الغد
ماري ديجيفسكي* - (الإندبندنت) 2026/1/11
بعد يوم واحد من احتجاز ناقلة نفط ترفع العلم الروسي في المياه الدولية، ألغى ترامب العمل بعشرات الاتفاقات والمعاهدات الدولية، في خطوة تكشف استمرار نهج أميركي تاريخي يقوم على الأحادية وانتقائية الالتزام بالقانون الدولي، حيث ظل احترام واشنطن لهذه الاتفاقات استثناءً تحكمه موازين القوة لا القواعد، وهو سلوك بات يواجه تحديات متزايدة مع صعود قوى دولية منافسة.
استهلت الولايات المتحدة الأميركية العمل في بداية العام الجديد بالإعلان عن الانسحاب مما لا يقل عن 66 اتفاقاً وتكتلاً دولياً، أبرزها الاتفاق الأم لمعاهدة باريس للمناخ للعام 2015. وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن هذا القرار جاء بعد مراجعة شاملة استنتجت أن تلك الاتفاقات والمعاهدات تعمل بصورة تتعارض مع المصالح الوطنية للولايات المتحدة.
بالإضافة إلى اتفاق الأمم المتحدة الإطاري بشأن تغير المناخ، كانت المنظمات والاتفاقات الأخرى التي تأثرت بالقرار تضم اتفاقات ومنظمات عدة تعنى بقضايا إقليمية ومسائل التعليم والأمور الجندرية، بما في ذلك قضايا حماية النساء والأطفال، واتفاق قد يدفع بعضهم إلى الابتسام سخرية في ضوء الأحداث الأخيرة -اتفاق التعاون الإقليمي من أجل مكافحة القرصنة والسطو المسلح على السفن في آسيا.
أثار إعلان الانسحابات التي قالت الولايات المتحدة إنها ستتم في أقرب وقت ممكن، إدانات واسعة النطاق. فهذه الإجراءات لا تقتصر على إزالة التمثيل الأميركي في تلك الهيئات وحسب، بل تؤدي في كثير من الحالات إلى إزالة مصدر رئيسي لتمويل تلك المؤسسات، مما ينقل عبء الكلف إلى الدول الأخرى التي غالباً ما تكون أفقر بكثير، أو تصبح هذه الهيئات معرضة للتفكيك. أما ما ستوفره الولايات المتحدة الأميركية من المال مقارنة بفقدانها لتأثير "القوة الناعمة"، فهو مسألة أخرى.
وفي بعض الأوساط، يُنظر إلى هذا الانسحاب الأميركي الواسع من مساحات كبيرة من الدبلوماسية العالمية على أنه النظير الدولي لإدارة "كفاءة الحكومة" DOGE التي تم إسنادها إلى إيلون ماسك مطلع الولاية الثانية لدونالد ترامب. وفي أوساط أخرى، يعد هذا التوجه مكملاً لإجراءات أكثر دراماتيكية اتخذتها الولايات المتحدة، أو لوحت بها، مع مطلع العام الجديد، ومن بينها النقل القسري للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو إلى الولايات المتحدة، واحتجاز ناقلة نفط ترفع العلم الروسي وتصنف ضمن "أسطول الظل" الذي يلتف على العقوبات، بالإضافة إلى إعادة تأكيد طموحات واشنطن بشأن جزيرة غرينلاند.
مع ذلك، فإن اعتبار هذا الابتعاد الأميركي خلال عهد ترامب قطيعة تامة مع عقود من السياسة الأميركية سيكون استنتاجاً خاطئاً، إذ إن الانضمام إلى المنظمات والاتفاقات الدولية، ولا سيما الدخول النشط فيها، لم يكن يوماً ركناً أساسياً في الدبلوماسية الأميركية.
في الواقع، كان العمل الجماعي بالنسبة إلى الولايات المتحدة هو الاستثناء أكثر منه القاعدة. وحتى عندما كانت واشنطن توافق على المشاركة، فإنها كانت تفعل ذلك عموماً وفق شروطها الخاصة.
كما أظهر فيلم وثائقي تلفزيوني حديث، لم تنضم الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة عند تأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية إلا بعد قدر كبير من الإقناع، بل ما يشبه الرشوة السياسية في شكل منحها حق النقض (الفيتو). وهي واحدة من 191 دولة موقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية للعام 1968، غير أن هذا الالتزام لم يرتب عملياً أي أعباء على القوة الأميركية، بوصفها دولة نووية وعضواً دائماً في مجلس الأمن.
وتعد واشنطن أيضاً طرفاً في اتفاق حظر الأسلحة الكيماوية للعام 1993، لكنها لم تسمح في أي وقت بإجراء عمليات تفتيش مفاجئة على منشآتها، على خلاف ما هو إلزامي بالنسبة إلى دول أخرى. ويُذكر أن ملف التفتيش ذاته كان المدخل الذي جعل كلاً من العراق وإيران عرضة لتحركات دولية -أي أميركية، أو بقيادة الولايات المتحدة.
