عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    30-Nov-2025

"تقية" المسمومين!*مكرم أحمد الطراونة

 الغد

يتفق الأردنيون جميعهم على حب رئيس الوزراء الأسبق الشهيد وصفي التل، معللين ذلك بأنه كان وطنيا حقيقيا، أحب الأردن وعمل لصالحه طوال حياته، وهو اتفاق صحيح، غير أنهم، وعلى ما يبدو، يختلفون في حب الأردن نفسه، وهي مفارقة لا يمكن لأي شخص أن يجد حلولا منطقية لها، إلا إذا لجأ إلى محاولة "قراءة النوايا" التي تتخفى وراء هذا الحب "غير الحقيقي"، ودوافع الإعلان عنه في كل مناسبة.
 
 
الخبر الذي نقله الزملاء في موقع "عمون الإخباري"، عن حيثيات ما جرى في الفعالية التي أقيمت بذكرى استشهاد التل، يجعلنا نتوقف طويلا أمام حجم الادعاءات بالانتماء إلى الأردن، وكيفية تفسير المعايير المزدوجة لدى بعضهم، ورفضه لأي كلام "مقبول" عن الأردن.
يقول الخبر إن خلافا حادا وملاسنة أدت لمنع آمن طه التل، وهو ابن شقيق الشهيد، من إكمال الكلمة التي كان من المقرر أن يلقيها، لأن محور كلمته يدور حول ضرورة عدم الإمعان في ذكر النواقص وتجاهل الإيجابيات والتطور الذي يشهده الأردن، غير أن كلمته قوبلت بالمقاطعة، ولم يتسن له إكمالها، لأن المهرجان، بحسب كلامه، كان يراد له أن يكون بمثابة "استعراض ضد الدولة".
نعم، أكرر عبارة آمن التل، فنحن نعاني من متلازمة "جلد الوطن"، ونتسلى بانتقاده وتشويه أي منجز يحققه، لكي نظل دائما حاملين مظلومية كاذبة ندعي فيها المعارضة والنقاء، بينما في حقيقة الأمر نحن لا نعدو أن نكون "فؤوسا" بأيدي الآخرين لهدم الوطن، والتقليل من شأنه وقدرته على البقاء.
خلال أكثر من عامين، تحمل الأردن وزر حملة منظمة ظالمة شنتها جماعات ودول بأيدي مرتزقة، صورت الأردن بأنه السبب الرئيس لما يحصل للغزيين، متناسين أنه لم تكن له يد في قرار الحرب، ولا قرار السلم، وبأنه فعل كل ما في وسعه من أجل حمل قضية الأشقاء الفلسطينيين إلى جميع المنابر العالمية، وشكل جبهة عالمية مناصرة وضاغطة لإنهاء العدوان على غزة، كما دشن جسرا جويا وآخر بريا لتخفيف الظروف المأساوية التي يعيشها الأشقاء في القطاع المنكوب.
ورغم ذلك، لم يرض المرضى بكره الأردن والحقد عليه من كل ذلك، وطالبوا الأردن بالمزيد، وبأن يعلن حربا ضد إسرائيل، متناسين أيضا، أن الأردن لم يعلن نفسه في أي يوم بأنه جبهة ثورية، وأن هناك غيره من الجهات التي كانت تدعي بأنها في حاجة إلى فرصة واحدة من أجل أن تزيل إسرائيل عن الوجود. لكن الأردن لم يدّع ذلك أبدا، فلماذا يتم تحميله هذا الوزر، بينما تتم "تبرئة" الآخرين أصحاب الأصوات العالية من هذا الأمر؟!
لقد ظلت سردية الآخر تجاه الأردن تحيله إلى كيان هش مؤقت غير قابل للحياة، ورغم مرور أكثر من مائة عام على تأسيسه، إلا أن الأنفس المريضة، ما تزال تنظر إليه من نفس الزاوية، متناسية أنه اجتاز ظروفا عسيرة، وامتحانات قاسية، فشل فيها كثيرون، ورغم ذلك ظل على مبادئه، ولم يتاجر بأي منها، كما لم يزاود على أحد فيها. لكن هذه السردية، وللأسف، تبناها كثير من أبناء الأردن الذين "التزموا" بأن يكونوا أداة للتخريب بدلا من الإعمار!
لقد جهر كثير من "المنظرين" والسياسيين والأيديولوجيين، وخلال أزمنة مختلفة، بجواز تخريب الأردن وتدميره إذا كان الأمر يصب في مصلحة سورية أو لبنان أو فلسطين أو أي بلد آخر، فالأردن، في نظرهم، كيان هامشي لا قيمة له، ولا لشعبه الذي دفع ضريبة عالية من دمه وقوته بسبب التزامه القومي تجاه جميع قضايا أمته.
إن سياقات السرديات تجاه الأردن، وأيضا، ما جرى في حفل ذكرى استشهاد وصفي التل، يؤشر إلى أن هناك نسبة بيننا يلجأون إلى استخدام "تقيّة" مسمومة، تضر بالوطن، وتعمل بهمة وبلا كلل من أجل نخر نسيجه المجتمعي، من أجل أن يظل دائما قابلا للانقسام والتفتت، وهي أمنية بعيدة عن منالهم.
حمى الله الأردن من أولئك المسمومين!