عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    18-Apr-2026

ترامب وجينبينغ، وطيف العام 1914

 الغد

أود آرن ويستاد* - (إندبندنت عربية) 31/3/2026
يتشابه التنافس بين الولايات المتحدة والصين مع أجواء ما قبل العام 1914، حين أدى تراكم أزمات صغيرة إلى صدام واسع. وعلى الرغم من الترابط الاقتصادي، تغذي الشكوك والتفاوتات الداخلية والتوتر حول تايوان مخاطر التصعيد، مما يجعل التعاون ضرورة لتجنب مواجهة كارثية.
 
في أوائل العقد الثاني من القرن العشرين، كان وزير الخارجية البريطاني، إدوارد غراي، يراقب العالم من مكتبه في وايتهول، لندن. كان يشاهد عدة حروب صغيرة، لكنه لم يرَ شيئاً من شأنه أن يضع القوى العظمى آنذاك في مواجهة بعضها بعضاً -حتى إنه كتب لاحقاً في مذكراته: "في الأشهر الأولى من العام 1914، بدت الساحة الدولية والعلاقات بين الدول أكثر صفاء مما كانت عليه في أي وقت مضى".
ثم اندلعت الحرب العالمية الأولى، بالطبع، بعد أشهر قليلة، وأودت بحياة 40 مليون شخص. ولم يتوقعها أحد تقريباً، لكن كثيرين، بمن فيهم اللورد غراي، استنتجوا لاحقاً أنها حدثت لأن القوى العظمى لم تتمكن من حل النزاعات الصغيرة المتعددة التي أدت مجتمعة إلى تغذية حرب العام 1914.
يبدو العالم اليوم شبيهاً، بشكل مثير للقلق، بعالم أوائل القرن العشرين -ليس بسبب الحروب الإقليمية التي تكتنفه فحسب، مثل تلك الدائرة في إيران وأوكرانيا، بل أيضاً لأنه عالم متعدد القوى العظمى، من بينها الصين وروسيا والولايات المتحدة، وكل منها يتمسك بمكانته بشدة. إنه عالم مليء بالنزعات القومية والإرهاب والتنافس الاقتصادي والتكنولوجي وتعثر العولمة، تماماً كما كان الحال آنذاك. وقادته يتواصلون، ولكن من دون فهم حقيقي لبعضهم بعضاً. وهناك شعور بأن الوقت ينفد أمامهم لتسوية خلافاتهم، مثلما حدث مع أسلافهم قبل مائة عام. وكان القيصر الروسي نيقولا الثاني قد كتب إلى ابن عمه القيصر فيلهلم الثاني عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى: "أتوقع أن يتم إغراقي قريباً تحت وطأة الضغوط المفروضة علي، وسأُضطر إلى اتخاذ إجراءات قاسية ستؤدي إلى الحرب". والإحساس بأن التاريخ يعيد نفسه يكون أحياناً قوياً للغاية.
يتجلى هذا الشعور بوضوح في العلاقات الأميركية - الصينية اليوم. وعندما يلتقي رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب والزعيم الصيني شي جينبينغ في قمتهما المرتقبة في بكين، يجب أن يدرك الرجلان خطورة التنافس غير المنضبط. فقد يكون الصراع الخارج عن السيطرة بين القوتين الرائدتين في العالم كارثياً على بلديهما وعلى العالم بأسره. ويؤكد الجانبان رغبتهما في إيجاد سبل لوقف الانزلاق نحو المواجهة، إلا أن أياً من الزعيمين لا يبدو مدركاً لحقيقة أن الهُدن المؤقتة في مجال التجارة والتعريفات الجمركية، أو النوايا المعلنة بشأن مكافحة المخدرات، لا تكفي لإعادة العلاقات بين الولايات المتحدة والصين إلى مسارها الصحيح.
