عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    17-Mar-2026

لماذا يصب التصعيد في مصلحة إيران

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
روبرت أ. بابي* - (فورين أفيرز) 9/3/2026
 
ربما تكون الولايات المتحدة وإسرائيل قد أقدمتا على قضم ما يفوق قدرتهما على هضمه.
 أظهرت الساعات الأولى من عملية "الغضب الملحمي" -الهجوم العسكري المشترك الذي تشنه الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، والذي أُطلق في 28 شباط (فبراير)- المدى الاستثنائي الذي بلغته الحرب الدقيقة الحديثة. فقد أسفرت الضربات الأميركية والإسرائيلية عن مقتل المرشد الأعلى لإيران، آية الله علي خامنئي، إلى جانب قادة كبار في "الحرس الثوري الإسلامي" ومسؤولين رئيسيين في أجهزة الاستخبارات، في ما وصفته واشنطن والقدس بأنه ضربة حاسمة تهدف إلى شلّ بنية القيادة في طهران وزعزعة استقرار النظام.
ولكن، في غضون ساعات تبددت أي آمال في أن تؤدي ضربات "قطع الرأس" الدقيقة إلى الحد من نطاق الحرب. وسرعان ما أطلقت إيران مئات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة -ليس باتجاه إسرائيل فحسب، بل أيضًا عبر الخليج. ودوت صفارات الإنذار من الغارات الجوية في تل أبيب وحيفا. واصطدمت الصواريخ بصواريخ الاعتراض فوق الدوحة وأبوظبي. وفي "قاعدة العديد" الجوية في قطر -المقر الأمامي للقيادة المركزية الأميركية- احتمى الأفراد بالملاجئ بينما كانت صواريخ الاعتراض تنطلق في السماء فوقهم. كما دخلت أنظمة الدفاع الجوي في القواعد الأميركية في الظفرة بالإمارات العربية المتحدة وعلي السالم في الكويت في حالة تأهب وعملت هي الأخرى على اعتراض الهجمات. وأفادت "قاعدة الأمير سلطان الجوية" في السعودية برصد طائرات مسيّرة قادمة. وبالقرب من مقر الأسطول الخامس الأميركي في البحرين، وُضعت القوات البحرية في حالة تأهب مرتفعة.
وكانت للرد الإيراني تداعيات هائلة على منطقة الخليج، حيث أدى إلى مقتل مدنيين، وإغلاق مطارات، وتهديد حركة الشحن وصادرات النفط، والإضرار بصورة المنطقة بوصفها واحة للاستقرار والأمان. وقد اندلع حريق في فندق شهير على الواجهة البحرية في دبي بعد أن سقط حطام طائرة مسيّرة جرى اعتراضها على طوابقه العليا. كما أفادت السلطات الكويتية بوقوع أضرار قرب منشآت مطار مدني. ووفقًا لتقارير إخبارية، أصيبت ناقلات نفط عدة قرب مضيق هرمز، ما أدى إلى ارتفاع كبير في أقساط التأمين على السفن العابرة للخليج. وبعد وقت قصير من اندلاع النزاع، قفزت العقود الآجلة للنفط بشكل حاد مع شروع المتعاملين في تسعير مخاطر تعطل مستمر محتمل لأحد أهم الممرات الحيوية للطاقة في العالم.
لا يمكن التقليل من شأن الضربات الإيرانية واعتبارها مجرد أعمال انتقام متفرقة أو ردود فعل عشوائية لنظام يحتضر. إنها تمثل في الحقيقة استراتيجية التصعيد الأفقي -محاولة لتحويل رهانات الصراع عن طريق توسيع نطاقه وإطالة أمده. وتتيح مثل هذه الاستراتيجية لطرف أضعف أن يغيّر حسابات خصم أكثر قوة. وقد نجحت هذه المقاربة في الماضي، ولو أن ذلك كان على حساب الولايات المتحدة. في فيتنام وصربيا، ردّ خصوم الولايات المتحدة على الاستعراض الكاسح للقوة الجوية الأميركية بتصعيد أفقي، الأمر الذي انتهى في الحالة الأولى إلى هزيمة أميركية، وفي الحالة الثانية إلى إحباط أهداف الحرب الأميركية والتسبب في أسوأ موجة تطهير عرقي شهدتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. وتخلق ضربات "قطع الرأس" على وجه الخصوص حوافز قوية للتصعيد الأفقي: عندما ينجو نظام ما من الصدمة الأولى لفقدان قائده، سيتعين عليه أن يبرهن سريعًا على قدرته على الصمود من خلال توسيع نطاق الصراع. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ألحقت أضرارًا جسيمة بإيران، فإن عليها أن تواجه تداعيات الرد الإيراني. وإلا فإنها قد تجد نفسها وهي تفقد السيطرة على الحرب التي بدأتها.
