الأحادية الدولية ليست قدرا*د. محمود أبو فروة الرجبي
الغد
بعد اعتقال الرئيس الفنزويلي وزوجته، ليس الأمر كَمَا كانَ من قبل، كما أن ما بعد غزة مختلف عما جرى قبلها، ويبدو أن هذه السنة ستكون الأكثر خطورة في تاريخ البشرية، ولن أتطرق في مقالي هذا إلى الأبعاد السياسية لـما حصل هناك، ولا حول الغطرسة الإسرائيلية القائمة على القصف في كل مكان، دون رادع، أو حتى أقل احترام للقوانين الدولية في منطقتنا، فذلك كله أصبح مجرد كلام غير منتج، فنحن ببساطة نعيش في عالم لا تفعيل فيه لأي قانون سوى قانون القوة، مصداقًا لمقولة قديمة تقول: حدود القانون تخط بالحد الذي يصل إليه سيفي.
إذا استعرضنا التاريخ، فإن قوى كثيرة سيطرت على الأرض، وظهر للناس أن تلك القوة لن تنتهي، ولا يمكن الوقوف في وجهها، بل إن من كان يفكر مجرد تفكير في مواجهتها كان يتهم بالجنون، ولن نتحدث هنا عن حالة واحدة هي المغول التي شكلت لسنواتٍ طويلة أرقا، ورعبًا جعل العالم كله يقف على قدم واحدة، وبسببه مات الملايين، ومع ذلك، أين هم المغول اليوم؟
سهولة اعتقال الرئيس الفنزويلي ستغري الاحتلال الإسرائيلي لتنفيذ مزيد من مخططاته في منطقتنا المنكوبة بالصراعات منذ أكثر من قرن، ومن المعروف أن الاحتلال لا يعترف بحدود، ولديه أجندة موضوعة من عشرات السنين مخبأة تنتظر التنفيذ في أي لحظة مناسبة، ومن الـمؤلم أن قادته يتعاملون مع الواقع العربي على أنه مستباح، ويمكن اللعب في الساحة العربية دون رادع، وبضوء أخضر دائم من الطرف الأميركي، مستندين إلى شعور بالعظمة ناتج عن فائض قوة غير مسبوق، وواقع عربي مشلول، ومع ذلك، فإن هذا سيؤدي إلى عواقب وخيمة على الـمدى القريب والمتوسط والبعيد، وأثبتت التجارب التاريخية أن أي ظلم يقابله ردة فعل قوية، ولو طال زمن حصولها، فهل ما يحصل يصب في مصلحة دولة الاحتلال، وسيؤدي إلى جعلها جزءًا طبيعيًا من الـمنطقة العربية؟ الإجابة ببساطة لا، وهذا ليس مبنياً على عاطفة أو أماني بل هو نتيجة تتبع الحقائق والقوانين التاريخية التي تقول ببساطة: مع مرور الزمن تنشأ قوى أخرى تزيح التي قبلها.
لا بد لمنطق العقل أن يسود العالم، نعيش في أحادية القطب التي لم تتغير منذ عقود، وواهم من يعتقد أن العالم يتجه نحو التعددية؛ فروسيا مشغولة بمشاكلها، وبأوكرانيا، وهي لا تستطيع بناء منظومة تنافس الأميركان، فقد خسرت حلفاءها أو ما تطلق عليهم أميركا (محور الشر) في مواقع كثيرة دون أن تفعل شيئًا يوقف ذهابهم، مثلما حصل مع الراحلين الرؤساء صدام حسين، معمر القذافي، بشار الأسد، ومجموعة من الأنظمة اليسارية في العالم.
يبدو أن الإدارة الأميركية جربت تجاوز الكثير من الخطوط الحمر الروسية، فلم تجد ردة فعل مناسبة، فتوجهت نحو الخطوط الأخرى، وتعثر روسيا في أوكرانيا لا يعني بحال أن تقف دولة عظمى مثلها متفرجة على عالم تسيطر فيه القوة العظمى الوحيدة على كل شيء.
والصين وفي الـمدى المنظور لا تستطيع أن تخرج عن الخطوط الأمريكية قيد أنملة، فهي محكومة بقوانين التجارة الدولية، وأي عقوبات إضافية أمريكية عليها تعني خسارة كبيرة، وقد تم السماح لها بالاندماج الكامل في منظومة الرأسمالية العالمية بهدف الاحتواء الناعم القائم على مبدأ (دعه يبني ما يجعله يخاف عليه، فيرتدع) وهذا ما يحصل، ومع ذلك، لا ندري ما الذي ستفعله في السنوات القادمة عندما تصل إلى مرحلة التوازن الكامل مع الولايات المتحدة الأميركية، ويبدو أنها تتجه نحو ذلك، رغم عدم امتلاكها عقيدة اقتصادية مختلفة عن الغرب، فشيوعيتها محصورة في الحكم الداخلي وفي أطر معينة لا تتجاوزها.
بعد سقوط الاتحاد السوفيتي لم يعد هناك توازن دولي، والورقة الأخيرة التي تستر عورة النظام الدولي سقطت بعد العدوان على غزة، ويبدو أن شريعة الغاب التي كانت تطبق سابقًا في العالم بشكل ناعم، ورقيق، أصبحنا نراها بأسلوبها الفج البعيد عن أي مجاملة.
للتاريخ سيرورات وصيروات لا تخطئ أبدا، كل قوة دولية تسيطر، وتستبيح العالم، تبني في طريقها ألغامًا تتضخم مع الوقت ثم ما تلبث أن تنفجر في وجهها، فتحليها إلى ركام، لتأتي – للأسف– قوة أخرى تقع في أخطائها، فتزيد الظلم، وتغيب العدالة.
عربيًا، نريد عالـمًا أكثر سلامًا، وعدالة، قائمًا على القانون الدولي، وإعطاء الحقوق لأصحابها، ولكن يبدو أن الاستعمار القائم على الاحتلال المباشر، وسرقة المعادن، عاد بأبشع صوره لعالم القرن الحادي والعشرين.
العالم لا يبني على الأحلام الجميلة، والعدالة، بل على القوى المتوازنة، فيما يسمى الردع الناعم، وهذا مفقود تمامًا من عالمنا في هذا الوقت بالتحديد.
في الخلاصة غطرسة القوة، والاحتلال، والاستعمار وصفات أثبتت تاريخيًا عدم نجاعتها في السيطرة على الآخرين، ودائمًا ما يحمل لنا الزمن مفاجآت قد تقلب الطاولة على اللاعب الأكبر، لذلك، فإن العدالة الحقيقية، واحترام القانون الدولي هي انجع طريقة لصناعة عالـم مليء بالسلام والأمن، أكثر من القوة الخشنة، والتاريخ يشهد بذلك.