احذروا وسائل الإعلام: حقبة ما بعد الحقيقة*أ. د. عبد الرزاق الدليمي
الراي
ذكرتني الاحداث التي نعيشها هذه الايام وما تعكسه الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وبين نظام طهران، بتلك التي عشناها عام ١٩٩١ لا سيما الأدوار التي تمارسها وسائل الإعلام.... كما اتذكر انني شاركت بندوة موسعة نظمتها وزارة الثقافة والاعلام العراقية لمناقشة كتاب المؤلف البلجيكي ميشيل كولون المعنون "احذروا الإعلام".
العالم يعيش اليوم في حقبة استطيع ان أطلق عليها "ما بعد الحقيقة"، حيث لم تعد المعلومة مجرد وسيلة للإخبار، بل أداة استراتيجية في إدارة الصراعات. وفي المثلث الملتهب الذي يجمع الولايات المتحدة وإسرائيل ونظام ملالي طهران، تتحول الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات معارك لا تقل ضراوة عن الميدان الحقيقي وقد تكون اكثر وأعمق تاثيراً على مئات الملايين من البشر لكنها غالباً ما تكون مضللة.
خارطة طريق لكيفية قراءة الحقيقة بين ضجيج الإعلام وواقع الأرض:
اولا: بين الشاشة والخندق.. كيف نفكك شيفرة الصراع في مثلث (واشنطن- تل أبيب- طهران)؟
في كل مرة يتصاعد فيها التوتر في الشرق الأوسط يجد المتابع نفسه محاصراً بفيض من الأخبار المتناقضة. فبينما يتحدث الإعلام الإيراني عن انتصارات ساحقة وزوال قريب للكيان يركز الإعلام الإسرائيلي على الضربات القاصمة المعززة بالفيديوهات والأمن المطلق في حين يمارس الإعلام الأمريكي دور الميزان الذي يسوق لجهود التهدئة مع استمرار الدعم العسكري.
لكي نقرأ الحقيقة وسط هذا الركام يجب أن نفهم القواعد التالية:
1. التمييز بين الاستهلاك المحلي والرسائل الاستراتيجية، فجزء كبير مما تبثه وسائل الإعلام التابعة لهذه الأطراف موجه للداخل. في طهران مثلا يحتاج النظام لخطاب تعبوي يحافظ على تماسك قاعدته الشعبية وحلفائه في ما يسمى محور المقاومة، لذا يكون الصراخ الإعلامي أعلى بكثير من الفعل العسكري المباشر.
وفي إسرائيل يستخدم نتنياهو وحكومته وسائل الإعلام لتصدير صورته باعتباره البطل القومي وتخويف المعارضة الداخلية أو للضغط على واشنطن للحصول على مزيد من الدعم.
اما في واشنطن تُسرب الإدارة الأمريكية أخباراً محددة ومعدة باحترافية عالية للصحافة الأكثر اهمية ليس في الولايات المتحدة بل والعالم مثل نيويورك تايمز ووول ستريت جورنال لجس نبض الخصوم أو لتهدئة الناخب الأمريكي القلق من التورط في حروب جديدة.
ثانيا: قواعد الاشتباك غير المعلنة
فالحقيقة على الأرض تخبرنا دائما أن هناك خطوطاً حمراء يعرفها الأطراف الثلاثة جيداً لكنهم لا يعلنون عنها. ووسائل الإعلام قد تصور أن الحرب الشاملة ستبدأ غداً لكن الواقع العملياتي يشير إلى أن الهجمات غالباً ما تكون محسوبة بدقة اكبر. مثال على ذلك لاحظنا ان الردود الإيرانية المباشرة غالباً ما تكون استعراضية وردود افعال أكثر منها تدميرية لتجنب حرب شاملة تسقط النظام، بينما الضربات الإسرائيلية تركز على قص العشب وإضعاف الأذرع وهذا ما بدأنا نلاحظه خلال الايام القليلة الماضية من الاستهداف المخطط للمليشيات بالعراق!،دون الدخول في مواجهة مباشرة ومفتوحة مع طهران إلا في الضرورة القصوى.
