الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
كريس هيدجز* - (كونسورتيوم نيوز) 7/1/2026
يعرف العراقيون، الذين قُتل نحو مليون منهم خلال الحرب والاحتلال الأميركيين، ما الذي ينتظر فنزويلا. سوف تستخدم العصابة الحاكمة التهديد بالموت والدمار لانتزاع الخضوع والاستسلام.
منفصلة عن عالم قائم على الحقائق والوقائع، ومُعمّاة بالغباء والجشع والغطرسة، أحرقت الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة ذاتيًا الآليات الداخلية التي كانت تحول دون قيام الدكتاتورية، وكذلك الآليات الخارجية المصمَّمة للحماية من عالم فوضوي تحكمه الاستعمارية ودبلوماسية الزوارق الحربية.
المؤسسات الديمقراطية الأميركية في حالة موت سريري. وهي عاجزة عن -أو غير راغبة في- كبح جماح طبقة العصابات الحاكمة. والكونغرس المثقل بجماعات الضغط ليس سوى زائدة عديمة الجدوى. وقد تخلّى منذ زمن طويل عن صلاحياته الدستورية، بما في ذلك حق إعلان الحرب وسنّ التشريعات.
في العام الماضي، لم يُحِل إلى مكتب دونالد ترامب لتوقيعها لتكون قوانينَ نافذة سوى 38 مشروع قانون هزيلًا. وكان معظمها قرارات "عدم موافقة" تهدف إلى التراجع عن لوائح تنظيمية تم إقرارها في عهد إدارة بايدن. ومن جهته، يحكم ترامب بمرسوم إمبراطوري من خلال الأوامر التنفيذية.
وسائل الإعلام، المملوكة للشركات والأوليغارشيات، من جيف بيزوس إلى لاري إليسون، هي مجرد غرفة صدى لجرائم الدولة، بما في ذلك الإبادة الجماعية الجارية بحق الفلسطينيين؛ والاعتداءات على إيران واليمن وفنزويلا؛ والنهب الذي تمارسه الطبقة المليارديرية. وليست الانتخابات المشبعة بالمال سوى مهزلة كاريكاتيرية.
والسلك الدبلوماسي، المكلَّف بالتفاوض على المعاهدات والاتفاقيات، ومنع الحروب وبناء التحالفات، تمّ تفكيكه. والمحاكم، على الرغم من بعض الأحكام الصادرة عن قضاة شجعان -بما في ذلك قرارات حظرت نشر قوات الحرس الوطني في لوس أنجلوس وبورتلاند وشيكاغو- خاضعة لإملاءات السلطة الشركاتية، وتشرف عليها وزارة عدل تتمثل وظيفتها الأساسية في إسكات خصوم ترامب السياسيين.
أما الحزب الديمقراطي، المُرتهَن للشركات، والذي يُفترض أنه حزب المعارضة، فيعمد إلى تعطيل الآلية الوحيدة القادرة على إنقاذ الأميركيين -الحركات الشعبية الجماهيرية والإضرابات- لأنه يدرك أن قيادته الحزبية الفاسدة والمكروهة سيتم كنسها جانبًا.
يعامل قادة الحزب الديمقراطي عمدةَ مدينة نيويورك، زهران ممداني -الذي يشكل ومضةَ ضوءٍ في هذا الظلام- كما لو أنه مصاب بالجذام. وهم يفضلون أن تغرق السفينة بأكملها على أن يتنازلوا عن مكانتهم وامتيازاتهم.
الديكتاتوريات أحادية البعد. وهي تختزل السياسة إلى أبسط صورها: افعل ما أقول، وإلا دمّرتك.
أما الدقة، والتعقيد، والتسوية، وبالطبع التعاطف والفهم، فتقع خارج الحيّز العاطفي الضيّق للغاية للعصابات، بما في ذلك زعيم العصابة نفسه.
الديكتاتوريات جنّة للبلطجية والفتوات. العصابات، سواء في "وول ستريت"، أو "وادي السيليكون"، أو في البيت الأبيض، تلتهم بلدها من الداخل وتنهب الموارد الطبيعية للبلدان الأخرى.
الديكتاتوريات تقلب النظام الاجتماعي رأسًا على عقب. النزاهة، والعمل الجاد، والرحمة، والتضامن، والتضحية بالذات تصبح صفات سلبية. وأولئك الذين يجسّدون هذه القيم يُهمَّشون ويُضطهدون. أما القساة، والفاسدون، والكذَبة، وعديمو الرحمة، ومتوسطو الكفاءة، فيزدهرون.