آفاق بعيدة
يحدث التصعيد الأفقي عندما تقوم دولة بتوسيع النطاق الجغرافي والسياسي لصراع بدلًا من تصعيده عموديًا داخل ساحة قتال واحدة. ويكتسب هذا النهج جاذبية خاصة بوصفه استراتيجية لدى الأطراف الأضعف في أي مواجهة عسكرية. بدلًا من محاولة هزيمة خصم أقوى في مواجهة مباشرة، يعمل الطرف الأضعف على مضاعفة ساحات الخطر باستدراج دول إضافية وقطاعات اقتصادية وجماهير داخلية إلى نطاق الصراع. ولا تستطيع إيران هزيمة الولايات المتحدة أو إسرائيل في مواجهة عسكرية تقليدية، لكنها لا تحتاج إلى ذلك. إن هدفها هو تحقيق قدر أكبر من النفوذ السياسي.
تتبع استراتيجية التصعيد الأفقي نمطًا يمكن التعرف إليه في الحالة الإيرانية. أولًا، أظهرت إيران قدرتها على الصمود. كانت ضربات "قطع الرأس" الأميركية تهدف إلى شلّ الجيش الإيراني. لكن طهران بعثت، بإطلاقها ردًا واسع النطاق خلال ساعات من فقدان المرشد الأعلى والعديد من كبار القادة العسكريين، برسالة تفيد باستمرار تسلسل القيادة وقدرتها العملياتية.
ثانيًا، وسّعت إيران نطاق الصراع إلى ما هو أبعد بكثير من الأراضي الإيرانية، محققة بذلك ما يسميه الباحثون "مضاعفة الانكشاف". بدلًا من حصر الرد في إسرائيل وحدها، ضربت إيران -أو استهدفت- مواقع في ما لا يقل عن تسع دول، يستضيف معظمها قوات أميركية: أذربيجان، والبحرين، واليونان، والعراق، والأردن، والكويت، وقطر، والسعودية، والإمارات العربية المتحدة. وكانت الرسالة واضحة لا لبس فيها: أن الدول التي تستضيف قوات أميركية ستواجه عواقب وخيمة، وأن الحرب التي بدأتْها إسرائيل والولايات المتحدة ستتوسع.
ثالثًا، قامت إيران بتسييس الصراع من خلال ضرباتها. فقد أدت هجماتها الانتقامية إلى إغلاق مطارات، واحتراق ممتلكات تجارية، ومقتل عمال أجانب، وتعطيل أسواق الطاقة والتأمين. واضطر قادة الخليج إلى طمأنة المستثمرين والسياح الأجانب. وهكذا انتقلت الحرب إلى غرف مجالس الإدارة وقاعات البرلمانات. وفي الولايات المتحدة، أثار اتساع نطاق الحرب قلق أعضاء في الكونغرس. والآن دخل عدد كبير من الفاعلين إلى ساحة الصراع، لكل منهم مصالحه الخاصة، ومن دون تنسيق كامل بينهم، وجميعهم قادرون على تغيير مسار التصعيد بما يتجاوز سيطرة واشنطن.
أما البعد الأخير في استراتيجية إيران فهو الزمن. كلما طال شعور عدد أكبر من الدول بالضغط، ازدادت احتمالات أن تؤدي السياسة -داخل الدول الإقليمية وفي ما بينها- إلى تصعيد الصراع. وفي غياب نسخة شرق أوسطية من "حلف شمال الأطلسي" (الناتو)، أو جنرال أميركي واحد يدير فعليًا العمليات العسكرية لجميع الدول التي استهدفتها إيران، يظل خطر سوء التنسيق قائمًا بدرجة كبيرة. وعلى سبيل المثال، طرح مسؤولون أميركيون فكرة تأجيج تمرد إثني في المناطق الكردية من إيران للمساعدة في استهداف "الحرس الثوري الإسلامي". لكنّ مثل هذا التوجه قد يثير ردود فعل من العراق وسورية وتركيا، وهي دول لن ترحب بتمرد كردي قوي في المنطقة. كما أن إسقاط ثلاث طائرات أميركية مؤخرًا بنيران صديقة فوق الكويت يوضح أيضًا المشكلات اللوجستية ومشكلات التنسيق التي تعيق أي محاولة للتصدي للتصعيد الإيراني في الخليج.
