الغد-ديمة محبوبة
في مرحلة ما من العمر، يكتشف الأبناء أن العلاقة مع والديهم لم تعد كما كانت، لا لأن المحبة تغيرت، بل لأن احتياجات الطرفين بدأت تتخذ شكلا مختلفا.
فجأة، يصبح العتب حاضرا في التفاصيل الصغيرة، ويغدو الغياب القصير سببا للحزن، وتتبدل نبرة الحديث لتصبح أكثر حساسية.
كثير من الأبناء يلاحظون هذا التحول من دون أن يجدوا له تفسيرا واضحا، فيما يرتبك الأهالي من أن يكون حضورهم مقتضبا في حياة أبنائهم مع تسارع الزمن.
العتب والحساسية
يزدادان مع العمر
سارة، وهي أم عاملة في منتصف الثلاثينات، تقول: "أشعر احيانا أن علاقتي بوالدتي أصبحت مضطربة عاطفيا، فأنا أحبها وأحرص على رضاها، لكن أي تأخير في الاتصال يتحول إلى اتهام غير مباشر بأني مشغولة عنها ولم أتذكرها، ما يحملني عبئا نفسيا أكبر مع ضغوطات الحياة، وذنبا لتقصيري معها".
أما أحمد، الذي يعيش خارج مدينته ويقطن في عمان لقربه من عمله، فيصف والديه بعد التقاعد كأنهما أصبحا شخصين آخرين، أكثر حساسية؛ فالأسبوع الذي لا يذهب فيه لزيارتهما يكونان أكثر عتبا وتساؤلا إن كانت هناك أي مشكلة.
التعلق والاحتياج
حتى إن العتب بينهما بات كبيرا، مستدركا أنه يتفهم هذه المشاعر تماما، فهما اعتادا الخروج من المنزل والعمل والتسوق، واليوم يشعران أنهما عادا إلى المربع الأول وحدهما بعد أن تزوج هو وباقي إخوته.
ويضيف أنه لذلك يحرص على إرضائهما، و"جبر خاطرهما" كما يصف، فهما اليوم أكثر تعلقا واحتياجا له ولإخوته.
هذه المشاعر تتكرر في بيوت كثيرة؛ أبناء يشعرون بأن والديهم يبحثان عن الرعاية والتواجد بالقرب منهما ومشاركتهما كل شيء، وأكثر حاجة للاهتمام وأقل قدرة على التجاوز.
الالتفات لمشاعر الاهل
في المقابل، حين يسأل الآباء عن مشاعرهم، تتكشف صورة مختلفة تماما. فـ"أم سعيد"، في أواخر الستينات من عمرها، تقول: "لا أطلب الكثير، لكني أشعر أن البيت أصبح صامتا. أنا لا أريد أن أثقل عليهم، لكن عندما تمر أيام من دون اتصال، أشعر أنني خرجت من حساباتهم. أخاف أن أكون مجرد واجب”.
ويتحدث زوجها الذي تجاوز السبعين، معبرا عن أقسى شعور يلازمه في الآونة الأخيرة، حسب وصفه، وهو شعوره بأنه لم يعد ضروريا. إذ كان يعمل ويقرر ويحمي، وكانت كلمته مسموعة، أما اليوم فقد تقاعد، ويشعر بثقل العمر على جسده، وبأن أبناءه باتت لهم حياتهم الخاصة ولا يشاركونه في كل شيء. هو يعلم كم يحبونه ويخافون على مشاعره، إلا أن هذا الشعور يصله أحيانا بسلبية.
اتساع الفجوة مع غياب
فهم حاجة الآخر
وتبين المرشدة النفسية والتربوية رائدة الكيلاني أن بين رواية الأبناء ورواية الآباء تتسع فجوة الفهم؛ فبعض الأبناء يرون سلوكا جديدا ومربكا، فيما يعيش الآباء خوفا صامتا من الوحدة والتهميش، والغضب هنا لا يكون ترفا، بل لغة بديلة عن طلب لا يعرفون كيف يعبرون عنه.
وترى الكيلاني أن ما يحدث جانب من مرحلة نفسية حساسة مرتبطة بفقدان الأدوار. وتوضح أن الإنسان حين يكبر لا يخسر صحته فقط، بل يخسر أجزاء من هويته؛ فالعمل، والقوة، والاستقلال، وحتى القدرة على التأثير، كلها عناصر كانت تمنحه شعورا بالقيمة.
التعبير عن الاحتياجات العاطفية
وتشير الكيلاني إلى أن جيل الآباء لم يتعلم التعبير الصريح عن احتياجاته العاطفية، فيلجأ إلى العتب بدل القول "اشتقت لكم"، وإلى الغضب بدل الاعتراف بالخوف. وتؤكد أن المشكلة لا تكمن في الاحتياج نفسه، بل في سوء تفسيره من الطرفين.
من جانبه، يربط اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين خزاعي هذه الظاهرة بتغير البنية الاجتماعية للأسرة؛ فالأبناء اليوم يعيشون إيقاعا سريعاً، ومسؤوليات متراكمة، وأشكالا جديدة من الاستقلال، بينما يجد الآباء أنفسهم خارج هذا الإيقاع.
ويضيف أن الآباء لا يكبرون بيولوجيا فقط، بل اجتماعيا أيضا، فيشعرون أن العالم لم يعد مصمما لهم، وأن أبناءهم ينتمون إلى زمن مختلف.
العتب المرتبط
بخوف التقدم بالعمر
ويرى خزاعي أن وصف الآباء بأنهم يتصرفون كالأطفال يحمل ظلما كبيرا؛ فالطفل يطلب لأنه لا يملك، أما الكبير فيطلب لأنه يفقد، وبين الحالتين فرق عميق أساسه الخوف من التلاشي لا الرغبة في السيطرة.
وأخيرا، يضيف خزاعي أن هذه المرحلة تبدو اختبارا صامتا للعلاقات الأسرية، وللفهم أكثر من الصبر، وللرحمة أكثر من التضحية؛ فالآباء لا يطلبون الكثير بقدر ما يطلبون أن يشعروا أنهم ما يزالون مرئيين، وأن مكانتهم لم تختف مع تقدم العمر.
ويؤكد أنه حين يدرك الأبناء أن الغضب قد يكون شوقا، وأن العتب قد يكون خوفا، تتغير طريقة الإصغاء؛ فالعلاقة هنا لا تحتاج إلى مثالية، بل إلى إنسانية وتفهم للآخر.