تجميد الحرب.. والمخاطر المتوقعة*د.ابراهيم بدران
الغد
بعد التوقيع الإلكتروني على مذكرة التفاهم بين أميركا وإيران في مدينة افيان الفرنسية في أعقاب انتهاء اجتماعات مجموعة السبعة+ وفي يوم ميلاد دونالد ترامب الثمانين واستعراضه لتوقيعه أمام المصورين وإعلانه عن توقف الحرب وانفتاح مضيق هرمز ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية وبداية مرور السفن وناقلات النفط الذي انخفض سعر البرميل فيه فورا إلى 77 دولارا، تنفست المنطقة بل والعالم الصعداء.
لقد احدث استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران والحرب الإسرائيلية على لبنان لمدة (110) أيام خلخلة كبيرة في اقتصادات دول الخليج والمنطقة العربية بل والاقتصاد العالمي بكامله. وخاصة سوق الطاقة وتكاليف الشحن وارتفاع كلفة التأمين وتصاعد أسعار الغذاء، وحالة من عدم الاستقرار في أسواق المال.
هذا إضافة إلى ما أنتجته الحرب من دمار في إيران أولاً ولبنان ثانيا، وسقوط ضحايا ومصابين بعشرات الآلاف، وما ألحقته في دول الخليج العربي والأردن من إصابات في المرافق نتيجة لسقوط المسيرات وشظايا الصواريخ في كل مكان. لقد استغلت إسرائيل التي هاجمت حليفها ترامب لأنه أوقف الحرب متناسية أنه لولا أميركا لما بقيت إسرائيل كما قال ترامب.
استغلت إسرائيل الحرب ابشع استغلال فأمعنت في القتل والتدمير في قطاع غزة ومنعت قوافل الإغاثة والإمداد من غذاء وماء ودواء وكساء من دخول القطاع.
وتباهي نتنياهو الذي وصفه ترامب بالغباء والبعد عن العقلانية، تباهى انه سوف يسيطر على 70 % من القطاع رغم اتفاقية السلام الزائفة، ورغم ادعاءات ترامب الاحتفالية بأن مسيرة السلام في المنطقة قد انطلقت بفضل جهوده المتميزة.
وتصاعد توحش الاحتلال الاسرائيلي في الضفة الغربية فازدادت مصادرة أراضي الفلسطينيين وتهجير السكان وخاصة في القرى الصغيرة والمخيمات، وانفلت التوسع في إقامة المستوطنات بشكل غير مسبوق. وما شهدته غزة تشهد نظيره بشكل قريب قرى جنوب لبنان ليعلن نتنياهو انه يعمل على تأسيس شريط حدودي خالياً من السكان تسيطر عليه القوات الإسرائيلية في غزة والضفة ولبنان وسورية.
هذا كمرحلة من مراحل التوسع الاسرائيلي الذي تعمل عليه إسرائيل. وهذا ما جعل بيبي ( كما يقول ترامب) غير راض عن مذكرة التفاهم، لأن الحروب على الجبهات المتعددة والتوتر العالمي بسبب النفط وخلخلة الأسواق، يعطي إسرائيل الفرصة للتغطية على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والانخراط في «التمييز العنصري على غرار جنوب أفريقيا» كما قالت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي التي قاطعتها إسرائيل بسبب تصريحها هذا.
والسؤال المهم للعالم وللمنطقة العربية ولنا في بلدنا العزيز: هل هناك من توابع يمكن توقعها من هذه الحرب السيئة على الجميع؟ الإجابة نعم. كذلك فإن الدروس كثيرة ولكن العبرة الغائبة متى تتعلم المجموعة العربية من دروس التاريخ الذي نعيشه سنة وراء سنة؟. وهنا نشير إلى بعض النقاط :
اولاً: بالتأكيد أن الثنائي الأميركي الإسرائيلي لم ينتصر في هذه الحرب رغم الادعاءات الزائفة بالنصر، وأن الخصم الإيراني أيضا لم ينكسر. وهذا يؤكد أن الحروب القائمة على الغزو ومحاولة السيطرة على الشعوب لا تعطي أي نتيجة حاسمة حين تواجه المقاومة. إن الاستعمار التقليدي، ومنه الصهيوني، لا يتعلم الدرس أبدا. وهو «أن صبر الشعوب ومقاومتها وعدم الهلع بسبب فارق القوة يمثل العامل الكافي لقهر المستعمر حتى لو طال الزمن».
