عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Jan-2026

ليست العاصفة… بل الدولة المُنهَكة حين تُفضَح الإدارة بتجارب عربية نجحت|زياد فرحان المجالي

 

جو 24 :
كتب - زياد فرحان المجالي 
 
ما جرى في عمّان ومحافظات الجنوب مع المنخفض الجوي الأخير لم يكن حادثة طارئة، ولا مفاجأة من مفاجآت الطقس، ولا "ظرفًا استثنائيًا” كما تحب البيانات الرسمية أن تُسمّيه. ما حدث هو نتيجة منطقية لتراكم سنوات من الإهمال، وسوء التخطيط، وترحيل الأزمات من حكومة إلى أخرى، ومن وزير إلى آخر. العاصفة لم تصنع الكارثة؛ هي فقط كشفتها.
 
الخطأ الأكبر في الخطاب الرسمي ليس التقصير وحده، بل الإصرار على اختزال المشكلة في المطر. فحين تُقدَّم السيول بوصفها سببًا، يُخفى السبب الحقيقي: إدارة عامة لم تُحدّث بنيتها التحتية، ولم تدمج تغيّر المناخ في التخطيط، ولم تُخضع المشاريع للمساءلة بعد التنفيذ. وهنا يصبح الغرق نتيجة طبيعية، لا استثناءً.
 
المسؤولية المؤسسية واضحة ولا تحتمل التدوير. قطاع الأشغال العامة مسؤول عن طرق تُنشأ بلا حساب لمجاري السيول، وبلا صيانة دورية تحمي الأرواح. قطاع الإدارة المحلية مسؤول عن إضعاف البلديات إداريًا وماليًا، ثم مطالبتها بإدارة الطوارئ بلا أدوات. قطاع المياه مسؤول عن غياب منظومة حصاد مائي تحوّل الأمطار من تهديد إلى مورد، وعن شبكات تصريف تخلط مياه المطر بالصرف الصحي. قطاع السياحة والآثار مسؤول عن ترك مواقع أثرية حساسة بلا تقييم تحمّل ولا خطط وقاية قبل موسم الشتاء. هذه ليست اتهامات سياسية، بل توصيف لوظائف لم تُؤدَّ كما يجب.
 
الأخطر أن هذا المشهد يتكرر كل شتاء. إعلانات طوارئ، جولات متأخرة، تبريرات جاهزة، ثم صمت طويل حتى المنخفض التالي. التكرار هنا يسقط صفة "الاستثنائي”، ويحوّل الكارثة إلى نمط. والنمط لا يُعالج بالتصريحات، بل بتغيير السياسات.
ولكي لا يبقى النقد إنشائيًا، تكفي مقارنة واحدة مع دول عربية واجهت سيولًا أشد، لكنها اختارت طريقًا مختلفًا—طريق الإصلاح بدل التبرير—ما يجعل الخطاب الرسمي المحلي في موقع حرج.
 
في المغرب، شكّلت فيضانات الجنوب عام 2014 صدمة وطنية. لم تُحمَّل السماء المسؤولية، بل فُتحت دفاتر التخطيط. أُعيدت هندسة شبكات التصريف، وبُنيت سدود صغيرة للحصاد المائي، وربط التوسّع العمراني بخرائط مخاطر إلزامية. النتيجة لم تكن اختفاء المطر، بل انخفاض الخسائر. الفرق لم يكن في الطقس، بل في الإدارة.
 
في تونس، بعد فيضانات نابل عام 2018، اعترفت الدولة بأن الأزمة إدارية بقدر ما هي طبيعية. عُدّلت معايير التخطيط البلدي، وربط التمويل بالأداء، لا بعدد البيانات. لم تُحلّ كل المشكلات، لكن تغيّر منطق التعاطي: الوقاية قبل الطوارئ.
 
في مصر، حيث السيول تضرب سيناء والصعيد، لم يعد مقبولًا الاكتفاء بوصف المطر "غير مسبوق”. أُنشئت مخرّات سيول جديدة، وفُرضت قيود على البناء في مجاري الأودية، وأُعيد تأهيل القديمة. نعم، ما زالت التحديات قائمة، لكن الاعتراف بالمشكلة كان الخطوة الأولى.
 
وفي السعودية، كانت فيضانات جدة لحظة إحراج قصوى. الاعتراف جاء صريحًا: المشكلة فساد وسوء تخطيط. فُتحت ملفات، وأُحيل مسؤولون، وأُعيدت مراجعة شاملة لشبكات التصريف. هنا لم تُستخدم العاصفة شماعة، بل بوابة للمساءلة.
 
أما الإمارات، فتعامل السيول باعتبارها احتمالًا دائمًا لا مفاجأة. أنظمة تصريف مصمّمة لأسوأ السيناريوهات، وتنسيق مركزي، وبروتوكولات واضحة. الفكرة بسيطة: إن لم تكن الكارثة اليوم، فهي محتملة غدًا.
 
هذه المقارنات ليست ترفًا تحليليًا، بل مرآة. جميع هذه الدول في الإقليم نفسه، وتواجه تغيّر المناخ ذاته. الفارق ليس في المطر، بل في العقل الإداري. هناك دول كسرت حلقة التبرير واعترفت بأن الفشل تراكمي، وأن الحل تراكمي أيضًا. وهناك من ما زال يدير الشتاء بالبيانات.
 
في الحالة الأردنية، لا يمكن فصل ما جرى عن إرث طويل من إدارة الملفات بعقل "الاستجابة” لا "الوقاية”. شبكات تصريف قديمة، تخطيط عمراني يتجاهل الأودية، مشاريع تُسلَّم بلا تدقيق لاحق، وبلديات أُضعفت ثم طُلب منها المعجزات. وعندما تقع الكارثة، يُطلب من المواطن الصبر، وكأن الصبر سياسة عامة.
 
هذا لا يعني إعفاء الحكومة الحالية من المسؤولية، ولا تحويل النقد إلى حنين للماضي. بل يعني العكس: الاعتراف بأن ما جرى نتاج سياسات سابقة يجب القطع معها، لا تدويرها. الإقالات—إن حدثت—ليست حلًا بحد ذاتها، إن لم تترافق مع تغيير جذري في طريقة التخطيط، والإنفاق، والمساءلة.
 
السؤال الذي يجب أن يُطرح ليس: لماذا أمطرت؟ بل: لماذا غرقت؟ ولماذا تتكرر الإجابة نفسها كل عام؟ ولماذا لم تُحوَّل الكوارث السابقة إلى دروس ملزمة؟ الدول التي نجحت لم تنتظر تحسّن الطقس، بل حسّنت إدارتها.
 
الخلاصة أن ما شهدناه ليس اختبارًا لعاصفة، بل امتحانًا للدولة في قدرتها على التعلّم. الاستمرار في لوم السماء هو أقصر الطرق إلى تكرار الفشل. أمّا الاعتراف بأن الإهمال تراكمي، وأن الإصلاح مؤلم لكنه ممكن، فهو الطريق الوحيد لكسر هذا النمط. العاصفة مرّت، لكن إن مرّت معها فرصة الإصلاح، فسنعود إلى النقطة نفسها مع أول منخفض قادم—وبالبيان نفسه.