الغد
في زمن سابق، كان الاتهام بالانتحال كافيا لإسقاط الكاتب مهنيا وأخلاقيا. كانت السرقة الأدبية فعلا مكشوفا يمكن تتبع أثره بمقارنة النصوص، وبالتالي إدانته بوضوح، فقد كان الوعي العام يرفض أن ينسب القول إلى غير قائله، أو أن يبنى المجد الشخصي على جهد الآخرين.
لكن ما نواجهه اليوم ليس امتدادا بسيطا لذلك السلوك، بل تحولا نوعيا في طبيعة الانتحال نفسه، فالأمر لم يعد سرقة نص بعينه، بل استدعاء آلة كاملة لتكتب بدلا عنا، ثم توقيع النص باسمنا، وكأنما نحن من عايش الفكرة ومر بتجربتها، وصولا إلى الصياغة النهائية لها، ليتحول الانتحال من فعل جزئي إلى بنية كاملة من «التمثيل» والادعاء.
بتنا نقرأ نصوصا مصقولة بسلاسة وسلامة لغوية وتماسك شكلي، لكنها باردة من الداخل، وخاوية من التجربة. إنها نصوص تعرف كيف تتم الكتابة، لكنها لا تدرك كنه الكتابة نفسه، وهو فارق يمثل جوهر المسألة كلها. مسألة الجودة لم تعد هي ما تحدد طبيعة النص، وإنما التجربة التي تصبغ الكتابة بلونها الإنساني، بدلا من أن تكون مجرد تركيبات لغوية ذكية، مرت عبر عملية إلكترونية قادرة على استدعاء أساليب كتابية إبداعية لا تمت إلى الكاتب المنتحل بأي صلة.
إن ما يدفع كثيرين إلى هذا الخيار، هو السرعة والقدرة على الإنتاج، وإغراء الجمهور المستمر، فسؤال العمق لم يعد مطروحا في عصر هيمنة المنصات. لكن هذا لا يكفي لتفسير الأمر، فالمسألة أعمق من مجرد كسل أو استعجال، فنحن أمام تحول جذري في مفهوم الكتابة نفسه، فالكتابة، في نظر كثيرين، لم تعد فعلا وجوديا، ولا محاولة لفهم العالم، ولا حتى تعبيرا عن الذات، وإنما تحولت إلى «محتوى» للاستهلاك، ويقاس أثره بالتفاعل لا بالتأثير، ليصبح من الطبيعي أن تستبدل الذات بالأداة، وأن يستبدل الجهد الإنساني بالقدرة التقنية.
تلك النصوص، في ظاهرها منظمة وواضحة، وأحيانا ذكية في ترتيب الأفكار. لكنها، في عمقها، تعمل على تدوير الأفكار، وتعيد إنتاج المعروف، وتقدم معرفة بلا معاناة، وفهما بلا تجربة. إنها معرفة بلا كلفة، ولذلك هي بلا أثر حقيقي.
الكتابة الحقيقية لا تقاس بصحة الجملة، بل بصدقها، ولا تقاس بترابط الأفكار، بل بقدرتها على كشف ما لم يكن واضحا من قبل. والكاتب ليس من يكتب بشكل جيد فحسب، بل من يرى ما لا يُرى، ثم يجد اللغة التي تجعله قابلا للرؤية. أما الآلة، فهي قادرة على إعادة ترتيب ما هو موجود، لكنها عاجزة عن إنتاج تجربة، أو معايشة معنى. لهذا، يبدو الفرق بين الكتابة البشرية والكتابة الاصطناعية متجاوزا للغة نحو الوجود نفسه.
الكتابة البشرية تنطوي على تردد وشك، وفيها انقطاع، وتعثر، وقفزات غير متوقعة، لكنها في النهاية تشبه صاحبها، وتدل عليه، وتشتمل على أخطاء أحيانا، لكنها أخطاء كاشفة تحمل بصمة صاحبها. أما الكتابة الاصطناعية، فهي ملساء أكثر مما ينبغي، ومتوازنة إلى حد مريب، وخالية من التوتر الحقيقي الذي يجلبه الارتباك، وهذا تحديدا ما يفضحها.
الكتابة، على ما يبدو، لن تعود إلى زمن ما قبل التقنية، كما لم تعد أي ممارسة إنسانية إلى ما كانت عليها قبل التحولات الكبرى. الذكاء الاصطناعي سيبقى وسيتطور، وسيتداخل مع الكتابة بطرق أكثر تعقيدا. لكن المعضلة ليست في وجوده، بل في موقعه، فهل هو أداة تعين الكاتب، أم بديل عنه، وهل نلجأ إليه لتوسيع أفق التفكير، أم لاستبدال التفكير نفسه؟
الخطر يكمن في أن يتخلى الإنسان عن مسؤوليته في الكتابة، لتصبح الكتابة فعلا بلا صاحب، ونصا بلا ذات، وصوتا بلا تجربة. نحن نحتاج إلى إعادة تعريف الكتابة بوصفها موقفا من العالم. أن تكتب، يعني أن تتحمل مسؤولية ما تقول، وأن تدفع كلفة الفكرة، وأن تكون حاضرا في نصك، بكل ما فيك من نقص وتردد وأسئلة.