الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
جولييت ماكنتاير؛ وتامسين بايج - (ذا كونفرسيشن 6/1/2026
في تشرين الأول (أكتوبر) من العام الماضي؛ بلغت الأمم المتحدة عامها الثمانين. وهو عمر مهيب لأهم منظمة دولية عرفها العالم على الإطلاق.
لكنّ أحداث السنوات الأخيرة -من التحرك العسكري ترامبي الطابع في بدايات الشهر الحالي للقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو واختطافه، إلى الغزو الروسي غير القانوني لأوكرانيا في العام 2022، وصولًا إلى الكارثة الإنسانية المستمرة في غزة- تمثل كلها تحديات كبرى لمنظومة الأمم المتحدة.
اليوم، أصبح كثيرون يتساءلون عمّا إذا كان للأمم المتحدة أيُّ مستقبل من الأساس إذا كانت عاجزة عن الوفاء بوعدها الأول المتمثل في حفظ السلم والأمن الدوليين. فهل بلغت الأمم المتحدة نهاية عمرها الافتراضي؟
مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة
يشكل مجلس الأمن الجهاز الرئيسي في الأمم المتحدة الذي يضطلع بدور الحفاظ على السلم والأمن الدوليين. وبموجب القواعد التي أرساها "ميثاق الأمم المتحدة"، لا يكون العمل العسكري -أي استخدام القوة- مشروعا إلا إذا أُجيز بقرار صادر عن مجلس الأمن (وفق ما تنص عليه المادة 42 من الميثاق)، أو إذا كانت الدولة المعنية تمارس حقها في الدفاع عن النفس.
ويخضع حق الدفاع عن النفس نفسه لقواعد صارمة تشترط أن يكون ردًّا على هجوم مسلح (المادة 51). وحتى في هذه الحالة، يكون الدفاع عن النفس مشروعًا فقط إلى أن يتدخل مجلس الأمن لإعادة السلم والأمن الدوليين.
يتألف مجلس الأمن من 15 دولة عضوًا موزعة على النحو التالي:
• خمس دول دائمة العضوية (الصين، فرنسا، روسيا، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة- وتُعرف مجتمعة باسم "الدول الخمس الدائمة العضوية".
• عشر دول غير دائمة يتم انتخابها لفترات مدتها سنتان.
وتتطلب القرارات تسعة أصوات مؤيدة، وألّا يستخدم أي عضو دائم حق النقض (الفيتو)، وهو ما يمنح الدول الخمس دائمة العضوية سيطرة حاسمة على كل ما يتصل بالسلم والأمن الدوليين.
وكان هذا النظام قد أُنشئ صراحةً لمنع الأمم المتحدة من اتخاذ إجراءات ضد القوى الكبرى ("المنتصرين" في الحرب العالمية الثانية)، وكذلك لإتاحة المجال أمام هذه القوى لأن تشكّل توازنًا متبادلًا أمام طموحات بعضها بعضًا. لكنّ هذا النظام لن يعمل إلا عندما تلتزم الدول الخمس الدائمة بقواعده.
هل يمكن إصلاح نظام "الفيتو"
في الأمم المتحدة؟
كما أظهر الروس والأميركيون بوضوح في السنوات الأخيرة، يمكن لسلطة النقض (الفيتو) أن تجعل مجلس الأمن عديم الجدوى عمليًا، مهما كان خرق القانون الدولي فادحًا أو صارخًا. ولهذا السبب، يتعرض حق النقض في كثير من الأحيان لانتقادات قاسية.
كما أوضحت إحدانا سابقًا (تامسين بايج)، ربما يكون الاستخدام الأناني لحق النقض -بمعنى لجوء دولة عضو إلى "الفيتو" لخدمة مصالحها الخاصة- مرفوضًا سياسيًا، لكنه غير محظور قانونيًا. ولا يفرض "ميثاق الأمم المتحدة" أي قيود قابلة للإنفاذ على استخدام الفيتو.
