بين ماء المفاوضات وحريق الحرب.. طهران وواشنطن على مفترق طرق
الغد-محمد الكيالي
على الرغم من انتهاء جولة الحوار بين واشنطن وطهران في جنيف أمس، لا يبدو أن ماء المفاوضات قادر على إخماد حريق التوتر العسكري القائم في المنطقة جراء الحشود الأميركية غير المسبوقة في المنطقة، والتي تضع الأزمة أمام سيناريوهات خطيرة.
وكانت القوات الأميركية عززت وجودها بوحدات برية وبحرية ضخمة، إلى جانب حاملتي طائرات ومقاتلات متطورة مثل "إف- 35" و"إف- 22" ما يعكس استعدادا لاحتمال استخدام القوة إذا فشلت جولات المفاوضات المتعددة.
ويتقاطع هذا المشهد مع ضغوط إسرائيلية متواصلة على الإدارة الأميركية، والتي تعزز فرضية أن الخيار العسكري بات مطروحا بقوة سواء عبر عملية محدودة تستهدف قيادات بارزة داخل إيران أو من خلال ضربة أوسع لفرض تنازلات في ملفات الصواريخ الباليستية والبرنامج النووي.
ومع ضعف احتمالات قبول إيران بتخفيض نسب تخصيب اليورانيوم أو تقديم تنازلات جوهرية، يظل الانسداد السياسي قائما، ما يفتح الباب أمام تصعيد عسكري محتمل إذا لم تحقق الجولات الدبلوماسية أي اختراق.
المنطقة والسيناريوهات الخطرة
في هذا الصدد، أكد رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية الدكتور خالد شنيكات، أن الولايات المتحدة تعمل على تجميع قوة عسكرية هائلة في المنطقة، تشمل وحدات من سلاح البر، وقطعا بحرية ضخمة، إضافة إلى حاملتي طائرات، مع تعزيز القواعد العسكرية الأميركية بأحدث الطائرات القتالية مثل "إف- 35" و"إف- 22" إلى جانب أنواع أخرى متطورة.
وأوضح شنيكات أن هذا الحشد يعكس خيارا واحدا أمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو استخدام القوة بشكل مباشر، أو التلويح بها في حال فشلت المفاوضات مع إيران.
وأشار إلى وجود عوائق قد تحد من هذا الخيار، أبرزها ما قد يترتب على أي عملية عسكرية من فوضى داخل إيران، وانعكاسات إقليمية واسعة.
وبين أن الضغوط الإسرائيلية المتواصلة على واشنطن تشكل عاملا أساسيا في دفع الإدارة الأميركية نحو خيار القوة، لافتا إلى أن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو التقى ترامب أكثر من 10 مرات منذ توليه السلطة، وهو ما يعكس حجم التنسيق بين الطرفين.
وأضاف أن أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في تنفيذ عملية عسكرية محدودة داخل إيران، قد تشمل استهداف المرشد الأعلى أو قيادات بارزة، على غرار ما حدث في فنزويلا، مشددا على أن نجاح مثل هذا السيناريو في إيران يبقى غير محسوم.
ساعات الحسم
بدوره، قال الخبير العسكري والإستراتيجي نضال أبوزيد، إن جولات المفاوضات غالبا ما تكون حاسمة في تحديد اتجاه العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل الحشد العسكري الأميركي المتزايد في المنطقة.
وأوضح أبوزيد أن حاملة الطائرات الأميركية "جيرالد فورد" التي كانت متمركزة قرب جزيرة كريت، أبحرت باتجاه حيفا أمس، حيث تحتاج نحو 22 ساعة للوصول، نظرا للمسافة البالغة حوالي 1200 كيلومتر.
وأشار إلى أن هذا التوقيت يتقاطع مع المهلة التي منحها ترامب للجانب الإيراني لتقديم مسودة إطار عام لمفاوضات أمس، ما جعل الساعات القليلة الماضية فارقة في مسار الأزمة.
وأضاف أن تلك الفترة كانت ستشهد أحد خيارين: إما توجيه ضربة عسكرية لإيران بهدف دفعها إلى تقديم تنازلات خلال المفاوضات، أو انتظار انعقاد الجولة الدبلوماسية أمس الخميس لإعطاء فرصة للمسار السياسي.