عززت وزارة الخارجية الإيرانية هذا المنطق علنًا حين وصفت وابل الصواريخ بأنه رد مشروع على جميع "القوى المعادية" في المنطقة. وقد وسّع هذا التعبير دائرة المسؤولية عن الهجوم على إيران لتتجاوز إسرائيل والولايات المتحدة وتشمل النظام الأوسع المتحالف مع واشنطن في الخليج. وعلى الرغم من أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قدّم اعتذارًا لجيران الخليج عن الهجمات، فإن تنصيب مرشد أعلى جديد مقرّب بشدة من "الحرس الثوري" يوحي بأن مثل هذه الإيماءات تكتيكية أكثر منها مؤشرًا إلى أن طهران تعتزم التخلي عن استراتيجية التصعيد الأفقي. وفي جوهره، يظل التصعيد الأفقي الإيراني استراتيجية سياسية. وهو يخاطب مباشرة الجمهور الذي تسعى إيران إلى التأثير فيه: السكان المسلمين في أنحاء المنطقة الذين قد لا يكونون متوافقين أيديولوجيًا مع إيران، لكنهم عمومًا يحملون مواقف سلبية تجاه إسرائيل.
مفاجأة مدوّية
ليست عملية "الغضب الملحمي" بالتأكيد المرة الأولى التي تتصرف فيها الولايات المتحدة انطلاقًا من الاعتقاد بأن التفوق الساحق في القوة الجوية يمكن أن يفرض انهيارًا سياسيًا سريعًا. وقد كشفت الحرب الأميركية في فيتنام حدود هذا الافتراض.
بحلول العام 1967، كانت الولايات المتحدة قد ألقت على فيتنام الشمالية قنابل بوزن يفوق بثلاثة أضعاف ما استخدمته خلال الحرب العالمية الثانية. وكانت عملية "الرعد المتدحرج" Rolling Thunder، التي أُطلقت في العام 1965، تهدف إلى كسر إرادة هانوي وتدمير قدرتها على خوض الحرب. وكانت واشنطن تتمتع بتفوق جوي هائل، وبما بدا أنه سيطرة على مسار التصعيد، ما يعني أن فيتنام الشمالية لم يكن بإمكانها أن ترد على الولايات المتحدة بالمثل كلما صعّدت واشنطن الصراع. وبحلول خريف العام 1967، كانت القوة الجوية الأميركية قد دمّرت مراكز الاتصالات والعصب العسكرية والصناعية الحيوية التي كان يُعتقد أن القوة العسكرية لفيتنام الشمالية تقوم عليها.
ولكن، بعد بضعة أشهر فقط، في كانون الثاني (يناير) 1968، شنّت القوات الفيتنامية الشمالية وقوات "الفيتكونغ" هجمات منسقة على أكثر من مائة مدينة وبلدة في أنحاء فيتنام الجنوبية. واقتحمت مجمّع السفارة الأميركية في سايغون. وخاضت معارك لأسابيع في مدينة هيو. وضربت عواصم المقاطعات في وقت واحد. وعلى الرغم من أن الهجوم كان مكلفًا للقوات الشيوعية، فإنه حطم التصور القائل بأن النصر الأميركي والفيتنامي الجنوبي بات قريبًا.
وسرعان ما أعلن الرئيس ليندون جونسون أنه لن يترشح لإعادة انتخابه. وتآكلت ثقة الرأي العام في إدارة الحرب. وتغيّر المسار السياسي للحرب، على الرغم من أن التفوق العسكري الأميركي ظل قائمًا.
