من إنجازات صغيرة يبدأ الاستقرار النفسي.. كيف نحتفي بأنفسنا؟
الغد- تغريد السعايدة
"أولوياتي صحتي النفسية والابتعاد عن أخباركم وتوقعاتكم"، عبارة يكررها كثيرون بعد أيام من بداية العام الجديد، وما يرافقه من توقعات وأحداث متسارعة، لتنهال النصائح من ناشطين ومدربي تنمية بشرية، يتحدثون عن "تطلعات وآمال وأهداف يجب أن تدون للعمل على تحقيقها".
لكن هناك من ما يزال يؤكد أهمية أن يكون الهدف الأساسي والأولوية لـ"الصحة والسلامة والاستقرار النفسي"، معتبرين أن السنوات الأخيرة أثبتت أن ما يحتاجه الإنسان في ظل تسارع الأحداث بطريقة لافتة، وما يمر به من مستجدات، سواء على المستوى الشخصي أو الإقليمي، يتطلب التركيز على "السلامة النفسية".
القدرة على التخطي والتقبل
وتعد الصحة النفسية من أبرز ما يحتاجه الإنسان لاستمرار حياته بطريقة طبيعية، ولا تقل أهمية عن الصحة الجسدية، لذلك يحرص كثيرون على أن يكون هدفهم الدائم الحفاظ على سلامتهم النفسية، وأن تكون لديهم القدرة على مجابهة الأحداث الكثيرة والمتسارعة، من خلال "القدرة على التخطي والتقبل"، التي تبدأ من الحالة النفسية للفرد.
ومنذ بداية العام وحتى هذه اللحظة، تمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي بمنشورات مجتمعية وشخصية، عقب مجموعة من الأحداث العالمية التي يتوقع أن تؤثر على العالم أجمع، حيث يذهب الكثيرون إلى التحليل والتوقع، والحديث عن خفايا قادمة قد تطال كل إنسان على وجه الأرض، بدرجات متفاوتة.
وفي منشور يتحدث عن تلك الأولويات التي يجب على الفرد أن يعيها، علقت لارا عيسى قائلة إن ما تابعته من أخبار وأحداث يومية عبر قنوات ومحطات إخبارية ووسائل التواصل الاجتماعي، جعلها تشعر بالتعب والإرهاق من مجرد الاستماع، وكأن تلك الأحداث ستؤثر على مستقبلها على المدى القريب، خاصة في ظل وجود محللين ينذرون دائما بـ"الأسوأ".
لذا، وجدت لارا أن ما تحتاجه هو الاستقرار النفسي والسلام، والتأقلم أيضا مع المجريات، وأن تفكر فقط بعملها وحياتها وعائلتها، والأهم، على حد تعبيرها، "صحتها النفسية من دون الحاجة للجوء إلى معالجة أو مساندة من أحد في سبيل تخطي الأزمات على اختلافها".
الصحة النفسية كأولوية
وبناء على توصيات منظمة الأمم المتحدة، فإن الصحة النفسية تحظى بمكانة مهمة جدا على مستوى العالم، كونها تعد من الحقوق التي يجب أن يتمتع بها أي إنسان، باعتبارها الركيزة الأساسية في التنمية البشرية، إذ إن حرمان المجتمعات منها يمكن أن يؤدي إلى "تمزيق النسيج الاجتماعي، وإبطاء التقدم الاقتصادي، مما يجعل الصحة النفسية قضية تمس جميع جوانب الحياة".
ومن خلال عمله المتواصل على مستوى العالم العربي والشرق الأوسط، يحرص المستشار الأول في الطب النفسي والمعني بالتثقيف النفسي في المجتمع العربي الدكتور وليد سرحان، على توجيه متابعيه ومرضاه إلى أن الصحة النفسية يجب أن تكون دائما أولوية في كل محطة يمر بها الإنسان، في بداية العام ونهايته، وفي كل مرحلة جديدة من حياته.
ويقول سرحان إن ما يلاحظ منذ بداية العام هو تحول واضح في وعي الأفراد تجاه مفهوم الصحة النفسية، حيث بات كثيرون يدركون، في ظل الظروف المتسارعة وعدم الاستقرار على المستويات المختلفة، أن السلامة النفسية ليست ترفا ولا هدفا ثانويا، بل هي أساس الأمان الإنساني.
