أين أيمن الصفدي؟*د. رشا سلامة
الغد
لم يلمع نجم وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي في خضم التوترات المرتبطة بالحرب الإيرانية الأميركية، مؤخرا، ما يبعث على الاستغراب لدى من تابع أداء الرجل لسنوات، ومن عرفه عن قرب في مرحلة سابقة من الحياة المهنية؛ ذلك أنه كان يقتنص اللحظة السياسية بعبارات دقيقة ومكثفة، ويصوغ مواقفه بوضوح لا لبس فيه، لكنه بدا هذه المرة أكثر ميلاً إلى الحذر، وكأن الصمت المدروس حلّ مكان التصريحات اللافتة.
بالنسبة لي، لا يمكن قراءة مشهد الصفدي دون استحضار صورته الأولى، حين كان رئيس تحرير جريدة الغد. يومها كنت لا أزال مستجدة في مهنة الصحافة، أحمل موادي إليه بشيء من الارتباك وكثير من الطموح، فيستقبلها بقلمه الأحمر الذي لا يرحم. كان يشطب بلا تردد، يختصر بلا مجاملة، وأحياناً يُنهي المادة قبل أن يكمل قراءتها. لم أفهم حينها أن ما كان يفعله لم يكن قسوة، بل تدريباً صارماً على جوهر الكتابة: أن تقول أقل لتعني أكثر، وأن كل كلمة لا ضرورة لها هي عبء على النص.
هذه الصرامة المهنية هي ذاتها التي صنعت لاحقاً حضور الصفدي السياسي؛ ذلك أنه لم يغادر الصحافة حين دخل الدبلوماسية، بل حملها معه إلى المنابر الدولية. لذا، بقي خطابه مشدوداً إلى الوضوح، محكوماً بالاقتصاد اللغوي، ومبنياً على فكرة مركزية لا تضيع بين الزخرفة. كان يعرف كيف يضع الجملة التي تلتقطها وسائل الإعلام، وكيف يزرع في حديثه كلمات مفتاحية قابلة للتداول، وهي مهارة لا تُكتسب في السياسة بقدر ما تُصقل في غرف التحرير.
ولعل هذا ما كنت أحاول نقله لطلبتي في الجامعة لاحقاً، حين كنت أكلفهم بتحليل خطاباته، بالعربية والإنجليزية على السواء، والبحث عن تلك المفاتيح الصغيرة التي تصنع الأثر الكبير. وكنت، في كل مرة، أقولها بكثير من الفخر الشخصي: أيمن الصفدي هو من دربني، حين كنت في الرابعة والعشرين من عمري.
لمع اسم الصفدي في دفاعه المتمكن عن القضية الفلسطينية، حيث كان خطابه يجمع بين الصلابة السياسية والدقة القانونية، وكان يقدم الرواية الأردنية بلغة يفهمها العالم. وفي أروقة الأمم المتحدة، وفي المؤتمرات الدولية، كان حضوره هادئاً وواثقاً، مباشراً دون انفعال، وقادراً على تحويل الموقف إلى رسالة مكتملة العناصر لغويا وإعلاميا، وحتى في أكثر اللحظات توتراً في الإقليم، كان يميل إلى خطاب يوازن بين المبدأ والواقعية، دون أن يفقد وضوحه.
قد يكون السياق نفسه تغيّر هذه المرة؛ فالحروب الكبرى لا تترك دائماً مساحة للخطابات الرنانة، بل تفرض إيقاعاً ثقيلاً تتقدم فيه الحسابات الدقيقة على البلاغة، ويصبح الصمت أحياناً جزءاً من الموقف. وربما لهذا تحديداً بدا حضوره أقل بريقاً، لا لأنه تراجع، بل لأنه اختار أن لا يبالغ في الظهور حين تكون الكلفة السياسية للكلمة أعلى من أي وقت مضى.
يبقى الصفدي في ذاكرتي ذلك المحرر الذي كان يؤمن أن حذف جملة قد يكون أبلغ من كتابتها. وربما، في هذا الصمت النسبي اليوم، ما يشبه درسه لي في الأمس.