لم يكن الدرس أن القصف فشل تكتيكيًا. بل كان أن هانوي صعّدت أفقيًا، حيث وسّعت نطاق الصراع إلى ما هو أبعد من ساحات القتال الريفية ليصل إلى مدن فيتنام الجنوبية ومراكزها السياسية الحساسة، وبذلك حوّلت مواجهة عسكرية إلى اضطراب سياسي على مستوى البلاد، وأعادت تشكيل الحسابات الداخلية في واشنطن. في فيتنام لم تخسر الولايات المتحدة معركة واحدة -لكنها مع ذلك خسرت الحرب.
حين تخطئ الدقة هدفها
بعد ثلاثة عقود من حرب فيتنام، اعتمد "حلف شمال الأطلسي" (الناتو) على نظرية مختلفة للقوة الجوية في نزاع كوسوفو. وركزت عملية "القوة المتحالفة" Allied Force في العام 1999 -التي خُطط لها في الأصل كحملة جوية تستمر ثلاثة أيام لضرب 51 هدفًا في العاصمة الصربية بلغراد وحولها- على الضربات الدقيقة ضد الأصول العسكرية الصربية وأهداف القيادة. وكان القادة الغربيون يتوقعون حملة سريعة وناجحة. وكان يُفترض أن يضعف النظام -إذا لم ينهَر بالكامل. بل إن القنابل سقطت أيضًا على مقر إقامة الرئيس الصربي سلوبودان ميلوشيفيتش.
لكن بلغراد ردّت بدلًا من ذلك بإصدار أوامر لنحو 30 ألف جندي صربي بالاندفاع إلى كوسوفو، ما أجبر أكثر من مليون مدني من ألبان كوسوفو -أي نصف سكان الإقليم- على الفرار من المنطقة. وشكل هذا النزوح الكبير ضغطًا شديدًا على الحكومات الأوروبية، واختبر تماسك حلف (الناتو). ولم تكن لدى الولايات المتحدة وحلفائها القوة الجوية التكتيكية الكافية، فضلًا عن القوات البرية، لوقف حملة التطهير العرقي المدمرة. وعلى مدى أسابيع، بينما كانت القوات الصربية تدفع المدنيين إلى خارج كوسوفو، ظل (الناتو) يناقش خيارات التصعيد. وفي نهاية المطاف، قام بحشد نحو 40 ألف جندي بري لشن هجوم كبير للسيطرة على كوسوفو. ولم يرضخ ميلوشيفيتش إلا في تلك اللحظة -وبعد 78 يومًا من الأزمة المتواصلة، والضغط الدبلوماسي الروسي (كانت روسيا حليفًا قديمًا لصربيا)، والتهديد بغزو ينفذه (الناتو).
انتهت أزمة كوسوفو بنجاح بالنسبة لـ(الناتو) -ولكن ليس بسرعة، وليس بفضل الضربات الدقيقة وحدها. كانت القدرة على الصمود السياسي وإدارة التحالفات عاملَين حاسمين. وفي الحالتين معًا -القصف المكثف في فيتنام؛ والضربات الدقيقة ضد صربيا- أحدثت القوة الجوية صدمة وخلخلة، لكنها لم تحدد النتائج السياسية تلقائيًا. كان ما حدث أن الخصوم وسّعوا نطاق الصراع أو أطالوا أمده بتبنّي استراتيجية التصعيد الأفقي. ويبدو أن إيران تطبق الآن هذا الدرس في منطقة الخليج.
وسائل طهران وغاياتها
يحمل الردّ الإيراني أهدافًا سياسية واضحة. أولًا، تسعى طهران إلى تقويض صورة حصانة الخليج. ثمة مدن، مثل دبي والدوحة، تروّج لنفسها عالميًا بوصفها مراكز آمنة للمال والسياحة والخدمات اللوجستية. ولكن عندما تعطل صفارات الإنذار الصاروخية العمل في مطار دبي الدولي -أحد أكثر مطارات العالم ازدحامًا- فإن الكلفة المعنوية والسمعة الدولية تكون أكبر بكثير من أي ضرر مادي قد تُلحقه إيران. كما أن التقارير عن مقتل عمّال أجانب في الإمارات العربية المتحدة تؤكد أن المدنيين لم يعودوا في مأمن داخل دول الخليج. كما أن مشهد الصواريخ الاعتراضية وهي تنفجر في سماء هذه المراكز التجارية العالمية قد يثير قلق المستثمرين ويدفعهم إلى إعادة حساباتهم.
