الغد
يقودُ الأردنَّ قلبٌ وعقلٌ رشيدان، وبمنهجٍ يقوم على متابعةٍ دقيقة للتفاصيل اليومية، وإدارة الملفات بتراكمٍ محسوب. وفي هذا السياق، يضطلع الديوان بدورٍ محوري بوصفه مركزَ متابعةٍ مباشر، يتولى من خلاله جلالة الملك، وبمساندة سمو ولي العهد، الإشراف على مسارات الإصلاح السياسي والاقتصادي والإداري، وتقييم أداء الحكومة، ومتابعة ملفات الداخل والخارج ضمن إطار مؤسسي منضبط.
ينعكس هذا النهج على إدارة الداخل بوصفه أولوية ثابتة لا تدار بمنطق الإنكار ولا بالمبالغة في توصيف التحديات، بل قراءةٍ واقعية لمكامن الخلل ومعالجتها ضمن إطارٍ مؤسسي يحفظ التوازن بين متطلبات الإصلاح واستقرار الدولة. وفي هذا التصوّر، يُنظر إلى التفاعل السياسي والاجتماعي، بما فيه النقد البنّاء والرأي الآخر المختلف، بوصفه رصيدًا وطنيًا داعمًا للمسيرة، وجزءًا أصيلًا من حيوية المشهد العام، شريطة بقائه ضمن سقف الدستور والقانون، بما يعزّز التماسك الوطني واللحمة الوطنية.
وينسحب هذا الفهم على مقاربة الإصلاح السياسي بوصفه مسارًا تراكميًا يحتاج إلى نموّه الطبيعي، ولا يُدار بمنطق الاستعجال أو القلق. وفي هذا السياق، يبرز إيمانٌ حقيقي بضرورة وجود الأحزاب السياسية وتطويرها، بغضّ النظر عن تقييم أدائها المرحلي على الأرض، باعتبارها مكوّنًا أساسيًا في بناء الحياة السياسية. فالغاية ليست إنتاج اصطفافات جاهزة، بل بناء تعددية حقيقية تُثري العمل السياسي وتعكس تنوّع المجتمع. ومن هنا، لا يُختزل الرأي الآخر في صوتٍ أو لونٍ واحد، بل يُنظر إلى المعارضة والرأي المختلف بوصفهما ضرورة وطنية تُسهم في تصويب المسار وتعزيز نضج التجربة السياسية.
ولهذا المعنى، فإن الحزم في تطبيق القانون يُفهم بوصفه إصرارًا على الإصلاح لا تراجعًا عنه، وإطارًا يحميه من الفوضى أو التسييس. وتغدو مبادرة الأحزاب إلى إعلان انسجامها الصريح مع القانون والدستور والدستور تعبيرًا عن التفافٍ واعٍ حول الدولة ومؤسساتها، وفتحًا لصفحة وطنية تتجه إلى المستقبل بثقة ومسؤولية.
اقتصاديًا، يواجه الأردن المشهد ضمن مقاربةٍ واقعية توازن بين متطلبات الإصلاح والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، في ظل ضغوطٍ إقليمية ودولية ومحدودية الموارد. ويقوم هذا التعاطي على تجنّب الوعود غير القابلة للتحقق، والتركيز على أولويات معيشية واضحة تُحافظ على الاستقرار العام، إلى جانب العمل على توسيع قاعدة الإنتاج وتحفيز النمو ضمن هوامش محسوبة تحكمها الإمكانات لا التمنيات. ويبقى تقديم الأردن لواقعه الاقتصادي بتحدياته الحقيقية، دون تجميل أو تضخيم، أولوية وطنية ضرورية لبناء خطط ناجحة والتقدّم بثبات نحو المستقبل.
خارجيًا، يتحرّك الأردن بعقلٍ سياسي يعي التحولات الإقليمية والدولية ويفهم إيقاعها، ويتعامل معها بمنطق الخطة لا بمنطق الفزعة. وفي هذا السياق، قد يبدو الأداء أحيانًا أبطأ مما يُتوقع، لكنه في جوهره أكثر ثباتًا واستدامة. وضمن هذه المقاربة، هناك عملٌ دؤوب ومستمر في تعزيز العلاقات مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج، بوصفها علاقاتٍ راسخة تقوم على المصالح المشتركة، مع دورٍ فاعل لسمو ولي العهد في إدامتها وتطويرها ضمن نهج عملي هادئ.
ويحتلّ الملفّ الفلسطيني موقعًا ثابتًا في هذه المقاربة، باعتباره قضية حقوق سياسية وأمنًا وطنيًا في آنٍ واحد. ويستند الموقف الأردني إلى دعم الحقوق الفلسطينية المشروعة ورفض أي ترتيبات تنتقص منها، مع التمسك بحلّال دولتين بوصفه عنوانًا سياسيًا دوليًا يؤكد الطبيعة الحقوقية للقضية، رغم تعقيدات تطبيقه عمليًا. وفي الوقت نفسه، لا يتعارض هذا التمسك مع بروز مقاربات شعبية أو نخبوية أوسع تُعيد إبراز جوهر الصراع بوصفه صراع حقوق اصلية، وتُبقي الضغط الأخلاقي والسياسي حاضرًا للحدّ من تداعيات السياسات الإسرائيلية العدوانية على الاستقرار الإقليمي.
وفي المحصلة، يتشكّل هذا النهج بوصفه إدارةً محسوبةً للدولة في مرحلةٍ إقليميةٍ وعالميةٍ مضطربة، تقوم على ضبط العلاقة بين الداخل والخارج، وربط متطلبات الإصلاح بتحقيق الاستقرار، دون اندفاع في القرار أو جمود في المقاربات، بل عبر قراءةٍ مستمرةٍ للواقع وتكيّفٍ مدروسٍ مع المتغيرات. وقد تبدو الحركة أحيانًا أقلّ مما هي عليه في الواقع، غير أنها تُدار بعمقها لا بإيقاعها الظاهر. وبهذا المعنى، يُدار الأردن كدولةٍ تعرف وزنها وحدودها، وتحافظ على تماسكها الداخلي ودورها الإقليمي، ضمن مسارٍ يتقدّم على المدى المتوسط، على يقينٍ بأن غدها يُصنع بالصبر لا بالعجلة، جنابك.