خط غزة الأصفر.. حيث ما تزال حرب إسرائيل تستعر
الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
شيماء عيد - (ديسكلاسيفايد يو. كيه) 29/12/2025
الفلسطينيون العالقون بسبب "الخط الأصفر" يتساءلون متى سيتمكنون من العودة إلى ديارهم
غزة - على الرغم من الإعلان عن انتهاء الحرب على قطاع غزة بموجب الاتفاق الموقّع في تشرين الأول (أكتوبر) 2025، ما يزال آلاف الفلسطينيين يعيشون في حالة نزوح قسري. وهم غير قادرين على العودة إلى منازلهم أو أراضيهم التي أصبحت تقع الآن خلف ما يُعرف بـ"الخط الأصفر".
هذا الخط، الذي ابتلع أكثر من نصف مساحة قطاع غزة، أصبح رمزًا لمرحلة جديدة من الحرب، مرحلة تتواصل بصمت بعيدًا عن عدسات الكاميرات.
وفي الأثناء، يُفترض أن قوات بريطانية تقوم بمراقبة وقف إطلاق النار من "مركز تنسيق" يقع داخل إسرائيل، من دون أن تصدر عنها أي تصريحات علنية بشأن الانتهاكات المتكررة للهدنة التي يرتكبها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
بل إن أحد التقارير ذهب إلى حدّ الإشارة إلى احتمال تورّط عسكريين بريطانيين في تصميم مخطط إسكان داخل نطاق "الخط الأصفر"، والذي لا يُسمح بالإقامة فيه إلا لغزيّين "خضعوا للتدقيق" وفق معايير محددة.
منطقة محظورة خلف اتفاق هشّ
يُستخدم مصطلح "الخط الأصفر" للإشارة إلى الحدود التي انسحبت إليها القوات الإسرائيلية عقب اتفاق وقف إطلا النار. لكنّ هذا الانسحاب لم يُترجم، بالنسبة لكثير من الفلسطينيين، إلى حالة من الهدوء. وما يزال يُحظر عليهم دخول المناطق السكنية والزراعية الواقعة خلف الخط، حيث تواصل القوات الإسرائيلية عملياتها، وتُصنّف تلك المناطق على أنها "مناطق قتال خطِرة".
في المواصي، جنوب غزة، يعيش الحاج أبو عماد، كما يفضل أن يُنادى والبالغ من العمر 55 عامًا، في خيمة مع أسرته بعد أن هجّرتهم القوات الإسرائيلية من منزلهم في مخيم جباليا، الواقع خلف "الخط الأصفر".
وبصوت يفيض بالحزن، يقول الحاج أبو عماد: "إننا لا نشعر بأن الحرب قد انتهت. لم يسمحوا لنا بالعودة إلى مناطقنا ولا حتى بتفقّد بيوتنا. ما نزال نعيش حربًا أخرى هي حرب النزوح والمعاناة، خصوصًا مع قدوم الشتاء".
ويضيف أن عائلته تنتظر بدء المرحلة الثانية من الاتفاق، على أمل أن يُسمح لهم بالعودة إلى أنقاض منزلهم ونصب خيمة فوقها. ويقول: "نحن غرباء هنا.. الحياة قاسية، ومع كل يوم يمرّ نشعر أكثر فأكثر بأننا عالقون في وضع بلا أفق".
على الرغم من أن "الخط" كان في الأصل ترسيمًا افتراضيًا، عمد الجيش الإسرائيلي إلى وضع كتل إسمنتية صفراء كبيرة لتحديده على الأرض، وهو ما يجعل عبوره بالنسبة للفلسطينيين أمرًا شبه مستحيل من دون التعرّض لخطر الاستهداف المباشر.
انفجارات يومية وخداع
تعيش عائلة العبادلة معاناة مشابهة بعد أن أجبرت على النزوح من شرق خان يونس إلى غربها إثر وقوع منطقتها ضمن نطاق "الخط الأصفر". ويؤكد خالد العبادلة، وهو أب لطفلين يبلغ من العمر 41 عامًا، أن ما يسمعه كل ليلة يتناقض تمامًا مع الادعاءات الإسرائيلية بانتهاء الحرب.
ويقول خالد: "إسرائيل تخدع العالم. كل يوم نسمع انفجارات ودويًا في منطقة شرق خان يونس، وتصل أصداؤها إلينا. في بعض الليالي لا نعرف طعم النوم بسبب تلك الأصوات".
ويشير إلى أن عددًا من الأشخاص قُتلوا في المنطقة خلال الأسابيع الماضية نتيجة الاقتراب من "الخط" أو محاولة العودة إلى منازلهم.
حياة ليلية تُشبه حظر التجوال
في شمال قطاع غزة، وعلى بُعد شارعين فقط من "الخط الأصفر" في مشروع بيت لاهيا، تعيش زينة كُلّاب، البالغة من العمر 28 عامًا، مع أسرتها في منزل متصدّع بالكاد يقيهم برد الشتاء. وتصف زينة الوضع فتقول: "بحلول الخامسة مساءً، لا يجرؤ أحد على مغادرة المنزل. الأمر يبدو كأنه حظر تجوال غير معلن".
وتتابع: "في الليل تحلّق طائرات مسيّرة رباعية المراوح فوق المنطقة، وتتواصل أصوات الانفجارات والضربات بلا انقطاع. نشعر بأن الحرب ما تزال مستمرة، ولكن لا خيارات أخرى لدينا.. عدنا إلى بيتنا على الرغم من خطورة ذلك لأنه المكان الوحيد الذي يمكن أن نأوي إليه".
يمتد "الخط الأصفر" من شمال غزة مرورًا بالمنطقة الوسطى، وصولًا إلى أطراف رفح، مُطوّقًا مناطق مكتظّة بالسكان. وخلف هذا الخط، ينتشر الجيش الإسرائيلي في مناطق تشمل أحياء الشجاعية والتفاح والزيتون شرق مدينة غزة، وكذلك بيت لاهيا وبيت حانون في الشمال، ومحيط رفح وشرق خان يونس في الجنوب.
في مراكز الإيواء: مرض وبرد وتوتّر
في أحد مراكز الإيواء غرب دير البلح، يعاني محمد أبو شمالة (69 عامًا)، النازح من رفح، من ظروف صحية قاسية. وهو يشكو من سعال مزمن بسبب الاكتظاظ وسوء التهوية داخل القاعة التي يقيم فيها مع مئات غيره. وبصوت مُتعب يقول: "منذ أن انتهت الحرب وأنا أنتظر العودة إلى رفح. لم أعد أحتمل هذه الأوضاع… الطقس بارد، والأمراض تنتشر، والازدحام خانق".
ويشير محمد إلى أن الأخبار التي يسمعها يوميًا لا تزيده إلا قلقًا: "كل يوم نسمع عن خطط جديدة لدى الاحتلال.. مرة يقولون إنهم سيحوّلون رفح إلى مدينة إنسانية، ومرة أخرى يتحدثون عن نقل كل سكان غزة إليها. نحن لا نعرف ما الذي ينتظرنا".
*شيماء عيد Shaimaa Eid: صحفية فلسطينية من غزة، متخصصة في الصحافة الإنسانية والأخبار، وتركّز في عملها على إيصال أصوات السكان المحليين وتوثيق الحياة تحت الاحتلال. وهي مساهمة في موقعي "الانتفاضة الإلكترونية" و"ذا بالستاين كرونيكل".
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Gaza’s Yellow Line: Where Israel’s War Rages On