ثانيًا، رفعت إيران الكلفة السياسية على دول الخليج لاستضافتها القوات الأميركية. من خلال توجيه ضربات قرب قواعد أميركية مثل "قاعدة العديد الجوية" في قطر، و"قاعدة الظفرة الجوية" في الإمارات العربية المتحدة، و"قاعدة الأمير سلطان الجوية" في السعودية، أرادت طهران أن تبعث برسالة واضحة تفيد بأن الاصطفاف مع الولايات المتحدة يعرّض تلك الدول لخطر الاستهداف. وهكذا يجد القادة الخليجيون أنفسهم مضطرين إلى الموازنة بين التزاماتهم التحالفية مع واشنطن وبين الحفاظ على الاستقرار الداخلي والاقتصادي.
ثالثًا، تعمل طهران على صياغة رواية أوسع حول النظام الإقليمي. فمن خلال تصوير عملياتها على أنها ردّ مقاوم لحملة أميركية-إسرائيلية تهدف إلى فرض الهيمنة على المنطقة، تسعى إيران إلى دق إسفين بين قادة دول الخليج وجماهيرهم. وقد يتسع هذا الشرخ بمرور الوقت تبعًا لمدة استمرار الحرب وحدّة تداعياتها.
رابعًا، تستخدم إيران أوراق الضغط الاقتصادية المرتبطة بممرات الطاقة العالمية. ومن المعروف أن قرابة خمس شحنات النفط في العالم تمر عبر مضيق هرمز. وتشير بيانات الشحن الأولية إلى أن حركة الملاحة عبر المضيق انخفضت بنحو 75 في المائة منذ اندلاع الحرب. وحتى لو كان التعطيل جزئيًا -بسبب ضربات صاروخية أو حوادث بحرية أو ارتفاع كلفة التأمين- فإن آثاره تمتد سريعًا إلى الاقتصاد العالمي، حيث تزداد المخاوف من التضخم وتتنامى الضغوط السياسية الداخلية في الولايات المتحدة وأوروبا. واللافت أن تحقيق أي من هذه الأهداف لا يتطلب من إيران انتصارات عسكرية حاسمة في ساحة المعركة؛ بل يكفيها الصمود والاستمرار فحسب.
كلفة الوقت
لا يعني التصعيد الأفقي مجرد توسيع نطاق الأهداف العسكرية، بل إن تأثيره الأعمق يكمن في تغيير إدراك الخصم للمخاطر. في الحروب القصيرة تُقاس المخاطر بعدد الطلعات الجوية ونسب اعتراض الصواريخ. أما في النزاعات الطويلة فتتجاوز المخاطر الميدان العسكري لتطال المجال السياسي. ومع إطالة أمد الحرب تصبح الخيارات أكثر صعوبة وتعقيدًا.
إذا طال أمد هذه الحرب، قد تجد الحكومات الخليجية التي وسّعت بهدوء تعاونها الأمني مع إسرائيل نفسها مضطرة إلى إظهار هذا الاصطفاف بصورة أوضح. وهذه مسألة محفوفة بالمخاطر؛ حيث ما تزال قطاعات واسعة من الرأي العام العربي تعارض بشدة النهج العسكري الإسرائيلي في المنطقة. وكلما طال أمد النزاع أصبح من الأصعب على الحكام الحفاظ على هذا التعاون مع إسرائيل من دون دفع ثمن سياسي داخلي أو المساس بشرعيتهم. وهكذا يضغط التصعيد الأفقي على خطوط التماس الحساسة بين الحكومات ومجتمعاتها.
كما أن حربًا طويلة قد تعيد تشكيل السياسة الأميركية نفسها. ربما تحشد الضربة المفاجئة التي تستهدف "قطع رأس" القيادة المعادية التأييد خلف الرئيس الأميركي مؤقتًا، لكن استطلاعات الرأي تشير مُسبقًا إلى أن غالبية الأميركيين تعارض الحرب حتى بعد أسبوع واحد فقط من اندلاعها. وإذا تحولت المواجهة إلى حرب إقليمية مرهقة تترافق مع ارتفاع أسعار الطاقة وسقوط قتلى أميركيين وغموض الأهداف، فإن القلق الداخلي سيتزايد. ثمة داخل القاعدة السياسية للرئيس دونالد ترامب تيارات واسعة متحفظة تقليديًا تجاه الانخراط العسكري في الشرق الأوسط، وقد اتهمت قادة الولايات المتحدة مرارًا بأنهم يسيرون خلف أجندة إسرائيل. وكلما طال أمد العمليات العسكرية قد تتسع الشقوق داخل قاعدة ترامب السياسية نفسها.