الديكتاتورياتُ تمكّن الأتباعَ والبلطجية من إبقاء ضحاياهم -في الداخل والخارج- مشلولين. بلطجية من جهاز الهجرة والجمارك؛ بلطجية من "قوة دلتا"؛ من "قوات النخبة البحرية" (الفقمات)، وفرق العمليات السوداء التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية (سي. آي. إيه)، وهي فرق يمكن لأي عراقي أو أفغاني أن يخبرك بأنها أشد فرق الموت فتكًا على وجه الأرض.
شوهد بلطجية من مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف. بي. آي) وإدارة مكافحة المخدرات وهم يرافقون الرئيس نيكولاس مادورو مقيّد اليدين في نيويورك، بالإضافة إلى وزارة الأمن الداخلي (DHS) والشرطة.
هل يستطيع أحد أن يجادل، بجدية، بأن الولايات المتحدة دولة ديمقراطية؟ هل توجد أي مؤسسات ديمقراطية تؤدي وظيفتها؟ وهل هناك أي قيد فعلي على سلطة الدولة؟
هل توجد أي آلية قادرة على فرض سيادة القانون في الداخل، حيث يجري اختطاف مقيمين قانونيين من شوارعنا على أيدي بلطجية مقنّعين، وحيث يُستَخدم شبح "اليسار الراديكالي" ذريعةً لتجريم المعارضة، وحيث تمنح أعلى محكمة في البلاد ترامب سلطاتٍ وحصانةً أشبه بسلطات الملوك؟
هل يمكن لأحد أن يتظاهر، مع هدم الوكالات البيئية والقوانين البيئية -التي يُفترض أن تساعدنا على مواجهة الإبادة البيئية الوشيكة، أخطر تهديد يواجه الوجود الإنساني- بأن هناك أي اهتمام بالصالح العام؟
هل يستطيع أحد أن يجادل، بمنطقية، بأن الولايات المتحدة هي المدافع عن حقوق الإنسان، والديمقراطية، والنظام القائم على القواعد، و"فضائل" الحضارة الغربية؟
سوف يُسرّع بلطجيتنا الحاكمون وتيرة الانحدار. سوف يسرقون أكبر قدر ممكن، وبأسرع ما يمكن، وهم في طريقهم إلى الهاوية. وقد جنت عائلة ترامب أكثر من 1.8 مليار دولار نقدًا وهدايا منذ إعادة انتخابه في العام 2024. وهم يفعلون ذلك بينما يسخرون من سيادة القانون ويُحكِمون قبضتهم الخانقة.
الجدران تضيِّق الخناق. حرية التعبير أُلغيَت في حرم الجامعات وعلى الأثير الإعلامي. وأولئك الذين ينددون بالإبادة الجماعية يفقدون وظائفهم أو يُرحَّلون.
الصحفيون يُشهَّر بهم ويُخضعون للرقابة. وجهاز الهجرة والجمارك، المدعوم بتكنولوجيا شركة بالانتير -وبميزانية قدرها 170 مليار دولار على مدى أربع سنوات- يضع الأسس لدولة بوليسية.
وقد وسّع الجهاز عدد عناصره بنسبة 120 في المائة. وهو يبني مجمّعًا وطنيًا من مراكز الاحتجاز -ليس للمهاجرين غير النظاميين وحدهم، بل لنا نحن أيضًا. ولن يكون حال من هم خارج أسوار الإمبراطورية أفضل، في ظل ميزانية تبلغ تريليون دولار خُصصت لآلة الحرب.
منعطف فنزويلا
وهو ما يقودني إلى فنزويلا، حيث اختُطف رئيس دولة وزوجته، سيليا فلوريس، ونُقلا سرًا إلى نيويورك في انتهاك صارخ للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
لم تُعلن الولايات المتحدة الحرب على فنزويلا، ولكن لم تكن هناك حرب مُعلنة أيضًا عندما قامت الولايات المتحدة بقصف إيران واليمن. ولم يُقرّ الكونغرس عملية الخطف ولا قصف المنشآت العسكرية في كاراكاس، لأنه لم يُبلَّغ بذلك أصلًا.
قامت إدارة ترامب بتغليف الجريمة -التي أودت بحياة 80 شخصًا- وعرضها على أنها مداهمة مخدرات، وبصورة أغرب، على أنها عملية ضد انتهاك لقوانين الأسلحة النارية الأميركية: "حيازة رشاشات وأجهزة تدميرية؛ والتآمر لحيازة رشاشات وأجهزة تدميرية".
