كيف تنتشر الشائعات في أوقات التصعيد؟ وتأثير الفيديوهات المتداولة على الرأي العام
الغد
في أوقات التصعيد والأزمات، سواء كانت سياسية أو أمنية أو اجتماعية أو حتى اقتصادية، تصبح المعلومة عنصرًا شديد الحساسية. الناس تبحث عن أي خبر يطمئنها أو يفسر لها ما يحدث، وفي المقابل تتسارع وتيرة النشر بشكل غير مسبوق عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة، هنا تظهر الشائعات بوصفها واحدة من أخطر الظواهر التي ترافق لحظات التوتر، لأنها تنتشر بسرعة كبيرة، وتؤثر في فهم الناس للواقع، وقد تغيّر مواقفهم وردود أفعالهم خلال وقت قصير جدًا.
وفي قلب هذه الظاهرة، تلعب الفيديوهات المتداولة دورًا مؤثرًا وحاسمًا، لأن الصورة المتحركة تمنح المحتوى درجة أعلى من الإقناع حتى لو كان مضللًا أو قديمًا أو خارج سياقه الحقيقي، ولهذا أصبح من الضروري فهم كيف تنتشر الشائعات في أوقات التصعيد، ولماذا يصدقها كثيرون، وكيف تؤثر الفيديوهات المنتشرة على الرأي العام.
لماذا تزداد الشائعات وقت الأزمات؟
الشائعة لا تنتشر من فراغ، بل تجد بيئة خصبة في اللحظات التي يسود فيها القلق، والغموض، وقلة المعلومات الرسمية الواضحة، ففي أوقات التصعيد، يعيش الناس حالة من الترقب والخوف، ويصبح لديهم استعداد نفسي لتصديق الأخبار بسرعة، خصوصًا إذا كانت مرتبطة بسلامتهم أو بمستقبلهم أو بمصير حدث يتابعونه عن كثب.
عندما تغيب المعلومة الدقيقة أو تتأخر، يبدأ البعض بملء هذا الفراغ بأي محتوى متداول، حتى لو لم يكن موثوقًا، وقد يشارك شخص مقطعًا أو خبرًا لأنه يشعر أنه ينقل معلومة مهمة، بينما في الحقيقة يساهم دون قصد في نشر شائعة. ومع التكرار وإعادة النشر، تكتسب المعلومة الزائفة مظهر الحقيقة، خاصة إذا تناقلتها أعداد كبيرة من الحسابات والصفحات.
كيف تبدأ الشائعة أصلًا؟
في كثير من الأحيان تبدأ الشائعة من منشور مجهول، أو تعليق غير موثق، أو صورة قديمة يعاد نشرها على أنها من الحدث الحالي، أو مقطع فيديو مقتطع من سياقه، أحيانًا تكون الشائعة مقصودة بهدف التأثير، وأحيانًا أخرى تكون ناتجة عن سوء فهم أو نقل غير دقيق.
المشكلة أن سرعة النشر على المنصات الرقمية تجعل من الصعب السيطرة على الشائعة بعد انطلاقها. فبمجرد أن تنتقل إلى مجموعات الدردشة والصفحات العامة والحسابات المؤثرة، تصبح أكثر انتشارًا وأصعب في التصحيح، وحتى عندما يظهر النفي لاحقًا، يكون أثر الشائعة قد وصل بالفعل إلى عدد كبير من الناس.
دور العاطفة في تصديق الشائعات
من أهم أسباب انتشار الشائعات في أوقات التصعيد أن الناس لا تتفاعل مع المحتوى بعقولها فقط، بل بعواطفها أيضًا، فالمحتوى الذي يثير الخوف أو الغضب أو الصدمة أو التعاطف يكون أكثر قابلية للمشاركة السريعة، ولهذا نجد أن الشائعة التي تحمل طابعًا عاطفيًا تنتشر غالبًا أسرع من الخبر الهادئ والمتزن.
كما أن الشخص في لحظة التوتر قد لا يمنح نفسه وقتًا للتحقق، بل يضغط زر المشاركة بدافع القلق أو التحذير أو الانفعال، وهنا تتحول المشاعر إلى أداة غير مباشرة لتوسيع نطاق المعلومات المضللة.