وينطبق منطق مشابه على "اتفاق قانون البحار" للعام 1982، حيث شاركت الولايات المتحدة في المفاوضات ووقعت الاتفاق، لكنها لم تصدق عليه قط. ويحد ذلك من قدرة دول أخرى، مثل روسيا، على اتهام واشنطن بانتهاك القانون الدولي عند مهاجمتها ناقلة نفط روسية، بما أن الولايات المتحدة لا تعتبر نفسها خاضعة عملياً لهذا القانون.
وبعبارة أخرى، وعلى الرغم مما قد يثيره السلوك الأحادي الفج لبعض التحركات الأميركية الأخيرة من دهشة، فإن الولايات المتحدة نادراً ما كانت "لاعب فريق" بالفطرة على الساحة الدولية. وإذا كانت معظم الدول تبدي قدراً من الإحساس بتفردها، ولا سيما تلك التي تتمتع بتاريخ طويل كدول قومية -ومن بينها بريطانيا- فإن "الاستثنائية الأميركية"، المدعومة بالقوة العسكرية ومكانة الدولار كعملة احتياطية عالمية، تذهب في الممارسة أبعد بكثير مما تستطيع غالبية الدول تحمله.
وتبقى "المحكمة الجنائية الدولية" نموذجاً صارخاً لذلك. لم تقترب الولايات المتحدة يوماً من الانضمام إلى المحكمة، واتخذت في أحيان كثيرة موقفاً تصادمياً منها، على الرغم من أنها لا تتردد في الاستشهاد بأحكامها حين يخدم ذلك مصالحها، بينما تمارس الضغط في الوقت ذاته لإخضاع أطراف أخرى لسلطتها.
كانت واشنطن أيضاً من أشد الداعمين لـ"المحكمة الخاصة" التي أنشئت لمحاكمة الرئيس الصربي الراحل سلوبودان ميلوشيفيتش. غير أن مساراً قضائياً مماثلاً لم يطرح يوماً للنظر، مثلاً، في الغزو الأميركي للعراق الذي تم تنفيذه من دون تفويض من الأمم المتحدة. ونتيجة لذلك، ينظر إلى "المحكمة الجنائية الدولية" خارج الغرب على أنها ليست مثالاً على "عدالة المنتصر" فحسب، بل على عدالة تدار باسم العالم الغني ضد بقية العالم.
خلاصة القول هي أن بعض تصرفات إدارة ترامب خلال الأسابيع الأخيرة قد تبدو أكثر جرأة ومجازفة من المعتاد، لكنها لا تمثل قطيعة كاملة مع نهج أميركي راسخ كثيراً ما تعامل مع الولايات المتحدة بوصفها "شرطي العالم"، من دون أن تكون ملزمة دائماً تطبيق القواعد على نفسها. في نهاية المطاف، كان الحكم الفعلي هو ميزان القوة.
لكن صعود الصين وتعاظم نفوذ دول مجموعة "بريكس" قد يكونان بداية لتغيير هذا الواقع، مما يعيد إلى الأذهان أحد محاور رئاسة بيل كلينتون. ففي وقت كان ينظر إليه على أنه ذروة القوة الاقتصادية الأميركية، أبدى كلينتون نزعة نادرة نحو التعددية، إذ رأى أن على الولايات المتحدة استخدام ما تملكه من قوة للإسهام في صياغة القواعد الدولية، تحسباً ليوم قد لا تبقى فيه الولايات المتحدة "القوة المهيمنة".
وقد يكتشف رؤساء أميركيون في المستقبل أن تلك الرؤية، مهما تكن النجاحات المحدودة التي تكون حققتها آنذاك، قد أصبحت طي النسيان إلى حد بعيد.
*ماري ديجيفسكي Mary Dejevsky: صحفية وكاتبة بريطانية بارزة، وكاتبة عمود في صحيفة "الإندبندنت" وعضو منتظم في "مجلس مراجعة الصحافة البريطانية". لها مساهمات في مؤسسات إعلامية عدة مثل "الغاديان" و"التايمز". عملت سابقًا مراسلة أجنبية لصحيفة "الإندبندنت" في موسكو وباريس وواشنطن، وكسبت بذلك خبرة واسعة في الشؤون الدولية، خصوصًا في السياسة الروسية والأوروبية والأميركية. عُرفت بتحليلاتها العميقة للعلاقات الدولية وبمواقفها النقدية تجاه السياسات الغربية، وهي أيضًا محاضِرة وكاتبة في قضايا السياسة الخارجية ووسائل الإعلام.