ومن المرجح أيضًا أن تظهر توترات عبر الأطلسي. لطالما كانت الحكومات الأوروبية شديدة التأثر بتقلبات أسعار الطاقة وبضغوط الهجرة. وإذا اختارت واشنطن التصعيد بينما فضلت العواصم الأوروبية احتواء النزاع، فقد تتباعد مواقف الطرفين مع سعي الأوروبيين إلى إبقاء أنفسهم على مسافة من الحرب. وقد أظهرت تجربة حرب كوسوفو أن وحدة التحالفات الغربية تحتاج إلى إدارة سياسية متواصلة. وستجد الولايات المتحدة أن الاستمرار في حملة قصف طويلة الأمد سيكون بالغ الصعوبة إذا قررت الدول الأوروبية تقييد استخدام أراضيها للعمليات اللوجستية أو لطلعات التزود بالوقود.
ثمة بعض المؤشرات المبكرة ظهرت بالفعل. تشعر المملكة المتحدة بقدر من الحرج إزاء السياسة القديمة التي تسمح للطائرات العسكرية الأميركية بتنفيذ عمليات انطلاقًا من القاعدة الواقعة في جزيرة دييغو غارسيا في المحيط الهندي. وفي المقابل، قد تجد واشنطن نفسها مضطرة -مقابل الحصول على دعم أوروبي لحملتها ضد إيران- إلى تقديم التزامات أكبر تجاه الأهداف العسكرية الأوروبية في أوكرانيا. لكنّ مثل هذه الخطوة قد تزيد أيضًا من استياء القاعدة السياسية لحركة "اجعلوا أميركا عظيمة مجددًا" (ماغا) داخل الولايات المتحدة.
في النهاية، تكشف هذه الديناميات أن الزمن نفسه يمكن أن يتحول إلى عامل حاسم في الصراع. حتى لو حافظت الولايات المتحدة على تفوقها العسكري المباشر، فإن اتساع رقعة الحرب وتداعياتها السياسية والاقتصادية قد يغيّر معادلة القوة ببطء -وإنما بثبات. وفي مثل هذه الحروب لا يكون السؤال فقط عمن يملك القوة الأكبر في ساحة القتال، بل من هو الذي يستطيع الصمود أطول في مواجهة الضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يولدها الصراع.
أخيرًا، تضاعف إطالة أمد الحرب التهديدات غير المتكافئة. سوف يجذب صراع ممتد في الخليج على الأرجح فاعلين من غير الدول، وخاصة إذا تورطت قوات برية أميركية -حتى لو بصورة محدودة. وقد تسعى جماعات مسلحة جديدة، أو قائمة مسبقًا، إلى استثمار الغضب الإقليمي عن طريق استهداف قادة يُنظر إليهم بوصفهم مصطفّين علنًا مع العمليات الأميركية. وهكذا يمكن أن تتحول المواجهة التي بدأت كتبادل صاروخي بين دول إلى مشهد أوسع من العنف والاضطراب.
مفترق استراتيجي
إذا كانت استراتيجية إيران تقوم على توسيع نطاق الصراع وتسييسه، فإن الولايات المتحدة تواجه خيارًا حاسمًا. سيكون المسار الأول هو المضي في التصعيد، حيث يمكن لواشنطن تكثيف حملتها الجوية بإدخال مزيد من الأصول الجوية إلى المعركة لقمع قدرات الإطلاق الإيرانية وتهيئة الظروف لفرض سيطرة جوية أوسع ومراقبة مستمرة للأرض. وكما حدث عند فرض مناطق حظر الطيران على العراق في تسعينيات القرن الماضي، فإن مضاعفة الجهد العسكري بهدف استعادة الهيمنة التصعيدية والسيطرة قد تتحول فعليًا إلى استراتيجية احتواء عسكري دائم وعدائي للقدرات الإيرانية -بل إلى نوع من السيطرة الجوية المستمرة على المجال الجوي الإيراني قد يستمر سنوات.
