الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
جيريمي شابيرو* - (فورين أفيرز) 12/1/2026
ما يلي هو عملٌ من ضرب الخيال الاستشرافي فحسب. وأي تشابه مع أحداث مستقبلية فعلية سيكون محض مصادفة. وهو يعرض سيناريو محتملًا، لكنه بالتأكيد ليس حتميًا. ويُقدَّم على أساس أمل متواضع بأن يُلهم الجهود الرامية إلى منع المآل الكارثي الموصوف هنا.
إنه كانون الثاني (يناير) 2028. وبالنظر إلى الوراء، لم "يأخذ" الأميركيون غرينلاند -ليس بأي معنى ملموس. لم يحدث غزو، ولم يتم شراء، ولم يتم إجراء حتى استفتاء شعبي. لكن واشنطن تحركت عمدًا في الممرات المعتمة لسياسات القطب الشمالي بقصد إرباك خصومها. وتسامت "أمركة" غرينلاند منطق القوة الإمبراطورية الغاشمة على النمط الروسي.
قبل ذلك بعامين، في أعقاب الإطاحة العسكرية الاستعراضية التي نفّذها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بحق زعيم فنزويلا، نيكولاس مادورو -وإصرار ترامب على أنه ينوي السيطرة على غرينلاند تالياً- هرع محللو السياسة الخارجية لمحاولة تخيّل الكيفية التي يمكنه بها الاستيلاء على الجزيرة. هل سيجبر الدنمارك على بيع إقليمها شبه المستقل؟ أم أنه سيرسل القوات، في هجوم فعلي على حليف في حلف شمال الأطلسي (الناتو)؟ لكن ترامب لم يحتج إلى أي من ذلك. وبدلًا منه، ابتكرت إدارته شكلًا جديدًا من الإمبريالية في القرن الحادي والعشرين، والذي لا تُفرض فيه السيادة على الأراضي بالقوة بقدر ما تُفرض بالوظيفة؛ من خلال الاستثمارات، والمتعاقدين، والالتباسات القانونية. وفي العملية أعاد رهان ترامب على غرينلاند كتابة قواعد النظام الدولي، وخلق نموذجًا سرعان ما حذت حذوه بكين وموسكو وغيرهما. وأُطلق على هذا النمط لاحقًا اسم "التناضح الجغرافي"، وما يلي قصة كيف حدث ذلك.
من التضليل إلى الحقيقة
كان ترامب قد طرح فكرة الاستحواذ على غرينلاند أول الأمر في ولايته الأولى. في العام 2019، قوبل الكشف عن أنه استفسر عن شراء الإقليم من الدنمارك بذهول عالمي وبردٍّ مقتضب من الحكومتين الدنماركية والغرينلاندية: "غرينلاند ليست للبيع". ولم يأخذ كثيرون في بروكسل أو كوبنهاغن أو عاصمة غرينلاند، نوك، التهديد على محمل الجد. ففي نهاية المطاف، اعتاد ترامب إطلاق تصريحات صاخبة ومبالغ فيها.
لكنّ مراقبين متمرّسين لترامب أشاروا إلى أن فكرة الاستحواذ على الأراضي احتلت منذ زمن مكانة خاصة في رؤيته للعالم. وقد لفتت غرينلاند انتباه ترامب بوصفها "صفقة عقارية ضخمة في الأساس"، على حد تعبيره، وهو إنجاز يلاحظ الصحفيان، بيتر بايكر وسوزان غلاسر، في كتاب صدر في العام 2022 أنه "قد يمنحه مكانة في التاريخ الأميركي على غرار شراء ويليام سيوارد ولاية ألاسكا من روسيا".
وفي مطلع ولايته الثانية، أعاد ترامب إحياء المقترح ومنحه مسوغًا جيوسياسيًا. واستندت حجته بأن على الولايات المتحدة السيطرة على غرينلاند إلى ثلاثة أسس: سوف يساعد ذلك البلاد على تأمين الموارد الحيوية، حيث يُقدَّر أن الجزيرة تمتلك احتياطيات هائلة من النفط والغاز، فضلًا عن مخزونات من المعادن الأرضية النادرة مثل الكوبالت والغرافيت والليثيوم؛ وسوف يُوسّع مدى الانتشار العسكري الأميركي في القطب الشمالي؛ وسوف يحدّ من النفوذ الصيني والروسي في إقليم محوري للأمن القومي الأميركي.