وهنا، تظهر تلك الدعوات التي يتحدث فيها الأفراد، على المستوى الشخصي، عن أنهم باتوا يبحثون فقط عن سلامتهم النفسية ليكونوا قادرين على مواجهة والاستمتاع بالعام المقبل، من دون خوف أو ترقب، بل بـ"رضا وسلام وتقبل وتأقلم في الوقت ذاته".
تخصيص مساحة لرعاية النفس
ومن خلال حسابها خلال الأيام الماضية، تقول سناء السالم إن الصحة النفسية لا تعني فقط عدم الشعور بالقلق والضغوط المحيطة، بل إن معنى أن تكون سليما نفسيا هو أن تكون قادرا، رغم كل الظروف والتحديات، على إكمال طريقك وعملك وحياتك على أكمل وجه، وأن تختار دوما أن تكون بخير، من دون الجري وراء حياة مثالية، من خلال أدواتك ومهاراتك الخاصة في حياتك اليومية.
ولأهمية أن "تكون صحتنا النفسية أولوية"، قام العديد من المختصين بإنشاء مجموعات تعنى بتوعية الأفراد بأهمية تخصيص مساحة في حياتهم لرعاية أنفسهم واحتوائها، وإيلاء الصحة النفسية ما تستحقه من اهتمام، في ظل تراكم العمل وازدحام التوقعات والإنجازات والأهداف.
ومن خلال هذه المجموعة، تبين الاختصاصية النفسية شاهندة عصام أن من حق الإنسان أن يكون لطيفا مع نفسه في كل مرة، وذلك من خلال الاحتفاء بالإنجازات الصغيرة مهما كانت أهميتها، والابتعاد فورا عن المقارنة غير المجدية مع الآخرين، وأن يكون تخصيص وقت للاهتمام بالنفس أولوية قبل كل تلك الأمور.
وتضيف عصام، في تقديم نصحها للمتابعين، أن من علامات الاهتمام بالصحة النفسية أيضا أن إدراك الإنسان لأخطائه يعد جزءا من مراحل نموه الفكري والنفسي، وهو أمر طبيعي، إلى جانب محاولة تغيير الواقع الذي لا يناسبه ولا يتواءم مع شخصيته وفكره، بحثا عن الأفضل للاستمرار والحفاظ على الاستقرار النفسي.
الاهتمام بالنفس يبدأ بتفاصل بسيطة
وأحد الفيديوهات التي لفتت أنظار الكثير من الفتيات، تحديدا قبل أيام، لسيدة تقدم نصيحة للفتيات والأفراد بشكل عام، تقول فيه إن الاهتمام بالنفس وبتفاصيل اليوم البسيطة، التي تبدأ من "تهذيب الشعر"، ليست أمورا عابرة، بل تشكل استعدادا نفسيا للعام والأيام المقبلة مهما كانت طبيعتها.
وتقول تلك السيدة، التي لاقى مقطع الفيديو الخاص بها صدى واسعا لدى المتابعين وتفاعلوا معه، إن الأهداف والمخططات والإنجازات ستأتي، على حد تعبيرها، وإن أولوية النفس وصحتها، وخلق الطاقة الإيجابية فيها، هي أولى خطوات هذا الاستعداد لأيامنا "يوما بيوم".
ووفق سرحان، فإن "الاستقرار النفسي لا يعني غياب المشكلات أو تجاهل الواقع، وإنما يعني امتلاك القدرة على التكيف، والاحتواء، واتخاذ القرارات بهدوء، والاستمرار من دون استنزاف داخلي"، مشيرا إلى أن التجارب المتراكمة خلال السنوات الأخيرة جعلت الكثير من الأشخاص يكتشفون أن الإنجازات المادية أو المهنية تفقد معناها إذا كان الإنسان يعيش قلقا دائما أو إنهاكا نفسيا.
ومن منظور علم النفس، بحسب سرحان، فإن الصحة النفسية تعد شرطا أساسيا لـ"الاستمرارية في العمل والإنتاج، والحفاظ على العلاقات الاجتماعية، والوقاية من الاضطرابات النفسية المرتبطة بالضغوط المزمنة". ولذلك، يشدد سرحان على أن الاستقرار والسلامة النفسية ضمن أولويات العام الجديد يعكسان نضجا ووعيا، وليس انسحابا من الطموح أو الحياة، بل على العكس، فالإنسان المتزن نفسيا هو الأقدر على مواجهة الأزمات، وتحقيق أهدافه، والتعامل مع المتغيرات بمرونة ووعي.