وعموماً، لا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأننا نعود إلى علاقات شبيهة بالحرب الباردة بين الولايات المتحدة والصين. بل إن الشؤون الدولية اليوم يمكن فهمها بشكل أفضل عند مقارنتها بإعادة الترتيبات التي حدثت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، حين كان الترابط الاقتصادي موضع شك، وكانت قوى عظمى عديدة تتنافس على النفوذ. وقد انتهى ذلك العالم، كما نعلم، بكارثة العام 1914. ولكي تتفادى الصين والولايات المتحدة هذا المصير اليوم، وتحقيق نوع من الانفراج، لا بد من تعاون إيجابي بينهما، بما في ذلك معالجة بعض المشكلات الأساسية الكامنة في العلاقة بينهما.
القوى العظمى في حالة تراجع
تُثير المقارنات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين اليوم بعض القضايا نفسها التي كانت قائمة بين بريطانيا وألمانيا قبل الحرب العالمية الأولى. وكما حدث لبريطانيا في أوائل القرن العشرين، انتقلت الولايات المتحدة من موقع الهيمنة الاقتصادية إلى موقع تُعد فيه واحدة من بين عدة قوى كبرى. وقد تفوقت الصين على الولايات المتحدة بكثير من حيث إجمالي الإنتاج الصناعي. وتعاني الولايات المتحدة من عجز تجاري مع أكثر من 100 دولة، إلا أن العجز مع الصين هو الأكبر، إذ بلغ نحو 200 مليار دولار في العام 2025.
لكن كما هي الحال مع بريطانيا في أوائل القرن العشرين، فإن قصة تراجع الولايات المتحدة صحيحة نسبياً فحسب. فواشنطن اليوم تتمتع ببعض المزايا نفسها التي تمتعت بها بريطانيا آنذاك. فهي تهيمن على القطاع المصرفي والمالي العالمي، وعملتها هي عملة العالم، كما أنها تضع قواعد لكثير مما يجري في المجتمع الدولي، من النقل إلى الحواسيب إلى الموضة. وتمتلك الولايات المتحدة اليوم أيضاً عوامل أخرى تصب في صالحها، فهي تنفق على البحث والتطوير أكثر بكثير مما كانت تنفقه بريطانيا قبل الحرب العالمية الأولى، على سبيل المثال. وتستثمر الولايات المتحدة اليوم ما يقارب 3.5 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي في ابتكار منتجات وتقنيات جديدة، وهو معدل يفوق ذاك المسجل في أي دولة أخرى. كما أنها تمتلك سوقاً داخلية ضخمة، وتركيبة سكانية مواتية، وإمكانية الوصول إلى موارد طبيعية داخل أراضيها. وهذه كلها مزايا لم تكن متاحة لبريطانيا في العام 1914.
ومع ذلك، تشعر الولايات المتحدة بفقدان مكانتها الريادية لأن موقعها النسبي قد تغير جذرياً خلال القرن الماضي. فبعد الحرب العالمية الثانية، كانت تمتلك نحو 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي؛ وحتى بعد الحرب الباردة، كانت حصتها تتجاوز 20 في المائة. لكن هذه المكانة كانت قائمة على ظروف استثنائية. فقد دُمرت أوروبا واليابان خلال الحرب العالمية الثانية، بينما عانت الصين قرناً من الحروب، أعقبته ثورة شيوعية لم تُحقق، على الأقل في البداية، سوى قليل من الإنجازات لشعبها.
والآن، بعد أجيال من السلام والاستقرار النسبي، ليس من المستغرب أن تتمكن القوى الصناعية الأخرى من مجاراة الولايات المتحدة. ففي العام 1990، على سبيل المثال، كانت اليابان أقرب منافس لها، مع اقتصاد شكل 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. أما حصة الصين، فلم تكن تتجاوز 4 في المائة آنذاك، لكنها قفزت منذ ذلك الحين إلى 19 في المائة. وبالنظر إلى أن صعود القوى الأخرى كان شبه حتمي، فإن وضع الولايات المتحدة اليوم، مع حصة تبلغ نحو 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، لا يبدو سيئاً إلى هذا الحد. إلا أن الشعور بالتراجع قد غذى حالة من الاستياء.