ولكن، عندما عرضت رئيسة الوزراء الدنماركية، مِتّه فريدريكسن، أن تمنح الرئيس الأميركي كل ما يريد تقريبًا -باستثناء السيادة- لتحقيق تلك الأهداف، رفض ترامب ببساطة. واتضح أنه لم يكن مهتمًا فعلًا بأمن القطب الشمالي. كانت غرينلاند قد أصبحت الأولى بين سلسلة من الطموحات الإقليمية الترامبية التي شملت كندا، وقناة بنما، وحتى قطاع غزة الفلسطيني -وهي استحواذات بدا أنه يعتقد أنها قد تضمن له مكانة على جبل راشمور.(2)
وكما كان الحال مرارًا مع ترامب، كان من الصعب الفصل بين التضليل والحقيقة. ولكن سرعان ما تبيّن أن غرينلاند هي هدفٌ حقيقي. ومع فريق أكثر ولاءً في ولايته الثانية مستعدّ لتنفيذ نزواته، وكونغرس خانع، تمكّنت إدارته من وضع خطة من أجل جعل رغبته واقعًا.
الاستيعاب والسيطرة
في غرينلاند، استعار فريق ترامب بعض عناصر نموذج فنزويلا: على سبيل المثال، وجّهت الإدارةُ وكالاتِ التجسس الأميركية إلى تكثيف جهودها لتحديد أشخاص في غرينلاند والدنمارك يمكنهم دعم أهدافها المتعلقة بالجزيرة، تمامًا كما اعتمدت على "وكالة الاستخبارات المركزية" للمساعدة في الإطاحة بمادورو. لكن أعوان ترامب خلصوا سريعًا إلى أن أفضل طريقة للسيطرة على غرينلاند ليست اتباع نموذج فنزويلا ولا شراء الجزيرة. في النهاية، مهما كان نجاحه الآني، لن يؤدي أي عمل عسكري علني ضد حليف في (الناتو) سوى إلى استدعاء معارضة محلية وعالمية، ويحدّ من قدرة الولايات المتحدة على فرض السيادة على الجزيرة. بدلًا من ذلك، سوف يكونون قادرين على السيطرة عليها من خلال استغلال ذكي لتبعياتها في سلاسل الإمداد.
كانت الإدارة تدرك أن غرينلاند هشة اقتصاديًا وسياسيًا. بعدد سكان لا يتجاوز 56 ألف نسمة، كان عدد سكانها أقل من فنزويلا بنحو 500 مرة. بل إن حي "إيست فيليج" في مانهاتن كان يضم عددًا أكبر من السكان. وبوجود الجزيرة على رقعة جليدية يغلب عليها عدم القابلية للسكن تعادل ربع مساحة البرّ الرئيسي للولايات المتحدة، كان السكان متفرقين، وكانت البنية التحتية متقطعة. وبوجود 93 ميلًا فقط من الطرق، لم يكن بوسع كثير من المجتمعات الغرينلاندية الوصول إلى غيرها إلا بالقوارب أو الطائرات الصغيرة أو الدراجات الثلجية أو الزلاجات التي تجرّها الكلاب، وكان أقل من 70 في المائة من السكان يستخدمون الإنترنت. ولذلك، لطالما أعرب الغرينلنديون عن استيائهم من الحكم الدنماركي واتهموا الحكومة الدنماركية بإبقائهم فقراء وفي موقع الاعتمادية. كما أن حكومة الجزيرة شبه المستقلة، وسيادتها المحدودة على الميزانية، وحركة الاستقلال الكامنة -حيث كانت معظم الأحزاب السياسية الغرينلاندية تريد للإقليم، ظاهريًا، أن ينال استقلالًا كاملًا- جعلتها شديدة القابلية للتأثر بالنفوذ الخارجي. وإذا ما أُضيف إلى ذلك ضعف البنية المؤسسية وغياب الثروة المحلية، تَشكَّل في الجزيرة مختبرٌ مثالي لما سمّاه مسؤولو ترامب آنذاك "الاصطفاف المُحفَّز"، المواءمة السياسية القائمة على دوافع مصلحية.
بدأت خلية تخطيط في البيت الأبيض بصياغة ما أُطلق عليه تلطيفًا "مبادرة إعادة المواءمة الاستراتيجية الشمالية". وبالاستناد إلى معلومات من وكالات التجسس الأميركية، أعلنت إدارة ترامب في أيار (مايو) 2026 عن "مبادرة تطوير استراتيجية" لغرينلاند بقيمة 10 مليارات دولار، في ما يبدو أنه لتحديث البنية التحتية وتعزيز استغلال الموارد الطبيعية للجزيرة.