في السابق، أظهر نموذج السيطرة الجوية الممتدة الذي اعتمدته واشنطن ضد العراق في التسعينيات أنه مهّد الطريق في النهاية للغزو البري الأميركي للعراق في العام 2003. ولا يقود الاحتلال الجوي الدائم بالضرورة إلى سيطرة سياسية. ومن دون هذه السيطرة السياسية ستظل إيران قادرة على تهديد المصالح الأميركية بصورة معقولة، خاصة وأن برنامجها النووي سيستمر بشكل أو بآخر. وهكذا يمكن لسياسة تبدو في ظاهرها محدودة أو "مقيدة" أن تفضي في الواقع إلى التزام عسكري أكبر.
أما البديل فهو إنهاء الالتزام العسكري. يمكن لواشنطن أن تعلن أن الأهداف قد "تحققت" ثم تسحب قواتها الجوية والبحرية الضخمة المحتشدة قرب إيران. وعلى المدى القصير، ستواجه إدارة الرئيس دونالد ترامب انتقادات سياسية حادة بدعوى أنها تركت المهمة غير مكتملة. لكن هذه السياسة قد تسمح للإدارة بالانتقال إلى قضايا أخرى، مثل معالجة الاحتياجات الاقتصادية داخل الولايات المتحدة، كما قد تحدّ من التداعيات السياسية السلبية لقرار مهاجمة إيران.
وإذن، يجد ترامب نفسه الآن أمام معضلة صعبة: هل ينبغي أن تتحمل واشنطن كلفة سياسية محدودة وقصيرة الآن، أم أن عليها أن تخاطر بكلفة سياسية أطول وأكثر غموضًا في المستقبل؟ لا يوجد مخرج ذهبي يضمن زيادة المكاسب السياسية لواشنطن. كل خيار متاح الآن ينطوي على كلفة ومخاطر. ربما تكون الضربة الأولى قد عالجت مشكلة تكتيكية، لكنها خلقت مشكلة استراتيجية. وبالنظر إلى هذه الحقائق، قد يكون الخيار الأكثر حكمة هو أن تقبل الولايات المتحدة بخسارة محدودة الآن بدلاً من المجازفة بتراكم خسائر أكبر لاحقًا.
أظهرت الضربات التي قتلت قيادات إيرانية قدرة تكتيكية عالية. لكن التفوق التكتيكي ليس استراتيجية. ويهدف الرد الإيراني -الواسع جغرافيًا، والمربك اقتصاديًا، والمحسوب سياسيًا- إلى إعادة تشكيل بنية الصراع. ومن خلال توسيع مسرح العمليات وإطالة أمد الحرب، تحاول طهران نقل المنافسة من ساحة القدرات العسكرية إلى ساحة القدرة السياسية على الصمود.
كما حدث في حرب فيتنام، ربما تفوز الولايات المتحدة بمعظم الاشتباكات. وكما في صراع حرب كوسوفو، قد تنجح في نهاية المطاف بعد ضغط طويل. لكن الساحة الحاسمة في الحالتين لم تكن صدمة القوة الجوية الأولى، بل السياسة التي رافقت حربًا آخذة في الاتساع.
في الواقع، لم تبدأ المرحلة الحاسمة من هذا الصراع مع الضربة الأولى، وإنما مع الأزمة الإقليمية التي تلتها: تشغيل أنظمة الدفاع الجوي في عواصم عدة؛ وتعليق الرحلات في مطارات كبرى؛ واضطراب الأسواق؛ واحتدام الخلافات داخل التحالفات الدولية. أما ما إذا كان هذا النزاع سيظل مجرد حلقة محدودة أم أنه سيتحول إلى انتكاسة استراتيجية طويلة الأمد للولايات المتحدة، فإن ذلك لا يتوقف على الدفعة التالية من الصواريخ وإنما ما إذا كانت واشنطن ستفهم الاستراتيجية التي يتبعها خصمها -وما إذا كانت سترد عليها باستراتيجية واضحة بالقدر نفسه.
 
*روبرت أ. بابي Robert A. Pape: أستاذ العلوم السياسية ومدير مشروع جامعة شيكاغو للأمن والتهديدات. وهو مؤلف كتاب "القصف من أجل الانتصار: القوة الجوية والإكراه في الحرب" Bombing to Win: Air Power and Coercion in War.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Why Escalation Favors Iran