ما يزال الأميركيون يشككون في أن الأساليب التي استخدمتها الصين لدفع عجلة نموها لم تكن نزيهة. وقبل الحرب العالمية الأولى، وُجهت اتهامات مماثلة لألمانيا. فكما هو الحال مع الصين اليوم، امتلكت ألمانيا نظاماً شاملاً للتجسس الصناعي تقوده الدولة، استهدف الخبرات العسكرية والمدنية على حد سواء. وقد استخدمت الإعانات الحكومية، والحواجز غير الجمركية، ونقل التكنولوجيا القسري، لمنح شركاتها امتيازات، وهو ما تفعله الصين الآن. وعلى الرغم من أن دولاً متعددة، بما فيها الولايات المتحدة، استعانت بمزيج من هذه الأساليب لتعزيز نموها، فإن الجهود الصينية اليوم تبدو أكبر بكثير من أي شيء شهدناه من قبل.
ومع ذلك، وكما كان الحال مع بريطانيا قبل الحرب العالمية الأولى، فإن بعض الشكوك الاقتصادية لدى الولايات المتحدة ما هي إلا إسقاطات لمشكلاتها الداخلية. إذ يعتقد ما بين 70 و80 في المائة من الأميركيين أن عدداً كبيراً من الوظائف في الولايات المتحدة قد فُقد لصالح دول أخرى، وفي مقدمتها الصين. وهذا ليس بالأمر المفاجئ، بالنظر إلى اختفاء ما لا يقل عن 5 ملايين وظيفة في قطاع التصنيع منذ العام 2000. ومثل بريطانيا من قبلها، لم تستثمر الولايات المتحدة بما يكفي في تدريب عمالها على المهارات أو في مساعدتهم على الانتقال إلى أنواع جديدة من الوظائف. والنتيجة هي استياء عميق بين كثير من المواطنين الذين يعانون من ركود الأجور، وعدم الحصول على تأمين صحي مناسب وإجازات مرضية مدفوعة الأجر وخطط تقاعد. ومن الأسهل لوم قوى أجنبية على وضعهم المالي الهش بدلاً من معالجة الأسباب الجذرية في الداخل.
ويُعد ارتفاع مستوى عدم المساواة داخلياً من أبرز نقاط الضعف في موقع الولايات المتحدة اليوم. لقد واجهت بريطانيا المشكلة نفسها في مطلع القرن العشرين، ولا شك في أن ذلك أسهم في تعزيز الشعور بالضعف والعجز في ما يتعلق بالحفاظ على موقع البلاد المتميز عالمياً. ففي العام 1910، كان أغنى 5 في المائة من سكان بريطانيا يملكون ما يقارب 90 في المائة من ثروة البلاد. أما في الولايات المتحدة اليوم، فإن الـ5 في المائة الأغنى يمتلكون نحو ثلثي ثروة البلاد، وهذه النسبة في تزايد.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ليست الدولة الوحيدة التي تواجه تزايداً في عدم المساواة، فإن التداعيات الاجتماعية والسياسية فيها أشد وطأة نظراً للوضع الاقتصادي الأفضل الذي اعتاده العديد من العمال الأميركيين. وليس من المستغرب أن يعتقد كثير من المواطنين أن النخب المحلية تتآمر مع قوى أجنبية لملء جيوبها ودعم نظام اقتصادي دولي مجحف بحق العمال الأميركيين.
الوجه الآخر للمعجزة الصينية
يتجه جزء كبير من هذا الاستياء الاقتصادي نحو الصين، نظراً لنموها المذهل والأساليب التي اتبعتها لتحقيق هذا النمو. كما أنه من الأسهل توجيه الانتقادات إلى دولة أجنبية ذات نظام سياسي مختلف تماماً. ولكن على الرغم من أن جزءاً كبيراً من اللوم الموجه إلى الصين قد يكون مبالغاً فيه، فإن سيطرتها على سلاسل الإمداد العالمية تشكل تهديداً حقيقياً للولايات المتحدة. وفي الواقع، يمكن تشبيه هذه الديناميكية بالمواقف البريطانية والفرنسية تجاه ألمانيا قبل العام 1914، على الرغم من امتلاك هاتين الدولتين إمبراطوريات شاسعة وراء البحار يمكنهما الاعتماد عليها في الإمدادات، وبخاصة المواد الخام. في المقابل، تعد الولايات المتحدة اليوم أكثر اعتماداً على الأسواق الدولية، بينما تمتلك الصين قدرة إنتاجية أكبر بكثير (28 في المائة من الحصة العالمية) مما كانت تمتلكه ألمانيا في العام 1913 (15 في المائة من الحصة العالمية).
