026

إخلاء الأميركيين من المنطقة.. ماذا يعني؟

 الغد-محمد الكيالي

دعت وزارة الخارجية الأميركية الساعات الماضية رعاياها للإخلاء الفوري من المنطقة العربية، وتحديدا من 14 دولة، في قرار يعكس حجم المخاوف المتصاعدة لدى الإدارة الأميركية من تداعيات الحرب مع إيران.
 
 
 وبحسب خبراء تحدثوا لـ"الغد"، فإن هذه الدعوة لا تُقرأ فقط في سياق حماية المدنيين الأميركيين من احتمالات الاستهداف، بل تكشف أيضا عن تقديرات استخباراتية بارتفاع مستوى المخاطر، واحتمال توسع دائرة التصعيد ليشمل مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. وأكدوا أنه مع تزايد الهجمات على مواقع أميركية وتنامي التوترات الإقليمية، يبدو أن واشنطن تستعد لمرحلة أكثر خطورة حيث تتحول البيئة الأمنية إلى ساحة مفتوحة على سيناريوهات غير محسوبة.
واشنطن في مأزق داخلي 
وفي هذا السياق، أكد أستاذ علم الاجتماع السياسي د. بدر الماضي، أن الدعوة الأميركية الأخيرة لا تُعد مفاجئة بالكامل، وإن كانت غير مستغربة في ظل التطورات الراهنة في المنطقة، موضحًا أن التصعيد الإيراني يأتي نتيجة ضغوط كبيرة تواجهها طهران، ما جعلها تشعر بأنها في موقف حرج وتسعى لتوسيع نطاق هجماتها الإقليمية، بهدف إشعال ساحات جديدة، في محاولة لتحويل مواجهتها لأمريكا والكيان الصهيوني إلى صراع أشمل مع المنطقة بأكملها.
وأشار الماضي إلى أن الولايات المتحدة فوجئت بقدرة إيران على الوصول إلى مواقع حساسة وقواعد إستراتيجية في محيط المنطقة، محذرًا من أن أي خسائر مدنية أو عسكرية ستنعكس سلبًا على الإدارة الأميركية داخليًا، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات النصفية للكونغرس، ما قد يهدد فرص الحزب الحاكم في الاحتفاظ بسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، وبالتالي إحداث تغييرات جوهرية في المشهد السياسي الأميركي. 
ومن هنا، يرى الماضي أن الإدارة الأميركية تسعى لحماية موظفيها ومواطنيها من تداعيات المخططات الإيرانية، تجنبًا لانعكاساتها على الداخل الأميركي، مشددًا على أن المواجهة ستظل محصورة بين إيران والولايات المتحدة والكيان.
وأضاف، إن إيران تكبدت خسائر كبيرة في المنطقة، وفقدت ما كان يُعتبر "الحاضنة العربية" التي وإن لم تكن داعمة لها رسميًا، فقد اتسم موقفها سابقًا بالحياد، ما كان يتيح إمكانية إعادة بناء العلاقات بعد انتهاء أي مواجهة، موضحًا أن السياسات الإيرانية الأخيرة في الأراضي العربية جعلت إعادة إنتاج علاقة عربية-إيرانية بالغ الصعوبة، حتى مع دول مثل سلطنة عُمان التي كانت تشكل حالة خاصة في علاقاتها مع طهران.
وشدد الماضي أن المنطقة لن تشهد حربًا شاملة، لكن إيران ستواجه مزيدًا من الضغوط وستواصل الرد على المصالح الأميركية في المنطقة، في إطار صراع مفتوح لم تتضح بعد مآلاته النهائية.
المنطقة ساحة عمليات مفتوحة
أكد الخبير د. منذر الحوارات أن دعوة واشنطن مواطنيها للإخلاء الفوري من المنطقة قرار سياسي وأمني في آن واحد، يعكس تقديرات استخباراتية بارتفاع مستوى المخاطر واحتمال التصعيد، دون أن يعني بالضرورة اندلاع حرب شاملة.