وتحركت واشنطن عبر وسطاء. في صيف العام 2026، نزل على غرينلاند طيفٌ متشابك من اتحادات التنمية، وفرق الاستجابة للكوارث، والمنظمات غير الحكومية، والاستشاريين، ومنتديات طاقة القطب الشمالي -وكان معظم هؤلاء يتباهون بروابط فضفاضة مع متبرعين موالين لترامب أو بتمويل من الحكومة الأميركية. وكانت أنشطة هؤلاء "المهذبين" ذات طابع مدني في ظاهره: تركيب الإنترنت عريض النطاق؛ وتدريب المسؤولين المحليين؛ أو بناء الطرق والمطارات الصغيرة والمراكز الصحية. ولم يتم توجيه الاستثمارات لتكون على المستوى الوطني، وإنما على المستوى البلدي. وقد تلقت المجتمعات الساحلية إمدادات حيوية، وعقود إنشاء، ومنحًا للبنية التحتية الرقمية. وجاء المال من دون شروط سياسية صريحة، لكنه كان مصحوبًا بسلسلة من الاتفاقات الفنية ومذكرات التفاهم التي حوّلت الولاءات المحلية بهدوء وفرضت اعتمادية مالية على الجزيرة.
لم تنخدع غالبية الغرينلنديين بهذه الاندفاعة من المساعدات والاستثمار. في وقت مبكر من كانون الثاني (يناير) 2025، أظهر استطلاع رأي كلّفت بإجرائه صحف دنماركية وغرينلاندية معًا أن أكثر من 85 في المائة من سكان الجزيرة يعارضون ضم غرينلاند إلى الولايات المتحدة، ولم تتغير تلك النسب كثيرًا لاحقًا. كان الغرينلنديون يخشون تآكل ثقافتهم واستقلاليتهم، فضلًا عن الاضطرار إلى التعامل مع كابوس نظام الرعاية الصحية الأميركي. لكنّ بعض المسؤولين الحكوميين وقادة المجتمعات المحلية في غرينلاند، الذين طالما ضاقوا ذرعًا بنزعة كوبنهاغن الأبوية وقيود الميزانية، وجدوا أنفسهم منجذبين إلى هذه العروض الأميركية.
وهكذا، حدّدت الجهود الأميركية شروط المرحلة السياسية التالية لغرينلاند. فقد موّلت الولايات المتحدة وسائل إعلام محلية، وقدّمت زمالات لقادة سياسيين ناشئين، وروّجت واشنطن إطارًا لهوية غرينلاندية في مواجهة "الاستعمار" الدنماركي -ومتوافقة مع الرعاية الأميركية. وفي نهاية المطاف، لم يكن الأميركيون في حاجة إلى موافقة السكان. كان كل ما احتاجوه هو بضعة متعاونين في مناخ يسوده شعور عام بالإرهاق والتشاؤم من السياسة المعتادة -وهو موقف يتقن فريق ترامب زرعه.
الولاء يتبع الوظيفة
لذلك، لم تكن حملة السيادة حملة إقناع وإنما كانت حملة التفاف وامتصاص. فقد أدرك مستشارو ترامب أن الآليات الديمقراطية في غرينلاند يمكن إعادة توجيهها عبر تفتيت النخبة، وتعميق الاعتمادية الاقتصادية، وخلق حاجة إلى إدارة طوارئ. وبدأت طرق إعادة الإمداد الدنماركية تواجه تأخيرات مع توقيف السفن وتفتيشها في البحر. وأدّى نقص الوقود، واختناقات إمدادات الأدوية، و"سوء تفاهمات" بيروقراطية ناجمة عن انقطاعات غير مفسَّرة للكهرباء والإنترنت، إلى دفع البلديات نحو الجهة الوحيدة التي كانت تعرض بديلًا: الأميركان.
كان نحو 150 عنصرًا من القوات الأميركية متمركزين مُسبقًا في "قاعدة بيتوفيك الفضائية" شمالي غرينلاند. لكنّ الجيش وسّع حضوره سريعًا بذريعة إنسانية. فتحولت مراكز اللوجستيات الطارئة إلى قواعد فعلية جديدة، وتولى متعاقدون أميركيون تدريب الأمن المحلي. وبحلول تشرين الأول (أكتوبر)، شكّل عدد من نواب غرينلاند كتلة برلمانية أطلقوا عليها "تكتل المستقبل السيادي"، في إشارة إلى انفتاحهم على "شراكات أمنية واقتصادية بديلة". ووصف أحد مستشاري ترامب ذلك بقوله: "إنه نموذج تايوان بالمقلوب: نبني الروابط العميقة أولًا، ثم تأتي مطالب السيادة لاحقًا".