ومن حيث وضعها الاقتصادي، تعد الصين منافساً قوياً لبقية العالم، ولا يمكن مقارنتها إلا ببريطانيا خلال صعودها في القرن التاسع عشر وبالولايات المتحدة في القرن العشرين. لكن الصين اليوم تواجه مشكلاتها الاقتصادية الخاصة، تماماً كما واجهتها ألمانيا قبل الحرب العالمية الأولى. وقد يتبين أن بعض هذه التحديات لا يقل صعوبة عن تلك التي تواجهها الولايات المتحدة.
أولاً، انتهت فترة النمو الاقتصادي المفرط في الصين. وكان لا بد من حدوث ذلك في مرحلة ما، لكن هذا التحول (من نمو سريع إلى نمو أبطأ) حدث بشكل مفاجئ وازداد حدة بسبب الجائحة العالمية. وكان آخر عام حققت فيه الصين نمواً سنوياً يزيد على 10 في المائة هو 2010. وبحلول العام 2019، انخفض إلى 6 في المائة. وفي العام 2024، تشير بعض التقديرات إلى أنه تراوح بين 2 و3 في المائة. وقد أدى هذا الانتقال السريع إلى معدلات نمو أكثر اعتدالاً وطبيعية إلى ارتفاع حاد في معدلات بطالة الشباب وازدياد خيبات الأمل. كما يعاني الاقتصاد الصيني من مستويات عالية من الديون، وهو أمر غير مفاجئ بعد فترة من النمو السريع. ولكن لأسباب سياسية في المقام الأول، تجد الحكومة صعوبة في إيجاد حلول جديدة لتخفيف عبء الديون، مما يزيد من حالة عدم اليقين.
تواجه الصين تحديين اقتصاديين خاصين بها تحديداً. أولهما هو التركيبة السكانية الاستثنائية. فقد كانت سياسة الطفل الواحد التي فرضها "الحزب الشيوعي الصيني" لأكثر من جيل كارثة حقيقية: فالصين هي أول دولة في العالم ستشيخ قبل أن تصبح غنية. وكان 2023 أول عام ينخفض فيه عدد سكان الصين بنحو 2.5 مليون نسمة. وبحلول العام 2050، ستفقد البلاد ما لا يقل عن 200 مليون نسمة، إن لم يكن أكثر، وسيكون أكثر من 40 في المائة من السكان المتبقين فوق سن الستين. (للمقارنة، من المتوقع أن تصل نسبة من هم فوق الستين عاماً في الولايات المتحدة إلى 30 في المائة بحلول العام 2050، وفي الهند إلى 20 في المائة فقط). بعبارة أخرى، سيعاني عدد كبير من المواطنين الصينيين من مشكلات صحية وسيحتاجون إلى رعاية طبية. إذن، تمثل التركيبة السكانية للصين قنبلة اقتصادية موقوتة.
أما التحدي الكبير الآخر الذي يواجه الاقتصاد الصيني فهو ارتياب الحزب العميق تجاه القطاع الخاص، أو على الأقل تجاه الشركات الخاصة الناجحة والمتوسعة. فعلى مدى السنوات القليلة الماضية، اتخذ "الحزب الشيوعي الصيني" إجراءات ضد كبرى الشركات الصينية. ظاهرياً، ترتبط هذه الإجراءات بمكافحة الاحتكار وأمن البيانات وحماية المستهلك. ولكن لا شك في أن الهدف الحقيقي هو إخضاع الشركات الخاصة الكبرى لسيطرة الحزب. ومن الصعب التكهن بمدى اتساع نطاق هذا التوجه في عهد شي جينبينغ. إلا أن الضغط الناجم عن الاعتقالات والاستجوابات التي طالت كبار رجال الأعمال قد دفع كثيرين منهم بالفعل إلى قضاء مزيد من الوقت خارج البلاد.