وشدد أبوزيد على أن احتمالات تقديم إيران تنازلات جوهرية، سواء في ملف الصواريخ الباليستية أو في نسب تخصيب اليورانيوم تبدو ضعيفة، وهو ما يفتح الباب أمام انسداد سياسي قد يفضي إلى عملية عسكرية قريبة إذا استمر الرفض الإيراني.
وأكد أن المؤشرات الحالية ترجح كفة الخيار العسكري على حساب المسار الدبلوماسي، مشيرا إلى أن ترامب يرفض القبول بنسبة تخصيب اليورانيوم البالغة 3.6 % وهي النسبة التي تم الاتفاق عليها في اتفاق عام 2015 خلال إدارة الرئيس باراك أوباما.
واعتبر أن العودة إلى هذه النسبة لن تكون مقبولة لدى ترامب ولا لدى قواعده الانتخابية، حيث انسحب من الاتفاق عام 2018 ولن يقبل الآن بتوقيع اتفاق جديد يعيد إنتاج ما أبرمه سلفه.
وتابع أبوزيد قائلا إن ترامب قد يقبل فقط بنسبة أقل من تلك حتى لو كانت رمزية، غير أن الجانب الإيراني لن يوافق على ذلك، ما يعني أن الانسداد سيشمل الملف النووي إلى جانب ملف الصواريخ الباليستية وهو ما يعزز احتمالات التصعيد العسكري في المرحلة المقبلة.
إيران والمعضلة الإستراتيجية
من جانبه، أكد أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الألمانية الأردنية، الدكتور بدر الماضي، أن فشل المفاوضات الجارية سيُعد مؤشرا واضحا على أن إيران لا تنوي التنازل عن أوراقها الإستراتيجية أو التخلي عن نفوذها الإقليمي والدولي.
وأشار الماضي إلى أن طهران تواجه اليوم معضلة إستراتيجية تتعلق بأمنها القومي ومكانتها في المنطقة والعالم، إذ إن استجابتها للضغوط الأميركية ستعني عمليا عودتها إلى دولة عادية وانتهاء طموحاتها الإقليمية والدولية.
وأضاف أن فشل المفاوضات قد يفتح الباب أمام مواجهة داخلية صعبة لإيران، خاصة إذا قررت الولايات المتحدة اللجوء إلى ضربات عسكرية مركزة.
ورجح أن أي هجوم أميركي لن يكون مجرد عملية جراحية محدودة، بل ضربة تدميرية تهدف إلى شل قدرات إيران الداخلية وإضعاف أذرعها الإقليمية، وهو ما يتوافق مع المساعي الأميركية لإنهاء نفوذ طهران خارج حدودها.
ولفت الماضي إلى أن ملفي الصواريخ والبرنامج النووي قد يكونان أكثر سهولة بالنسبة للولايات المتحدة، نظرا لمعرفتها بمواقع مراكز التخصيب والمنشآت العسكرية، إلا أن ذلك لا يعني أن العملية ستكون بلا تكلفة أو نتائج معقدة، حيث ستواجه واشنطن مقاومة إيرانية شرسة دفاعا عن الأمن الوطني وما بنته إيران منذ عام 1979.
وشدد على أن إيران ستسعى بكل ما لديها من قوة لتجنب الانزلاق نحو فشل الدولة داخليا، في ظل الضغوط الأميركية والإسرائيلية المتزايدة، معتبرا أن أي مواجهة عسكرية ستضعها أمام تحديات اجتماعية داخلية عميقة، قد تُفاقم حالة الرفض الشعبي لسياسات الدولة.
ويرى الماضي أن الولايات المتحدة نفسها تواجه معضلة إستراتيجية هي الأخرى، إذ إن القضاء على القدرات الإيرانية النووية والصاروخية ونفوذها الإقليمي يتطلب خيارا واحدا لا غير: الحرب الشاملة التي تنهي الحالة الإيرانية على غرار ما حدث مع نظام صدام حسين في العراق أو مع قوى إقليمية أخرى بطرق مختلفة.
وأكد أن المشهد الحالي يعكس صراعا معقدا، حيث تقف إيران والولايات المتحدة أمام خيارات إستراتيجية صعبة لن تكون نتائجها سهلة أو مضمونة على أي طرف.