بحلول مطلع العام 2027، كانت غرينلاند تعمل في منطقة رمادية للسيادة. من الناحية الشكلية، ظلّت جزءًا من المملكة الدنماركية، لكنها أصبحت، وظيفيًا، معتمدة على إدارة رئاسية أميركية لم تُكلّف نفسها حتى عناء محاولة كسب التأييد الشعبي الغرينلندي.
للانتقال من الاندماج الفعلي (بحكم الأمر الواقع) إلى السيادة القانونية (بحكم القانون)، صاغت وزارة العدل الأميركية إطارًا قانونيًا استند إلى سوابق تاريخية. بالاستناد إلى شراء الولايات المتحدة لجزر الهند الغربية الدنماركية في العام 1917 (التي تُعرف اليوم بالجزر العذراء الأميركية)، وبالاحتجاج بحق غرينلاند في تقرير المصير بموجب ميثاق الأمم المتحدة، صاغ محامو إدارة ترامب ما أطلقوا عليه "خطة انتقال السيادة".
تجنّب فريق ترامب إجراء استفتاء وطني لعلمه بأنه سيفشل. وبدلًا من ذلك، شجّعت الإدارة البرلمان الغرينلندي على تبنّي إعلان "استقلال أو حكم ذاتي مؤقت"، وعرضت اعتراف واشنطن بسيادة غرينلاند من حيث المبدأ. وكانت هذه عبارةً مشحونة بالإمكانات، وخالية من الالتزامات. وأدت رسالة دعم من مسؤولين غرينلنديين موالين للولايات المتحدة، وُقِّعت في تموز (يوليو) 2027، إلى إطلاق شرارة تنفيذ الخطة. ثم بدأت الولايات المتحدة رسميًا في نشر قوات أمن أميركية في نوك، مستخدمةً الرسالة المذكورة كذريعة للقول بأن هذه القوات جاءت باستدعاء من البرلمان الغرينلندي، على الرغم من عدم إجراء أي تصويت.
في تشرين الأول (أكتوبر) 2027، أعلن برلمان غرينلاند الحكم الذاتي المؤقت و"انتقالًا مرحليًا للسيادة". ورفعت الولايات المتحدة علمها فوق "مكاتب تنسيق مدنية-عسكرية" جديدة في نوك وثلاث من المدن التالية الأكبر في غرينلاند. وبدأت على الفور مفاوضات لمنح غرينلاند اتفاقيةَ ارتباطٍ حرّ، على غرار تلك التي تربط الولايات المتحدة بميكرونيزيا أو جزر مارشال.
الإعراب عن القلق البالغ
بطبيعة الحال، أثارت هذه الجهود عاصفةً سياسية في الدنمارك. أعلنت الحكومة الدنماركية خطةَ انتقال السيادة "عملًا عدائيًا"، وسحبت سفيرها من واشنطن. وندّد الاتحاد الأوروبي بها بوصفها انتهاكًا للقانون الدولي. ووصفها الرئيس الفرنسي بأنها "مفارقة استعمارية عفا عليها الزمن، مغلّفة بمسرحيات قومية". لكنّ الدنمارك لم تكن تمتلك نفوذًا عسكريًا أو اقتصاديًا يُذكر لتوظيفه. ولم يكن الاتحاد الأوروبي، المنشغل أكثر بإدارة جوانب أخرى من علاقته المتوترة مع الولايات المتحدة، مستعدًا للذهاب أبعد من مجرد "مراقبة الوضع".
في الأثناء، قامت قاذفات روسية بدوريات قرب المجال الجوي الغرينلندي. وأعلنت وسائل الإعلام الرسمية الصينية أن الولايات المتحدة هي "فاعل إمبريالي مارق"، في الوقت الذي كان فيه كثير من دبلوماسييها يدونون الملاحظات. لكن هذه التحركات لم تفعل سوى تعزيز حجة ترامب القائلة بضرورة سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند لحمايتها -وتعزيز الأمن القومي الأميركي.