ثالثا: حروب الظل مقابل حرب الشاشات.. ما يحدث واقعياً يقع غالباً في المنطقة الرمادية التي لا تُنشر تفاصيلها فوراً لا سيما مثل :
١-الأمن السيبراني وتعطل المنشآت الإيرانية أو اختراق الهواتف الإسرائيلية اصبحت هي المعارك الحقيقية التي لا نراها إلا بنتائجها المتأخرة.
٢-الاغتيالات والعمليات الاستخباراتية، فالحقيقة تكمن في قدرة الاختراق الأمني وليس في عدد الصواريخ التي يتم اعتراضها في الجو.
رابعا: عينك على الدولار والنفط.. لا الشعارات
فإذا أردت معرفة الحقيقة انظر إلى حركة السفن في مضيق هرمز وأسعار الطاقة العالمية والاتفاقيات التجارية السرية. فالاقتصاد هو البوصلة الحقيقية وربما هو المحرك الحقيقي لأغلب ما حدث ويحدث، فالدول لا تخوض حروباً انتحارية إلا إذا كانت مصالحها الاقتصادية الكبرى في خطر وإذا كان البقاء السياسي للنظام مهدداً، وهذا قد ينطبق ببعض جوانبه على نظام الملالي في طهران!.
خامسا: الفجوة بين القدرة والإرادة.
فوسائل الإعلام مثلا تركز على القدرة (تمتلك إيران صواريخ.. تمتلك إسرائيل طائرات F-35.. تمتلك أمريكا أساطيل)، لكن الحقيقة تكمن في الإرادة، وهل هناك إرادة دولية لتغيير الخارطة؟ الواقع يشير إلى أن الولايات المتحدة كما ذكرنا مرارا تفضل منذ فشلها في معالجة تداعيات احتلال العراق إدارة الصراع لا حسمه، لأن الحسم يعني فراغاً سياسياً لا تضمن نتائجه.
كيف تخرج باستنتاج موضوعي؟
للقارئ اللبيب اتباع الخطوات التالية لتصفية الحقيقة:
1.المقارنة العكسية: اقرأ الخبر من وسيلة إعلام موالية لطهران ثم اقرأه من وسيلة إسرائيلية مثلا، ثم من وسيلة دولية محايدة مثل وكالة رويترز، الحقيقة عادة تكمن في المنطقة التي تتقاطع فيها الروايات الثلاث أو في المسكوت عنه في جميعها.
2.التشكيك في الأرقام: في غالبية الحروب أول ضحية هي الحقيقة وعدد القتلى وعدد الصواريخ التي سقطت وحجم الخسائر المادية، كلها تخضع لرقابة عسكرية صارمة من كل الأطراف.
3.مراقبة التحركات الأرضية لا التصريحات، فمثلا تصريح لمسؤول أمريكي عن السلام لا قيمة له إذا كانت حاملة الطائرات تتحرك نحو شرق المتوسط. فالفعل المادي هو الحقيقة والقول هو الغطاء.
٤-الصراع بين أمريكا وإسرائيل وملالي طهران، هو شطرنج جيوسياسي معقد. ووسائل الاتصال ووسائل الإعلام هي الستارة التي تغطي رقعة الشطرنج وما نراه على الشاشة هو مجرد حركة القطع التي يريد اللاعبون منا أن نراها. الحقيقة ليست فيما يقال بل فيما يحدث في الغرف المغلقة وفي صمت القادة وفي حركة المال والسلاح خلف الكواليس وهي الاهم بالنسبة للفاعلين؟!
لذا عزيزي المتابع، لا تقرأ الأخبار بعينك حسب، بل اقرأها بعقل المحلل الذي يسأل دائماً: من المستفيد من نشر هذه المعلومة أو تلك في هذا التوقيت؟.