عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    28-Apr-2026

حين عَبرَ «الشوام» إلى مصر... الهجرة التي صنعت فرقاً* حمزة عليان
الجريدة -
لم تكن هجرة «الشوام» إلى مصر بسبب الاضطهاد الديني فقط، بل طلباً للرخاء والاستقرار.
 
كانت مصر في عهد محمد علي باشا تعني قطعة من أوروبا، لذلك شهدت هجرات متنوعة، من أهمها هجرة «الشوام»، وغالبيتهم من الطائفة الأرثوذكسية المسيحية.
 
تجربة المهاجرين إلى مصر في عهد محمد علي وابنه الخديوي إسماعيل، من أنجح التجارب التي شهدها القرن التاسع عشر، حيث اندمجوا في البيئة المصرية وصاروا جزءاً رئيسياً منها، وفي دولة قوية عسكرياً وصناعياً وزراعياً، على عكس ما كانت تعيشه الدولة العثمانية.
 
أكثر من 100 ألف مهاجر من «الشوام» استقروا في مصر، ووصل عدد سكانها أواخر عهد محمد علي إلى نحو 4 ملايين نسمة.
 
وقد أكمل فارس يواكيم في كتابه الأخير «الأسراب الشامية في السماء المصرية»  ما بدأه الأستاذ في الجامعة اللبنانية، د. مسعود ظاهر، بدراسة ورصد ظاهرة هجرة الشوام إلى مصر.
 
هؤلاء أثروا الحياة الثقافية، وأنشأوا الصحف، وأسسوا المسرح الحديث، بجانب دورهم الاقتصادي منذ أواخر القرن الـ 19 حتى ستينيات القرن الماضي، واضمحلال «الوجود الشامي»، ومعظمهم كان من اللبنانيين، وصولاً إلى مرحلة التأميم في عهد عبدالناصر.
 
كما يختصر صاحب الإصدار الحكاية بقوله «الحاضنة المصرية كانت ضرورية، والمساهمة الشامية كانت إيجابية».
 
في هذا الإطار جاءت مذكرات الفنان عمر وصفي، واسمه الحقيقي عمر محمد القباني، الذي عمل مع فرقة «أبو خليل القباني»، وقد نشر مذكراته في مجلة الصباح المصرية عام 1931 على مدى 36 حلقة، بعنوان «سيرة الأجواق المسرحية العربية في القرن التاسع عشر».
 
ومن أطرف الحكايات ما رواه عن «رواية سيدنا يوسف» عليه السلام، والتي كادت مصر تذهب ضحية لها.
 
فقد احتضنت مدينة دمياط في حينها أكبر تجمّع لـ «الشوام»، وفيها أنشأوا جمعية خيرية أعضاؤها من الأغنياء والقناصل، وحدث أن طلبت الجمعية تمثيل «رواية يوسف الصديق» عليه السلام، إلّا أن علماء المسلمين ثاروا وغضبوا وطالبوا المحافظ بوقف التمثيلية.
 
لكن في ليلة العرض غصّت القاعة بالحضور، وفجأة حضر البوليس وصاح «ممنوع تمثيل الرواية»، وكان أول المحتجين على قرار المنع هم الممثلون أنفسهم، وتصادف أن عمر وصفي يقوم بدور يوسف الصديق عليه السلام، فوقف خطيباً وصارخاً، وحصل شجار وعراك، وراح القناصل يرسلون برقيات احتجاج إلى رؤسائهم طالبين إرسال البوارج الحربية خوفاً على حياتهم، وانتهت الحفلة بأن أرسل الحاكم الإنكليزي اللورد كرومر يطالب بالتحقيق مع المحافظ والمعاون اللذين هددا حريّة الأجانب في دمياط.
 
تلك كانت الصورة عن إحدى السمات البارزة للمجتمع المصري بانفتاحه وتوافد المهاجرين إليه، كما يكتب إيهاب الملاح في «بوابة الشروق» وأكثرهم تأثيراً، حيث بُثّت دماء جديدة في شرايين الثقافة والاقتصاد والمجتمع.
 
مشروع محمد علي باشا ببناء دولة حديثة جلب هؤلاء المهاجرين الذين أغنوا الحياة الثقافية والاقتصادية فيها، وهكذا كُتبت صفحات مضيئة في تاريخ مصر وعظمتها.
 
ويختم يواكيم كتابه قائلاً: «لولا احتضان مصر لكل من وفد إليها من الشوام وغيرهم، لما تمكّن هؤلاء من أداء الأدوار العظيمة التي قدموها في النهضة الثقافية الكبرى».