هذه التهم عبثية بقدر ما هي محاولة إضفاء الشرعية على الإبادة التي تجري في غزة بوصفها "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها".
لو كان الأمر يتعلق بالمخدرات، لما كان الرئيس الهندوراسي السابق، خوان أورلاندو هرنانديز، قد نال عفوًا من ترامب الشهر الماضي، بعد أن حُكم عليه بالسجن 45 عامًا بتهمة التآمر على توزيع أكثر من 400 طن من الكوكايين في الولايات المتحدة -وهي إدانة استندت إلى أدلة أقوى بكثير من تلك التي تقوم عليها التهم الموجهة إلى مادورو. لكنّ المخدرات ليست سوى الذريعة.
منتشيًا بالنجاح، بدأ ترامب ومسؤولوه يتحدثون فعليًا عن إيران وكوبا وغرينلاند، وربما كولومبيا والمكسيك وكندا.
السلطة المطلقة في الداخل والسلطة المطلقة في الخارج آخذتان في التمدد. وكل فعل خارج على القانون يغذّيهما فحسب. وتتدحرج الأمور مثل كرة ثلج نحو الشمولية والمغامرات العسكرية الكارثية. وبحلول الوقت الذي يدرك فيه الناس ما الذي حدث، يكون الأوان قد فات.
من سيحكم فنزويلا؟ ومن سيحكم غزة؟ وهل هذا يهمّ؟
إذا لم تنحنِ الدول والشعوب أمام "مولوخ" العظيم في واشنطن، فإنها تُقصف. ولا يتعلق الأمر بإقامة حكم شرعي، ولا بإجراء انتخابات نزيهة. إنه يتعلق باستخدام التهديد بالموت والدمار لانتزاع خضوع كامل.
أوضح ترامب ذلك صراحة عندما حذّر الرئيسة الفنزويلية المؤقتة، ديلسي رودريغيز، وقال: "إذا لم تفعل ما هو صحيح، فستدفع ثمنًا باهظًا جدًا، ربما أكبر من مادورو".
لم تُنفّذ عملية اختطاف مادورو بسبب الاتجار بالمخدرات أو حيازة رشاشات. الأمر يتعلق بالنفط. كان ذلك، كما قال ترامب، لكي تتمكن الولايات المتحدة من "إدارة" فنزويلا. وقال ترامب خلال مؤتمر صحفي يوم السبت: "سنُدخل شركات النفط الأميركية العملاقة، الأكبر في العالم، لتنفق مليارات الدولارات، وتُصلح البنية التحتية المدمَّرة بشدة، خاصة البنية التحتية النفطية، وتبدأ في تحقيق أرباح للبلاد".
يعرف العراقيون، وقد قُتل منهم مليون نسمة خلال الحرب والاحتلال الأميركيين، ما الذي يأتي لاحقًا. هناك جرى تدمير البنية التحتية التي كانت حديثة وفعّالة في عهد صدام حسين -وكنتُ قد غطّيتُ العراق ميدانيًا في ظل حكم حسين، وأستطيع الشهادة على صحة ذلك- كما أن الدمى العراقية التي نصّبتها الولايات المتحدة لم تكن معنية بالحكم، ويُقال إنها سرقت نحو 150 مليار دولار من عائدات النفط.
وفي نهاية المطاف، تم طرد الولايات المتحدة من العراق، ولو أنها ما تزال تتحكم بعائدات النفط العراقي التي يتم تحويلها إلى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. والحكومة في بغداد متحالفة مع إيران، ويضم جيشها ميليشيات مدعومة من إيران ضمن "قوات الحشد الشعبي". أما أكبر الشركاء التجاريين للعراق فهم الصين والإمارات العربية المتحدة والهند وتركيا.
كانت الكارثتان في أفغانستان والعراق، اللتان كلّفتا الشعب الأميركي ما بين 4 و6 تريليونات دولار، هما الأغلى والأكثر كلفة في تاريخ الولايات المتحدة. ومع ذلك لم يُحاسَب أيٌّ من مهندسي هاتين الفضيحتين.
الدول التي تُستهدَف بـ"تغيير النظام" تنهار من الداخل، كما حدث في هاييتي، حيث أطاحت الولايات المتحدة وكندا وفرنسا بجان-برتران أريستيد في العامين 1991 و2004. وقد مهّد ذلك الانقلاب لانهيار المجتمع والدولة، ولنشوب حروب العصابات، ولتعميق الفقر.