 وأشار الحوارات إلى أن هذه الخطوة تعكس استعداداً أميركياً لمرحلة أكثر خطورة في المنطقة، موضحاً أن الولايات المتحدة عادة ما تصدر مثل هذه التوجيهات عندما تتوقع تصاعد الهجمات أو وقوع عمليات انتقامية تستهدف مصالحها، لافتاً إلى أن البيئة الأمنية في الإقليم باتت معقدة، وقد تشهد إغلاق مطارات أو ضرب منشآت حيوية أو تعطيل حركة الملاحة الجوية، ما يبرر سعي واشنطن لتقليل الخسائر البشرية المحتملة بين مواطنيها. وأضاف، إن هذا الإجراء لا يقتصر على الجانب الإنساني، وإنما يحمل أيضاً رسالة ردع، إذ يضع الخصم أمام احتمال توسيع نطاق الضربات الأميركية، بما يجعل المنطقة بأكملها ساحة عمليات مفتوحة، مبيناً أن إخلاء المدنيين الأميركيين يخفف من القيود على واشنطن في حال صعدت عملياتها العسكرية، إذ يقل القلق من سقوط ضحايا مدنيين أميركيين، ما يمنحها هامشاً أوسع للمناورة.
وأشار إلى أن السيناريوهات المحتملة تكشف عن اتجاهين رئيسين: الأول؛ سعي إيران لتوسيع دائرة الحرب وإطالة أمدها لاستنزاف قدرات الولايات المتحدة وحلفائها، بضرب دول الخليج أو تهديد الملاحة في مضيق هرمز، بما يرفع الكلفة الاقتصادية للحرب، ويدفع هذه الدول للضغط على واشنطن لوقفها قبل تحقيق أهدافها، واستهداف مباشر للمصالح الأميركية من قواعد عسكرية وسفارات إلى منشآت اقتصادية ونفطية، ما قد يفتح الباب أمام تدخلات أوروبية، كما أعلنت دول مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا.
وحذّر الحوارات من أن استمرار الحرب دون حسم سريع سيؤدي لضربات متقطعة تُبقي المنطقة تحت ضغوط اقتصادية وأمنية متواصلة، فيما يبقى السيناريو الأخطر هو انهيار مفاجئ وغير محسوب للدولة الإيرانية، على غرار ما حدث في العراق، بما قد يخلق فراغاً في ميزان القوى ويدخل المنطقة في مرحلة طويلة من عدم الاستقرار، مؤكداً أن الدعوة الأميركية تحمل في طياتها مؤشراً واضحاً على أن احتمالات التصعيد باتت واقعية، وأن البيئة الأمنية في المنطقة أصبحت أكثر هشاشة وقابلة للاشتعال في أي لحظة.
واشنطن تخشى الانتقام بعد اغتيال خامنئي
رأى الباحث والمحلل السياسي جهاد حرب أن الدعوة الأميركية لإخلاء مواطنيها من المنطقة جاءت نتيجة مباشرة لتطورات أمنية متسارعة في المنطقة، موضحًا أن استهداف السفارة الأميركية في الرياض وقبلها في الكويت، إلى جانب تحركات مجموعات عسكرية عراقية ضد مواقع أميركية في شمال العراق، وما يجري في لبنان، شكَّلت عوامل رئيسة دفعت واشنطن لاتخاذ هذا القرار.
 وأضاف، إن هناك خشية لدى الإدارة الأميركية من أن اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي قد يفتح الباب أمام عمليات انتقامية تستهدف الأميركيين في المنطقة، سواء عبر مجموعات سرية أو عبر حلفاء إيران من القوى المرتبطة بالطائفة الشيعية.
 وأشار إلى أن المعلومات المتوافرة لدى واشنطن ربما تؤكد وجود تهديدات جدية ضد مصالحها ومواطنيها، ما يفسر سرعة اتخاذ قرار الإخلاء، ومؤكدًا أن هذه الخطوة تحمل أبعادًا سياسية وأمنية في آن واحد، إذ تعكس إدراك الولايات المتحدة لاحتمال توسع دائرة التصعيد، وتكشف عن استعدادها لمواجهة سيناريوهات أكثر خطورة في المرحلة المقبلة.