الدستور
لم تكن روسيا كتفا يتكئ عليه أحد حين تشتد العاصفة وتتكالب الخطب. روسيا فكرة عن القوة، لا ممارسة وفاء. صورة دب ضخم، أكثر مما هي يد ممدودة. ومن يخلط بين الضخامة والضمانة، يدفع الثمن متأخرا، غالبا وحيدا ومهزوما.
من يتتبع مسار موسكو مع من سُموا حلفاءها، يكتشف نمطا ثابتا لا يخطئه البصر. أنظمة تستند إلى روسيا في خطابها، ترفع صور بوتين وتسميه «أبو علي» كما فعل أنصار حزب الله في لبنان. تلك الأنظمة تشتري السلاح الروسي، وتردد معزوفة التعددية القطبية، ثم حين تحين ساعة المواجهة، لا تجد إلا بيانات قلق، ودعوات ضبط نفس، وربما طائرة تقل الزعيم الهارب إلى موسكو، إن كان محظوظا.
في سوريا، لم تسقط الدولة فجأة، بل تآكلت ببطء، وروسيا كانت هناك. قصفت، ودعمت، ووفرت غطاء جويا، لكنها لم تُصلح دولة، ولم تبنِ نظاما قابلا للحياة. وحين انتهت الصلاحية، لم تقاتل بل اكتفت بإنقاذ بشار وأمواله. فالحليف يتحول إلى عبء، يُرمى بلا تردد.
في إيران، تكررت القصة بوجه آخر. شراكة إستراتيجية، تنسيق سياسي، مصالح مشتركة، لكن حين ضُربت المفاصل، واغتيلت العقول، وسُويت المنشآت بالارض، لم تتحرك منظومات الدفاع، ولم تُفتح المخازن، ولم تُكشف السماء. روسيا شاهدت، وعلقت، وربما ساومت في مكان آخر. الحليف هنا ورقة، لا عقد دم.
مع فنزويلا، كان المشهد فاضحا أكثر. كل شيء كان حاضرا: السلاح، المستشارون، الخطاب الناري. ومع ذلك، حين دخلت القوة الأميركية، سقط رأس النظام كما تسقط ثمرة فاسدة. لا إنذار، لا حماية، ولا رد. فقط بيان إدانة خجول، ثم صمت ثقيل. روسيا التي باعت السلاح، عجزت عن تشغيله، أو لم تُرد.
المشكلة ليست في ضعف روسيا فقط الغارقة في المستنقع الأوكراني، بل في طبيعة نظرتها. موسكو لا ترى حلفاء، بل ساحات. لا تؤمن بالشراكة، بل بالمقايضة. اليوم معك، وغدا عليك، وبعد غد تستخدمك دليلا على وحشية خصمها. وحين تتغير الأولويات، خصوصا إذا تعلق الأمر بأمنها تصبح كل التحالفات هامشية، قابلة للتضحية.
روسيا لا تخذل من خالفها فقط، بل تخذل من وثق بها أكثر مما ينبغي. تخذل من ظن أن العداء المشترك يصنع مصيرا مشتركا. تخذل من لم يفهم أن الكرملين لا يحارب لأجل أحد، بل لأجل صورته، ونفوذه، ومقعده على الطاولة.
هذا ليس تحريضا، بل تحذير. التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يكرر منطقه. ومن لا يتعلم من مصير غيره، يصبح عبرة مكتوبة بلغة أخرى. فالسؤال ليس: هل روسيا قوية؟ إنما: هل روسيا وفية؟ والإجابة، لمن أراد أن يرى، مكتوبة بوضوح، على أنقاض حلفائها.