عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    29-Jan-2026

النويران يستعرض بكتابه الأصول التاريخية والعربية القديمة للهجات الأردنية

 الغد-عزيزة علي

 صدر حديثا عن دار الثقافة للنشر والتوزيع في عمان، وبدعم من وزارة الثقافة، كتاب الباحث عواد ملهي النويران بعنوان "اللهجات الأردنية"، الذي يسلط الضوء على تنوع اللهجات في الأردن وأصولها العربية القديمة، ويستعرض تاريخها وتطورها، مع توثيق ألفاظها النادرة والمندثرة.
 
 
ويأتي الكتاب مصحوبا بمقدمة كتبها عواد العثمان، يوضح فيها أهمية اللهجات كهوية ثقافية ووسيلة للتعبير عن التراث غير المادي، ويشير إلى تأثير التطورات الحديثة، مثل الإعلام ووسائل التواصل، على مستقبل هذه اللهجات.
كما يتضمن الكتاب قصصا تراثية مشوقة، مثل قصة الشاعرة دعد، لتعكس العلاقة بين اللغة واللهجة والإبداع الشعري العربي.
يضم الكتاب ثمانية فصول؛ يتناول الفصل الأول اللغة واللهجة. فيما يستعرض الفصل الثاني اللهجات العربية قديما وحديثا، ويتحدث الفصل الثالث عن الإبدال في اللفظ، كما يتناول الفصل الرابع ألفاظ الأفعال. فيما يتحدث الفصل الخامس عن ألفاظ الضمائر، ويتناول الفصل السادس ألفاظ المثنى والجمع. ويستعرض الفصل السابع ألفاظ الأسماء والحروف والأدوات، فيما يشير الفصل الثامن إلى مواضيع لهجية أخرى.
كتب مقدمة الكتاب عواد العثمان، مشيرا إلى أن الله سبحانه وتعالى جعل اختلاف لغات البشر ولهجاتهم سنة من سنن الكون، وهذا الاختلاف موجود منذ أقدم العصور، فقد كان لكل حضارة لغتها، ولكل لغة لهجاتها.
ويبين أن اللغات واللهجات كانت وما تزال هوية تعرف بها الشعوب، بها يميز العربي من الأعجمي، واليمني عن الشامي، والبدوي عن الحضري. قال تعالى: "وَلِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ". كما كانت العرب تعرف نسب الرجل وأصله من لهجته.
ويشير العثمان إلى قصة رويت عن ابنة أحد أمراء العرب، تدعى دعد، وكانت شاعرة بليغة وبارعة الجمال. خطبها الكثير من الرجال، لكنها رفضت الزواج إلا من رجل أشعر منها. فاستحث الشعراء فرائحهم ونظموا القصائد، لكن لم يسرها شيء مما نظموه، حتى شاع خبرها في أنحاء جزيرة العرب.
ويقول العثمان إنه كان في تهامة شاعر بليغ، فخطر له أن ينظم قصيدة في سبيل تلك الشاعرة. فنظمها وركب ناقته متوجها إلى ديارها، وفي الطريق التقى بشاعر آخر له الغرض نفسه. فلما اجتمعا، اطلع التهامي على قصيدته فرأى أنها أرقى من قصيدة صاحبه، فوسوس له الشيطان بأن يقتل صاحبه وينتحل قصيدته. ففعل ذلك، وحمل القصيدة إلى موطن دعد.
وعندما وصل إلى الأمير والدها، أبلغه سبب قدومه، فدعا الأمير ابنته فجلست تستمع. بدأ الشاعر ينشد القصيدة بصوت عال على عادة الشعراء، فأدركت دعد من لهجته أنه ليس تهاميا، لكنها سمعت أثناء إنشاده يقول: "إن تتهمي فتهامة وطني.. أو تتجدي يكن الهوى نجد".
فعلمت دعد بنباهتها وفراستها أن الرجل قتل صاحبه وانتحل قصيدته، فصرخت بأبيها: "اقتلوا هذا، إنه قاتل"، فقبضوا عليه واستنطقوه فاعترف بجريمته.
ويشير العثمان إلى أن الأردن يزخر بتنوع كبير في اللهجات، أغلبها يعود إلى أصول اللهجات العربية القديمة. ومع ذلك، بدأت هذه اللهجات تفقد تميزها، وبدأت تختلط بطريقة تشير إلى احتمال اندماجها في لهجة واحدة تفقد خصوصياتها كلغات مستقلة، نتيجة عوامل عدة سيتم تناولها في فصول الكتاب.
ومن هنا، يوضح العثمان أن فكرة توثيق هذه اللهجات وما تتميز به عن بعضها بعضا جاءت كوسيلة للحفاظ على شكل من أشكال التعبير الذي يعد عنصرا أصيلا من التراث العالمي غير المادي. وكان الهدف الأساسي جمع المعلومات من مصادرها الأصيلة قدر الإمكان، من أشخاص لهم إلمام دقيق بطرق نطقها ودلالاتها اللفظية، مع إبراز ما اندثر منها وما هو نادر الاستخدام في اللهجات الحالية، آملا أن يكون هذا العمل مدخلا للباحثين لدراسة اللهجات الأردنية وتاريخها وتطورها.
وشكر كل من أسهم في تقديم المعلومات وساعد على إنجاحه، واعتذر عن أي تقصير فيه، ومهما بذل الإنسان من جهود، فإنها تبقى ناقصة، ليأتي من بعده من يكملها ويثريها. وفي خاتمة الكتاب، التي جاءت بعنوان "مستقبل اللهجات إلى أين"، يوضح المؤلف أن اللهجات تنقلت عبر التاريخ وفق مراحل فرضتها الظروف في كل زمان ومكان. وفي عصرنا المعاصر، لعبت الحدود السياسية والصراعات والهجرات دورا كبيرا في تغير اللهجات، حتى أصبح لكل دولة لهجات تكاد تكون خاصة بها.
ومع ذلك، أدت ثورة الإعلام والاتصالات وتطور وسائل التواصل إلى تأثير قوي على اللهجات، فقد أصبحت اللهجات التي كانت محصورة في بلدان معينة عابرة للحدود بفعل الإعلام، وازداد دخول المفردات والمصطلحات الغربية في الكلام، وظهر ما يعرف بـ"العربيزي"، أي خليط من العربية والإنجليزية، وكتابة اللفظ العربي بأحرف لاتينية.
هذه المستجدات لعبت وتلعب دورا مهما في تمازج اللهجات وتقاربها، لذلك لا يمكن التنبؤ بمستقبلها طالما بقيت أداة تتأثر بظروف الحياة ومتغيراتها. وقد لا يكون مستبعدا أن يؤدي هذا التقارب إلى ظهور لهجة واحدة، أو إلى عودة اللغة العربية إلى أصولها الفصيحة.