وإلى جانب هذه المشكلات الاقتصادية الداخلية، تواجه الصين غضب صانعي السياسة الأميركيين، الذين يعتقدون أنها استفادت من الولايات المتحدة للوصول إلى موقعها الاقتصادي الحالي. ونتيجة لذلك، بالإضافة إلى زيادة الرسوم الجمركية، تواجه بكين ضوابط تصدير أميركية، وقيوداً على الاستثمار، وحدوداً لدور الصين في سلاسل التوريد. كما تحاول الولايات المتحدة إقناع حلفائها وأصدقائها باتخاذ إجراءات مماثلة للضغط على الصين.
حتى الآن، لم تسفر هذه الإجراءات عن نتائج تُذكَر، باستثناء إثارة غضب قادة الصين وشريحة كبيرة من الشعب الصيني. لكن الخطر يكمن في أنها قد تُسهم في خلق شعور لدى الصين بأنها محاصرة اقتصادياً، على غرار ما اعتقدت ألمانيا أنها تواجهه قبل الحرب العالمية الأولى، أو اليابان قبل الحرب العالمية الثانية. فإذا اقتنع المواطنون الصينيون العاديون بأن هدف الولايات المتحدة هو منع نمو اقتصادهم، فإن احتمالات تحول هذا الاستياء إلى شكل من أشكال العمل العسكري ستزداد بشكل كبير.
الآن أو ليس أبداً
تتشابه الصين والولايات المتحدة في بعض التحديات الاقتصادية. فالصين أيضاً تشهد تزايداً في مستويات التفاوت الاجتماعي والاقتصادي، مما قد يسهم في زعزعة الاستقرار الاجتماعي بشكل كبير، إذ يشك المواطنون (وليس بلا سبب) في أن الثروات الطائلة التي جمعها بعض الصينيين قد جاءت نتيجة السرقة والفساد. وهناك أيضاً شكوك في أن المشاريع الاقتصادية الخارجية الصينية، مثل "مبادرة الحزام والطريق"، تُنفذ بدافع تعزيز المكانة الوطنية أكثر من مساعدة الشركات الصينية على التوسع المربح في الخارج. وبطبيعة الحال، يجب توخي الحذر عند توجيه مثل هذه الانتقادات في ظل نظام ديكتاتوري. إلا أن هناك توتراً يتصاعد بسبب مزاعم الهدر والمخاطر والفساد وتدني جودة العمل وانخفاض العائد على الاستثمارات في مشاريع "مبادرة الحزام والطريق" وغيرها من المشاريع التي روجت لها الحكومة الصينية في الخارج.
وهذه المخاوف الاقتصادية داخل الصين، المشابهة إلى حد ما لتلك التي سادت ألمانيا قبل العام 1914، تغذي لدى النخبة الصينية فكرة أن يكون المستقبل أقل إشراقاً مما كانوا يعتقدون، وأن الصين قد تكون، الآن أو قريباً على الأقل، في أوج قوتها مقارنة بالدول الأخرى. وقد أسهمت هذه الأفكار في استعداد ألمانيا للمخاطرة بخوض الحرب في العام 1914، وقد تدفع الصين إلى سلوك مماثل إذا نشأت أزمة في شرق آسيا اليوم. لا يفكر جميع صانعي القرار في "الحزب الشيوعي الصيني" بهذه الطريقة، ولكن هناك بالتأكيد حديثاً في بكين عن أن الصين بلغت ذروة نفوذها الاقتصادي النسبي، وبالتالي ذروة فرصتها لإعادة تشكيل منطقتها بما يخدم مصالحها.
وبالنسبة للصين، كما كان الحال بالنسبة إلى ألمانيا، ليس من المؤكد أن النجاح الاقتصادي الباهر يؤدي إلى زيادة الثقة في المستقبل. فعلى متن القطار فائق السرعة المريح والمثير للإعجاب بين بكين وشنغهاي مثلاً، يُذكر الركاب بالقرى والبلدات الصغيرة التي لم تشهد بعد نفس مستوى التقدم الاقتصادي الواضح في المدن الكبرى. والأكثر إثارة للقلق، أن بعض هذه الأماكن تظللها، حرفياً، ناطحات سحاب غير مكتملة كانت قيد الإنشاء قبل الجائحة، لكنها تُركت لتتداعى عندما تعثر سوق العقارات الصيني في العام 2021.