لا توجد في الوقت الحالي أي إمكانية لإخضاع مجلس الأمن لرقابة قضائية. وهنا تكمن واحدة من أخطر وأعمق عيوب التصميم المتعمدة في نظام الأمم المتحدة، حيث يضع "الميثاق" الدول الخمس دائمة العضوية فوق القانون، مانحًا إياها سلطة تتجاوز القدرة على تعطيل العمل الجماعي لتذهب إلى تعطيل أي محاولة لإصلاح المنظمة.
وبذلك، يظل إصلاح حق النقض في مجلس الأمن قابلًا للتصوّر نظريًا -حيث تسمح بذلك المادتان 108 و109 من الميثاق- لكنه مستحيل عمليًا. ويبقى الخيار البنيوي الوحيد المتاح هو حلّ الأمم المتحدة وإعادة تأسيسها بموجب ميثاق جديد.
لكنّ هذا المسار يتطلب مستوى من التشاركية العالمية لا وجود له في الوقت الراهن. ومن المرجح أن تقوم دولة واحدة أو أكثر من الدول الخمس دائمة العضوية بعرقلة أي إصلاح أو إعادة تصميم يكون من شأنه أن يؤدي إلى فقدانها حق النقض.
حقيقة غير مريحة
بالبناء على ما سبق، يبدو أننا نشهد في الزمن الحقيقي انهيار نظام السلم والأمن الدوليين القائم الذي تقوده ة الأمم المتحدة. لا يستطيع مجلس الأمن، بحكم تصميمه، التدخل عندما تكون الدول الخمس دائمة العضوية نفسها -الصين، وفرنسا، وروسيا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة- هي الطرف المعتدي.
مع ذلك، ينطوي التركيز الحصري على مجلس الأمن على خطر إغفال جزء كبير مما تقوم به الأمم المتحدة فعليًا، يومًا بعد يوم، بعيدًا عن الأضواء.
على الرغم من شللها عندما يتعلق الأمر بصراعات القوى الكبرى، ليست الأمم المتحدة مؤسسة جوفاء. وعلى سبيل المثال، تدعم "الأمانة العامة" عمليات حفظ السلام والبعثات السياسية، وتُسهم في تنظيم المؤتمرات والمفاوضات الدولية.
ويراقب "مجلس حقوق الإنسان" الامتثال لمعايير حقوق الإنسان ويعدّ التقارير بشأنها. كما تنسّق الوكالات التابعة للأمم المتحدة جهود الإغاثة الإنسانية وتقدّم مساعدات منقذة للأرواح.
وتمتد آليات الأمم المتحدة لتشمل كل شيء، من الصحة وحقوق الإنسان إلى المناخ والتنمية، وتؤدي في كل ذلك وظائف لا تستطيع أي دولة منفردة الاضطلاع بها وحدها. ولا يتطلب أي من هذا العمل تدخل مجلس الأمن، لكنه يعتمد كله على البنية المؤسسية للأمم المتحدة التي يشكل مجلس الأمن جزءًا لا يتجزأ منها.
الحقيقة غير المريحة هي أننا نملك في الوقت الحاضر خيارًا واحدًا فعليًا: إما مؤسسة عالمية كثيرة العيوب؛ أو لا شيء على الإطلاق. وقد يكون مستقبل الأمم المتحدة ببساطة هو الصمود، والحفاظ على أي جزء منها ما يزال قادرًا على العمل، في انتظار تغيّر الظروف السياسية.
نحن لا ندعم الأمم المتحدة لأنها تعمل بشكل كامل -ولا حتى جيد. إننا نفعل لأن خسارتها ستكون أسوأ بكثير.
هل ينبغي أن نعمل من أجل نظام أفضل لا يكافئ الأقوياء بجعلهم فوق المساءلة؟ بالتأكيد. ولكن لا ينبغي لنا أن نلقي بكل الخير الذي تؤديه الأمم المتحدة -وغالبًا ما يتم تجاهله- خارج قاعة مجلس الأمن، بسبب النفاق الواضح والشرور الصريحة التي تتسم بها الدول الخمس دائمة العضوية.
*جولييت ماكنتاير Juliette McIntyre: محاضِرة أولى في القانون، جامعة أديلايد. تامسين فيليبا بايج Tamsin Phillipa Paige: أستاذة مشاركة في كلية الحقوق في ديكن، جامعة ديكن.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Venezuela, Gaza, Ukraine: is the UN failing?