الغد
عواصم - رغم كل ما عاناه أهل غزة على مدى عامين، وما أعقب اتفاق وقف النار في تشرين الأول (أكتوبر) 2025، من حرب إبادة للكيان المحتل ما تزال تمارس، لا تظهر غزة في خطاب مستشار الرئيس الأميركي وصهره جاريد كوشنير بوصفها أرضًا محتلة نزفت الكثير من الدماء، بل منطقة "متعثّرة اقتصاديًا"، تحتاج إلى إدارة جديدة ورأس مال جريء.
هكذا تُختزل واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في العالم إلى معادلة استثمارية باردة، تُسوَّق تحت شعار الإعمار، بينما تُخفى خلفها محاولة منظمة لإعادة تعريف القضية الفلسطينية خارج سياقها السياسي والحقوقي.
يأتي ذلك على وقع استمرار الاحتلال لحربه الدموية في غزة فقد استشهد أمس ثلاثة فلسطينيين بقصف استهدف شرق رفح.
وتعتمد مقاربة كوشنر على نزع الطابع التحرري عن غزة، وتحويلها من رمز للصمود والمقاومة إلى "مشروع تنموي"، في هذا الإطار، لا يُنظر إلى الدمار الناتج عن الحروب والحصار كجريمة احتلال، بل كفرصة لإعادة البناء وفق شروط جديدة، تُفرض من الخارج، وتخدم مصالح سياسية إقليمية ودولية.
هذا التحول الخطير وفق كتاب ومحللون سياسيون، يعني عمليًا نقل الصراع من كونه صراعًا على الأرض والحقوق، إلى نقاش حول الجدوى الاقتصادية والعوائد الاستثمارية.
طرح قديم
الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا أكد أن مقترح كوشنير طرحٌ غير جديد بالنسبة للفلسطينيين، فهذا الطرح يعيد إنتاج النمط الذي طُرح في منتصف تسعينيات القرن الماضي تحت مسمّى "سنغافورة الشرق الأوسط" و"ريفييرا"، والقائم على تسويق مشاريع أبراج وفنادق ومنتزهات بمعزل عن جوهر القضية.
وقال القرا إن "هذا الطرح مرتبط بمؤتمر دافوس، حيث يختزل قطاع غزة في بُعد اقتصادي بحت، وكأنه منطقة تعاني الفقر فقط، متجاهلًا وبشكل متعمد حقيقة أن ما دمّر غزة هو الاحتلال الإسرائيلي.
وأضاف أن هذه المقترحات الاقتصادية تُجرَّد بالكامل من بُعدها الجغرافي والسياسي، ما يعكس بوضوح تطابق الموقف الأميركي مع الرؤية الإسرائيلية، دون أي تحول حقيقي في المقاربة.
وتابع القرا أن هذه المحاولات تندرج ضمن مساعٍ إسرائيلية–أميركية مستمرة، تنبع من رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي تتعامل مع القضايا الدولية بمنطق اقتصادي بحت، كما يحدث في ملفات أخرى حول العالم، معتبرًا أن تطبيق هذا المنطق على غزة يتجاهل بعدها السياسي والإنساني والمجتمعي.
وشدد على أن فشل هذه الخطط متوقع، لأسبابٍ منها طبيعة قطاع غزة الجغرافية والديموغرافية، وغياب أي حلٍ سياسي فعلي، فضلا عن رفض الشعب الفلسطيني أي مشاريع تُفرض عليه وتُنفذ على حساب حقوقه الوطنية.
وأشار المحلل السياسي إلى خصوصية الحالة الفلسطينية، حيث يتشبث الغزّي بأرضه ووطنه رغم المجاعة والإبادة، ولا يمكن أن يقبل حلولًا بديلة تنتقص من حقه.
واعتبر القرا أن المدخل الصحيح لأي معالجة يبدأ أولًا بالاعتراف بأن ما يجري في غزة هو قضية سياسية أساسها الاحتلال الإسرائيلي، وثانيًا بأن أي عملية إعادة إعمار يجب أن تُنفذ بأيدٍ فلسطينية قادرة على النهوض بالقطاع.
وأوضح أن غزة تحتاج إلى إعادة إعمار حقيقية لا إلى مشاريع اقتصادية ضخمة وأحلام استثمارية يصعب تطبيقها في ظل الواقع القائم.
نوايا خفية
بدوره، أكد الكاتب والباحث السياسي محمد القيق أن الحديث الأميركي–الإسرائيلي المتكرر عن إعمار غزة واليوم التالي لا يعكس نية حقيقية لإعادة الإعمار، بل يخفي خلفه ترتيبات مالية وسياسية تخدم الإدارة الأميركية ومصالحها.
وقال القيق إن ما يُسمّى بـ مشروع مجلس السلام لا يستهدف إعادة إعمار القطاع بقدر ما يسعى إلى تفكيك التواصل الجغرافي والسياسي للمنطقة العربية.
وأضاف أن الأخطر في هذا المجلس هو طابعه المالي الإقصائي، إذ تُقدَّر عضويته بمليار دولار، ومن أراد المشاركة في الإعمار عليه أن يدفع، في مشهد يعكس فتح حسابات مالية جديدة على حساب الفلسطينيين، تحت غطاء إنساني ودولي زائف.
وشدد على أن هذا المسار يعزز الهيمنة الأميركية، ويعمل على إبعاد المؤسسات الدولية الفاعلة، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، عن واجهة المشهد، إذ إن التبرعات ستُدار عبر القنوات الأميركية حصراً، ما يشكّل تهميشًا مباشرًا للشرعية الدولية.-(وكالات)