عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    21-Apr-2026

الأردن.. كيف أعادت الحرب تعريف موقعه الإقليمي؟*د.ميساء المصري

 الغد

في جميع الحروب تختلط خرائط النار بخرائط المال، والأردن، بحكم موقعه الجغرافي ووظيفته السياسية، لم يكن يوماً خارج المشهد، لكنه اليوم يدفع كلفة لم يخترها، ويجني مكاسب لم يخطط لها بالكامل. ومن هنا يمكن قراءة الكثير مما يحدث في الأردن، أولها عودة المشروع الإماراتي للسكك الحديدية العقبة – عمّان – الشمال لا بوصفها مجرد صفقة اقتصادية مؤجلة عادت إلى الحياة. ما يجري أعمق من ذلك بكثير، إنه تقاطع حاد بين السياسة والجغرافيا والاقتصاد، حيث تتحرك الدول لا وفق منطق الحاجة فقط، بل وفق حسابات ما بعد الحرب.   
 
 
القرار المفاجئ، بعد سنوات من التجميد، لا يبدو بريئاً من السياق الإقليمي المتوتر، ولا منفصلاً عن احتمالات حرب كبرى مع إيران. حيث يعاد ترتيب ممرات الطاقة والتجارة وفق موازين قوة جديدة. وفي هذه الحالة، لا يكون الأردن صانعاً للمشهد، بل جزءاً من هندسة تُرسم خارج حدوده.
السؤال هنا ليس إن كان الأردن قد تأثر، بل كيف أعادت الحرب تعريف موقعه، ماذا ربح فعلاً، وماذا خسر، وما الدرس الذي خرج به من (بروفة الخطر الكبير)؟
أول ما ربحه الأردن هو تثبيت معادلة الدولة القابلة للبقاء. في إقليم يتصدع، قدمت عمّان نموذجاً لدولة قادرة على امتصاص الصدمات، رغم سقوط صواريخ في محيطها وتحول أجوائها إلى ممر ناري. هذا ليس إنجازاً بسيطاً، بل رسالة سياسية بأن الأردن ما يزال قادراً على حماية نفسه في بيئة تتآكل فيها الدول من الداخل قبل الخارج.
كما وضع الأردن مسارا سياسياً نسبياً. مع رفع كلفة استهدافه. 
وأعاد تعريف دور الأردن كوسيط محتمل لا كلاعب مباشر، وهي ورقة قد تكون ثمينة في مرحلة ما بعد الحرب. لكن هذه الأرباح، على أهميتها، تخفي وراءها خسائر أعمق وأكثر إيلاماً.
الخسارة الأولى كانت في ملف الطاقة، حيث كشفت الحرب هشاشة الاعتماد الأردني على الخارج، خصوصاً الغاز والنفط. وتحولت الطاقة من ملف اقتصادي إلى ورقة ضغط سياسية، وارتفعت الكلفة اليومية لتشغيل الدولة بـ200 مليون دينار إضافية. هنا لم يخسر الأردن فقط إمدادات، بل خسر جزءاً من استقلال قراره الطاقي.
وملف المياه، حيث الأردن الذي يعاني أصلاً من فقر مائي مزمن، وجد نفسه أمام معادلة إقليمية أكثر تعقيداً، حيث ترتبط المياه بالسياسة والأمن والتحالفات. أي اضطراب في الإقليم، أو توتر مع أطراف مؤثرة، يمكن أن ينعكس مباشرة على هذا الملف الحساس، ما يجعل الأمن المائي رهينة للتوازنات، لا للموارد فقط.
أما المعضلة الثالثة، فهي اقتصادية مركبة، تراجع السياحة، ارتفاع كلف الشحن، اضطراب سلاسل التوريد، وتحوّل سلوك المستهلكين نحو التقشف. الأرقام الصلبة لخسائر بمئات الملايين من الدولارات لا تعكس سوى جزء من الصورة. الجزء الأعمق هو فقدان الثقة الشعبية بالمستقبل، وهو أخطر ما يمكن أن يصيب أي اقتصاد.