قسّم رهان غرينلاند الرأيَ العام الأميركي: أشاد المحافظون من تيار "ماغا" بخطوة ترامب واعتبروها "ضربة استراتيجية بارعة"، فيما شبّهها منتقدون بضمّ روسيا لشبه جزيرة القرم، وحذّروا من أن مصداقية الولايات المتحدة العالمية قد تضررت ضررًا يتعذر إصلاحه. لكن آلة الدعاية التابعة للإدارة اندفعت إلى العمل، مطلِقةً حملة علاقات عامة بعنوان "الحدود المتجمّدة لأميركا"، وبثّت شبكة "فوكس نيوز" فقراتٍ مصحوبة بصور مولّدة بالذكاء الاصطناعي لأطفال غرينلنديين يلوّحون بالأعلام الأميركية. وأُعيد رسم الخرائط. وشهدت تجمّعات ترامب الانتخابية في ميشيغان وبنسلفانيا هتافات "فلنجعل غرينلاند عظيمة مرة أخرى". وأعلنت منظمة ترامب خططًا لتحويل الجزيرة إلى "أكبر وأجمل منتجع شتوي" في تاريخ البشرية، حيث التزلج بالمروحيات بين المضائق وفرص تخييم فاخر واسعة النطاق.
طعنت الدنمارك في تحركات الولايات المتحدة أمام "محكمة العدل الدولية"، لكن القضية علقت في "ليمبو" إجرائي، ورفضها وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، واصفًا إياها بأنها "هراء". وبقيت الأصوات الغرينلندية الأصلية منقسمة: على الرغم من أن بعض النخب رحّبت بالاستثمارات الأميركية، حذّر معظم السكان من تدهور بيئي قادم ومحو ثقافي وشيك. ولكن، لم يكن لأي من ذلك أثرٌ يُذكر. واصل المتعاقدون الأميركيون تقديم الخدمات. وأبرمت واشنطن اتفاقيةَ الارتباط مع نوك، وتولت كامل الصلاحيات المتعلقة بالدفاع والأمن في غرينلاند، وأكدت ادعاءً بأن غرينلاند تشكل "منطقة اقتصادية خاصة" للولايات المتحدة. وأعلن ترامب النصر.
البرودة تحت الجليد
بعد عقود، سيجري تدريس رهان غرينلاند بوصفه النموذجَ الأوّلي لشكل جديد من التوسع الدولتي؛ شكل يطمس الحدود بين الرضا والإكراه والاستسلام. وقد أظهرت إدارة ترامب أن الأرض لا تحتاج إلى أن تُنتزع إذا كان يمكن امتصاصها واستيعابها. وأكدت حقيقةً بسيطة من حقائق الجغرافيا السياسية في القرن الحادي والعشرين: في غياب مقاومة دولية متماسكة، لا تكاد المعايير تتمتع بأي حضور يُذكر؛ الوقائع على الأرض تكفي. وقد ربط المعلّقون مباشرةً بين مسعى فريق ترامب في غرينلاند وبين امتصاص روسيا اللاحق لجورجيا -وبالطبع استيلاء الصين على تايوان.
كما أعاد ذلك تعريف طبيعة النظام الدولي والسيادة. لم يعد الاعتماد المصنَّع يُعد شكلًا من أشكال الإمبريالية؛ وأصبح وسيلةً لبناء روابط "أخوية". ولم تعد الشعوب الأصلية هي التي تحدد السيادة؛ بل سلاسل الإمداد. وربما يكون الأبلغ دلالةً من كل ذلك هو أن ما كان غير قابل للتخيّل لم يعد مجرد ممكن؛ لقد أصبح منتجًا قابلًا للتسويق.
*جيريمي شابيرو Jeremy Shapiro: مدير الأبحاث في "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: How Greenland Falls
هامش:
(1) التناضح الجغرافي (Geo-Osmosis): يشير المفهوم إلى انتقال التأثيرات الثقافية، السياسية، الاقتصادية، أو الاجتماعية تدريجيًا عبر الحدود الجغرافية، بطريقة شبيهة بالتناضح في العلوم الطبيعية. ويُستخدم المصطلح لوصف كيفية امتصاص المجتمعات أو الدول لتأثيرات محيطها الجغرافي تدريجيًا ومن دون تدخل مباشر، سواء كان ذلك من خلال الأفكار والقيم أو النفوذ السياسي والاقتصادي، مع التركيز على الطبيعة التدريجية وغير المباشرة لهذا الانتقال.
(2) جبل راشمور Mount Rushmore: نصب تذكاري ضخم منحوت في صخور الجرانيت في جبال "بلاك هيلز" بولاية داكوتا الجنوبية في الولايات المتحدة. يتميز بوجود وجوه أربعة رؤساء أميركيين مشهورين منحوته فيه.
جورج واشنطن - أول رئيس للولايات المتحدة.
توماس جيفرسون - مؤسس أميركي وكاتب إعلان الاستقلال.
ثيودور روزفلت - رئيس معروف بإصلاحاته الاقتصادية وسياساته التقدمية.
أبراهام لنكولن - الرئيس الذي قاد البلاد خلال الحرب الأهلية وألغى العبودية.