ثانياً: إن طبيعة الحروب قد تغيرت اليوم ليكون الاعتماد ليس على أعداد الجنود والمعدات الثقيلة، وإنما الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة في جميع المجالات وخاصة في الاتصالات والمسيرات والأمن السيبراني والقذائف الموجهة والأقمار الصناعية، وكل ما من شأنه أن يجعل الخصم مكشوفاً. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الصمود والمقاومة وتحمل الضربات والبنية التحتية المرنة هي المفتاح لهزيمة المعتدي. وبالتالي فإن التوسع والتعمق في البحث العلمي والتطوير التكنولوجي الوطني والعربي المشترك أصبح ضرورة دفاعية أمنية وليس مجرد مسألة أكاديمية كما يظن البعض.
ثالثاً: إن منبع الصراع وعدم الاستقرار في المنطقة مصدره إسرائيل باتجاهاتها التوسعية ومواقفها غير عقلانية وأحلامها بإنشاء أمبراطورية توراتية تسيطر فيها على منطقة الشرق الأوسط بأكمله. وهي التي حفزت ترامب على الدخول في الحرب ضد إيران بادعاء السلاح النووي الذي لا تمتلكه إيران ولا تنوي حيازته، حيث إن إيران موقعة على اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية، في حين ترفض إسرائيل الانضمام للاتفاقية لحيازتها على أسلحة نووية.
رابعاً: إن وجود القواعد والقوات الأجنبية لا يعطي أي حماية للبلد المضيف بسبب تغير طبيعة الحروب من جهة، وبسبب استعمال القواعد كمنصات انطلاق من طرف القوة الأجنبية ولمصالحها فقط. الأمر الذي يقحم البلد المضيف في صدامات و حروب إجبارية لا تسعى إليها ولا يريدها الخصم.
خامساً: إن مذكرة التفاهم الموقعة بين أميركا وإيران، والتي تحاول إسرائيل أن تتنصل من التزاماتها، أشارت إلى إعادة الإعمار في إيران والذي تقدر كلفته بـ300 مليار دولار كان ترامب قد لمح بأنها ستأتي من «جيران إيران الأغنياء». وهذا يعطي مؤشراً بأن ضغوطا مالية سيحاول ترامب وضعها على المنطقة وعلى دول الخليج خاصة لكي تتولى المساهمة في إعادة الإعمار.
سادساً: إن الدرس الأهم وهو أن التكتل العربي، ليس بالتعاطف والإشادة، وإنما من خلال مشاريع جوهرية كالربط السككي والصناعات المتطورة، اصبح ضرورة بقاء ووجودا وليس تعاطفا قوميا. وتستطيع الأقطار العربية من دول الخليج والسعودية والعراق والأردن ومصر وسورية ولبنان إنشاء تكتل اقتصادي صناعي تكنولوجي عسكري لوجيستي يقوم على المفاهيم الحديثة للحروب والدفاع.
وبالتالي عدم الاعتماد على الدعم الأميركي الذي تتلاعب به إسرائيل بوسائلها، ولا يمكن الاطمئنان إليه.
وأخيراً فإن ما نشهده اليوم هو مجرد تجميد للحرب وليس انتهاؤها.وان تنفيذ التفاصيل الواردة في المذكرة تحمل الكثير من الغموض والمصائد والالتواءات التي يمكن أن تقع فيها الأطراف. ولعل المصيدة الأشد خطورة تتمثل في الدور الإسرائيلي الذي يحاول أن يستمر في التوسع وتصدير الأزمة إلى المنطقة العربية التي ما تزال مفككة، وآخرها اقتراح ترامب تشبيك سورية مع حزب الله في لبنان. لقد آن الأوان أن تعيد دول المنطقة حساباتها وتنظر إلى المستقبل الذي لا يمكن مواجهته إلا بالتجمع العربي والمشاريع المشتركة والعلم والتكنولوجيا والتشارك المخلص. فهل تنطلق حركة عربية في هذا الاتجاه؟ تلك هي المسألة.