وماذا عن المعضلة الأكثر تعقيداً السياسة الإستراتيجية، واهتزاز فكرة الحليف الثابت.
الحرب كشفت بوضوح أن الولايات المتحدة الأميركية، رغم حضورها العسكري الكثيف، لم تعد الضامن المطلق لأمن الإقليم. هي تدير الصراع، تضبط إيقاعه، لكنها لا تمنع تمدده الكامل. هذا الغياب النسبي، أو إعادة التموضع، وضع الأردن ومعه دول الخليج أمام حقيقة واضحة، الحليف الدولي لم يعد كافيا وحده.
وفي المقابل، بدا الحليف الإقليمي نفسه في دائرة غير الدائم. دول الخليج، التي ترتبط مع الأردن بعلاقات إستراتيجية، أعادت هي الأخرى حساباتها تحت الضغط، بين التهدئة مع إيران تارة، والتصعيد تارة أخرى. وهذا التذبذب لا يعكس ضعفاً بقدر ما يعكس إدراكاً بأن الإقليم دخل مرحلة سيولة سياسية، لا ثوابت فيها.
وسط هذه المعادلة، يظهر الأردن كدولة في منتصف السيولة ليس بعيداً عن الخطر، ولا محمياً بالكامل، ولا قادراً على الانخراط، ولا قادراً على الانعزال.
ثم جاءت لحظة مضيق هرمز لتكشف عمق الأزمة. وذبذبة التهديد الإيراني بإغلاقه، وما سيتبعه من باب المندب، والرد الأميركي بفرض حصار بحري والتلويح بالحرب والتخبط من جديد، لم يكن مجرد تصعيد عسكري، بل إعلاناً بأن شريان الطاقة العالمي يمكن أن يتحول إلى سلاح. بالنسبة للأردن، الذي يعتمد على استيراد الطاقة، كان ذلك بمثابة إنذار إستراتيجي، أمنه الاقتصادي مرتبط بمياه إقليمية لا يسيطر عليها.
وهنا تحديداً، تتكشف البروفة الإقليمية، ما جرى ليس الحرب الكبرى، بل نموذجا مصغرا لما يمكن أن يحدث إذا انفجرت بالكامل أو ما يسمى بعلم السياسة الانفجار الكبير بعد الفوضى المدارة والتسوية الباردة. تعطّل التجارة، و ارتفاع الأسعار، وتراجع السياحة، وضغط الطاقة، ويعيش المواطن حالة المجهول.
إن الجغرافيا لم تعد ميزة بحد ذاتها. موقع الأردن الذي كان يوصف بأنه مفترق طرق أصبح أيضاً مفترق مخاطر. القرب من بؤر التوتر يعني التعرض الدائم للارتدادات.
إن الاعتماد على الخارج في الطاقة والمياه وحتى الأمن لم يعد خياراً آمناً. كل ملف مرتبط بإرادة طرف آخر هو نقطة ضعف مؤجلة.
إن الحياد لم يعد كافياً كسياسة، بل يحتاج إلى أدوات قوة تحميه، اقتصاد أكثر صلابة، بدائل طاقة، وشبكات إمداد متعددة.
أما الأهم، فهو أن المرحلة المقبلة لن تشبه ما قبلها. الإقليم لا يتجه إلى الاستقرار، بل إلى إعادة تشكيل طويلة، قد تتخللها جولات صراع أكبر. وهنا لا يكفي أن ينجو الأردن من الحرب، بل عليه أن يعيد تعريف نفسه داخلها.
في الختام عزيزي القارئ، الأردن لم يخرج من حرب إيران رابحاً أو خاسراً بشكل مطلق. لقد ربح القدرة على المناورة، وخسر هامش الأمن الإقليمي. ربح وضوح المخاطر، وخسر الاستقرار. والأهم، أنه اكتشف أن ما يجرى لم يكن النهاية، بل بداية اختبار أطول وأقسى، قد يحدد شكله ودوره في شرق أوسط جديد يتشكل على وقع الصفقات.