وحدث الشيء نفسه في هندوراس، عندما أطاح انقلاب مدعوم من الولايات المتحدة في العام 2009 بمانويل زيلايا. أصبح خوان أورلاندو هرنانديز، الذي صدر عفو رئاسي من ترامب عنه مؤخرًا، رئيسًا للبلد في العام 2014، وحوّل هندوراس إلى دولة مخدرات، تمامًا كما فعل دمية الولايات المتحدة حامد كرزاي في أفغانستان، الذي أشرف على إنتاج 90 في المائة من هيروين العالم.
ثم هناك ليبيا -بلدٌ آخر يمتلك احتياطيات نفطية هائلة. عندما أُطيح بمعمر القذافي على يد قوات "حلف شمال الأطلسي" خلال فترة إدارة أوباما في العام 2011، تفتّتت ليبيا إلى جيوب يسيطر عليها أمراء حرب وميليشيات متنافسة.
إن قائمة المحاولات الأميركية الكارثية لـ"تغيير الأنظمة" طويلة وشاملة، بما في ذلك كوسوفو وسورية وأوكرانيا واليمن. وكلها أمثلة على حماقة التمدد الإمبراطوري المفرط. وكلها تنبئ بالمسار الذي نتجه إليه الآن.
استهدفت الولايات المتحدة فنزويلا منذ انتخاب هوغو تشافيز في العام 1998. وكانت وراء انقلاب فاشل في العام 2002. وفرضت على البلد اللاتيني عقوبات قاسية على مدى عقدين. وحاولت تنصيب السياسي المعارض خوان غوايدو "رئيسًا مؤقتًا"، على الرغم من أنه لم يُنتخب قط رئيسًا للبلاد.
وعندما لم تنجح هذه المحاولات، تم التخلي عن غوايدو بلا مبالاة، تمامًا كما تخلّى ترامب عن شخصية المعارضة الحائزة على جائزة نوبل للسلام، ماريا كورينا ماتشادو. وفي العام 2020، قمنا بمحاولة شبيهة بفِرق كوميديا "شرطة كيستون" من خلال مرتزقة غير مدرَّبين لتحريك انتفاضة شعبية. ولم ينجح أي من ذلك.
يشكل اختطاف مادورو بداية كارثة أخرى. خاصة وأن ترامب وتابِعيه ليسوا أكثر كفاءة، بل ربما أقل من المسؤولين في الإدارات السابقة الذين حاولوا أن يفرضوا إرادتهم على العالم.
إن إمبراطوريتنا الآيلة إلى التحلل تمضي مترنحة مثل وحش جريح، عاجزة عن التعلم من كوارثها، مُقعدة بالغطرسة وانعدام الكفاءة، تقوض سيادة القانون وتغذي الأوهام بأن العنف الصناعي الأعمى الفاقد للتمييز يمكن أن يستعيد هيمنة مفقودة.
إنها قادرة على إسقاط قوة عسكرية هائلة، لكن نجاحها الأولي يقود حتمًا إلى مستنقعات مكلفة وهازمة للذات. والمأساةُ ليست في أن الإمبراطورية الأميركية تحتضر، بل في أنها تُسقط معها هذا العدد الهائل من الأبرياء.
*كريس هيدجز: صحفي حاصل على جائزة بوليتزر، عمل مراسلًا خارجيًا لمدة 15 عامًا في صحيفة نيويورك تايمز، حيث شغل منصب رئيس مكتب الشرق الأوسط ورئيس مكتب البلقان للصحيفة. وقد عمل سابقًا في الخارج لصالح ذا دالاس مورنينغ نيوز وذي كريستيان ساينس مونيتور وNPR. وهو مقدّم برنامج "The Chris Hedges Report".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: America the Rogue State
هامش:
(1) مولُوخ (Moloch) هو إلهٌ كنعاني - فينيقي ذُكر في نصوص قديمة، ويُقال إن طقوس عبادته كانت تتضمن تقديم الأطفال كقرابين حرقًا. ورد ذكره في العهد القديم بوصفه رمزًا للوثنية المتوحشة والانحراف الأخلاقي. في الفكر الحديث، أصبح "مولُوخ" يستخدم ككناية عن الأنظمة التي تستهلك البشر باسم أهداف كبرى: الدولة الشمولية، الرأسمالية المتوحشة، العسكرة، البيروقراطية، أو أي منظومة تفرض منطقها بلا رحمة وتُضحي بالأفراد للحفاظ على استمرارها.