رهانات القمة
في أي قمة بين ترامب وشي، يتعين على الزعيمين البدء في تصور سبل لا تكون فيها تطلعات الصين متعارضة بالضرورة مع احتياجات الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن الصين والولايات المتحدة قوتان اقتصاديتان متكافئتان، إلا أن عدد سكان الصين يفوق عدد سكان الولايات المتحدة بأربعة أضعاف، بينما لا يتجاوز نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فيها خُمس نظيره في الولايات المتحدة. بعبارة أخرى، ما تزال الصين بحاجة إلى مساحة للنمو الاقتصادي بما يلبي تطلعات شعبها. إن محاولات الدول الأخرى كبح هذا النمو محكوم عليها بالفشل، ومن شأنها أن تولد مشاعر استياء طويلة الأمد لدى الصينيين. في الواقع، يكمن الحل في قوانين تجارية مستقرة، وأسواق مالية مفتوحة، وتبادل تكنولوجي لا يُقيد إلا بمتطلبات الأمن القومي الواضحة والقابلة للإثبات. وما تزال الشركات الأميركية وغيرها من الشركات الأجنبية قادرة على تقديم أمور كثيرة في الصين إذا ما أُتيحت لها فرصة المنافسة على قدم المساواة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
ويتعين على كل من الطرفين أيضاً إيجاد سبيل لفهم وجهة نظر الآخر بشأن تايوان، التي تعد نقطة التوتر الأكبر في العلاقات. فالغالبية العظمى من الصينيين تعتقد أن تايوان جزء من الصين تحرمها الولايات المتحدة، بشكل غير عادل ولكن بإصرار، من العودة إلى وطنها الأم. ولا يغير من الأمر أن هذا الانطباع قد تشكل، جزئياً على الأقل، بفعل الدعاية المتواصلة والمكثفة من الحزب الشيوعي الصيني. فما لم يتفق القادة الصينيون والأميركيون على أن الوضع الراهن في مضيق تايوان هو أفضل ما يمكن تحقيقه حالياً، وأن الاستقلال أو الضم بالقوة ليسا خيارين مطروحين (إلا في حالة نشوب حرب بين القوى العظمى)، فإن خطر المواجهة بشأن مستقبل تايوان سيظل مرتفعاً للغاية.
بينما يتعامل ترامب وشي مع هذه القضايا المصيرية، يبدو أن أسلوبيهما في القيادة غير متوافقين. فترامب مندفع ومتقلب بشكل متزايد في تحديد أهدافه العامة. أما شي، فعلى الرغم من كونه استراتيجياً بارعاً وأقوى زعيم صيني منذ دينغ شياو بينغ، فإنه لا يخرج كثيراً عن المسار المخطط له ويبدو عاجزاً عن إجراء مناشدات ومساعٍ خاصة وعفوية للتوصل إلى ترتيبات قد تشكل جزءاً من إعادة هيكلة العلاقات الأميركية الصينية. وإذا كان لأحداث العام 1914 أن تعلمنا شيئاً، فهو أن القوى العظمى تحتاج على الأقل إلى بضعة أسباب واضحة للتراجع عن حافة الهاوية. وسيتطلب إيجاد هذه الأسباب أكثر مما كان أي من الرجلين على استعداد لتقديمه حتى الآن.
 
Image1_42026172165139370694.jpg
 
الرئيسان الصيني شي جينبينغ والأميركي دونالد ترامب في مدينة بوسان، كوريا الجنوبية، تشرين الأول (أكتوبر) 2025 - (المصدر) 
 
 
 
*أود آرن ويستاد: أستاذ كرسي إيليهو للتاريخ والشؤون الدولية في جامعة ييل. هذا المقال مقتبس من كتابه المرتقب "العاصفة القادمة: القوة والصراع ودروس تحذيرية من التاريخ" The Coming Storm: Power, Conflict, and Warnings From History (عن منشورات هنري بولت، بي بي سي بوكس). المقال مترجم عن "فورين أفيرز"، حيث نشر في 25 آذار (مارس) 2026.