لماذا تؤثر الفيديوهات أكثر من النصوص؟
الفيديو يملك قوة خاصة في تشكيل الانطباع العام. فعندما يشاهد الناس مقطعًا مصورًا، يشعر كثير منهم أن ما يرونه لا يمكن أن يكون كاذبًا، لأن "الصورة لا تكذب" كما يعتقد البعض، لكن الحقيقة أن الفيديو قد يكون مضللًا بطرق كثيرة: قد يكون قديمًا، أو من مكان مختلف، أو مجتزأً، أو مرفقًا بعنوان كاذب، أو حتى خاضعًا للتلاعب الفني.
في أوقات التصعيد، يصبح أي فيديو صادم مادة قابلة للانتشار بسرعة هائلة، خصوصًا إذا حمل مشاهد مثيرة أو أصواتًا قوية أو تعليقًا يوحي بالخطر، وخلال دقائق، قد ينتقل المقطع من حساب صغير إلى آلاف وربما ملايين المشاهدات، ليؤثر في تصور الناس لما يحدث على الأرض.
تأثير الفيديوهات المتداولة على الرأي العام
الفيديوهات المتداولة لا تنقل المعلومات فقط، بل تصنع مشاعر ومواقف. فقد يؤدي مقطع واحد إلى رفع مستوى الخوف بين الناس، أو زيادة الغضب، أو خلق حالة من الذعر، أو دفع الجمهور إلى تبني موقف معين قبل معرفة الحقيقة كاملة، ولهذا فإن تأثير الفيديو على الرأي العام قد يكون أكبر من تأثير عشرات المنشورات النصية.
كما أن تكرار عرض المقاطع المشابهة يرسخ لدى الجمهور انطباعًا بأن حدثًا معينًا أكبر أو أخطر أو أوسع مما هو عليه فعلًا، وقد تُستخدم الفيديوهات أحيانًا لتوجيه المزاج الشعبي، أو لتشويه طرف معين، أو لإثارة الانقسام، خاصة عندما يتم تداولها دون تحقق ومن دون توضيح سياقها الحقيقي.
وهناك جانب آخر مهم، وهو أن بعض الفيديوهات لا تؤثر فقط على من يشاهدها، بل تدفعه أيضًا إلى إعادة إنتاج رواية معينة عبر النقاش أو التعليق أو المشاركة، فيتحول من متلقٍ للمحتوى إلى مساهم في تشكيل الرأي العام.
الخطر الأكبر: خلط الحقيقة بالمحتوى المضلل
أخطر ما في أوقات التصعيد ليس فقط وجود الشائعة، بل اختلاطها بمحتوى حقيقي. فقد يكون جزء من الخبر صحيحًا، لكن تتم إضافة تفاصيل غير مؤكدة إليه، أو يتم إرفاق فيديو لا علاقة له بالحدث الحقيقي، هذا الخلط يجعل كشف التضليل أكثر صعوبة، لأن المتلقي قد يجد بعض العناصر المقنعة التي تدفعه إلى تصديق الرواية كاملة.
ومع كثافة المحتوى وسرعة تدفقه، قد يصبح من الصعب على الناس التمييز بين ما هو موثق وما هو مفبرك أو خارج السياق، وهنا تتشكل صورة عامة مشوشة، يكون الرأي العام فيها معرضًا للتأثر بمعلومات ناقصة أو مضللة.
كيف نواجه الشائعات والفيديوهات المضللة؟
مواجهة الشائعات لا تبدأ فقط من الجهات الرسمية، بل من وعي الأفراد أيضًا، أول خطوة هي التوقف قبل المشاركة، وسؤال النفس: هل هذا المصدر موثوق؟ هل المعلومة مؤكدة؟ هل الفيديو حديث فعلًا؟ هل هناك جهة معروفة نشرته؟ كما يجب الانتباه إلى أن كثرة التداول لا تعني صحة المحتوى.
ومن المهم أيضًا الرجوع إلى المصادر الإخبارية المعروفة، ومتابعة البيانات الرسمية عندما تكون متوفرة، وعدم الاعتماد على المقاطع المقتطعة أو الحسابات المجهولة بوصفها مصدرًا وحيدًا للفهم، كما أن الوعي الرقمي أصبح ضرورة، لا رفاهية، خاصة في زمن يمكن فيه لفيديو واحد مضلل أن يخلق موجة واسعة من التأثير النفسي والاجتماعي والسياسي.