التوبيخ العلني.. "تدمير نفسي" للطفل تحت غطاء التربية
الغد- رشا كناكرية
التوبيخ، أو الصراخ، أو توجيه العقاب للأبناء أمام عيون الآخرين، فعل يقدم عليه بعض أولياء الأمور عند صدور تصرف خاطئ من أبنائهم، إذ يحاسبونهم عبر "توبيخ علني"، باعتقاد منهم أنها طريقة فعالة بالتربية، متناسين بذلك الأثر النفسي الكبير الذي سيتركه هذا السلوك على الأبناء.
في أحيان كثيرة، يتحول العقاب إلى صدمة لا تنسى، وقد يخرج تفريغ غضب الآباء التربية عن مسارها الصحيح، ليغدو محاولة فاشلة لتصحيح الخطأ، فبدلا من حل المشكلة، يخلقون أخرى دون إدراك منهم.
واليوم، انتقلت معاقبة الطفل ومحاولة تهذيبه من أمام أعين الناس إلى أمام أعين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، إذ يقدم بعض الآباء على تصوير أطفالهم أثناء توبيخهم ومعاقبتهم، ليصبح التوبيخ "علنيا ورقميا".
جيل أطفال اليوم أكثر حساسية، ويعلمون حقوقهم جيدا، كما يدركون تماما أن ذاكرة الإنترنت لا تنسى، وأن هذا التوبيخ سيبقى عالقا في ذاكرتهم وذاكرة الإنترنت معا، الأمر الذي قد يشعرهم بالخجل الاجتماعي والعزلة، ويؤثر في علاقتهم الأسرية، ويترك اثرا كبيرا على المدى البعيد.
جروح نفسية تتشكل بالطفولة
ضحكة حزينة ارتسمت على وجه محمد "اسم مستعار" عندما تذكر طفولته، حيث عاش مع والده بعض اللحظات الصعبة التي لا تمحى من ذاكرته، بحسب قوله.
وبين محمد أنه عندما كان يرتكب خطأ في صغره، كان أكثر ما يحزنه صراخ والده عليه أمام أصدقائه أو أقاربه، الأمر الذي كان يدمر نفسيته، ويقول: "بوقتها كنت أتمنى تنشق الأرض وتبلعني من الإحراج".
ويذكر محمد أنه، بالرغم من تقدمه في العمر ووصوله إلى مرحلة المراهقة، إلا أن والده كان ما يزال يفعل ذلك معه، وفي النهاية لم يجد نفسه إلا وقد انفجر بالصراخ والغضب.
ويتابع أنه أخبر والده وقتها أنه إذا استمر بالصراخ عليه فسيستمر في الخطأ، وأنه إذا كان يريد تربيته فعليه ألا يحرجه أمام أصدقائه، ويقول: "حكيتله يابا بدك تبهدلني وتصرخ صرخ، بس بيني وبينك، مش قدام الناس".
ويشير محمد إلى أن هذه الندبة ما تزال ترافقه حتى اليوم، لذلك يحرص على ألا يفعل ذلك مع أبنائه، لأنه لا يريد لهم أن يعيشوا ما عاشه.
أما مريم "اسم مستعار"، فتقول إن تهذيب والدتها لها أمام الآخرين زعزع ثقتها بنفسها، مبينة أنها كانت تحرص على أن تكون مهذبة أمام الآخرين، وأن الخطأ الصغير منها كان يظهر وكأنه خطأ كبير.
وتذكر مريم أنها، بسبب توبيخ والدتها لها أمام الآخرين، كانت تتجنب التجمعات، ما أضعف شخصيتها مع الوقت وجعلها تنعزل عن الآخرين.
وتؤكد مريم أنها تدرك تماما الأثر النفسي الكبير الذي يتركه التوبيخ العلني على الأطفال، لذلك تمتنع عن الصراخ على أطفالها، وتحاول تصحيح سلوكهم بالحوار معهم بشكل خاص بينها وبينهم، لبناء شخصية قوية وسلوكيات سليمة لديهم.
التوبيخ العلني وتدني احترام الذات
المتخصصة في الإرشاد النفسي والتربوي في الجامعة الهاشمية الدكتورة سعاد غيث، بينت أن هنالك فرقا شاسعا بين التوجيه التربوي الصحيح وبين التوبيخ العلني أمام الآخرين.
وتوضح أن التوجيه التربوي الصحيح يركز على السلوك ويهدف إلى التعليم، بمعنى تعليم الطفل ما الذي حدث؟ ما البديل؟ ما العواقب المنطقية من هذا السلوك؟ ويتم ذلك بطريقة تحفظ كرامة الطفل وبنبره هادئة أو معتدلة بعيدا عن الإهانة.
بينما التوبيخ العلني فهو يتسبب بشعور الإهانة والعار أمام الآخرين بحسب غيث، مبينة انه غالبا ما بيكون مصحوب بصراخ، صوت مرتفع، تهديد وانفعال، وغالبا يوصل رسالة ضمنيه "أنت سيئ أو أنت شخص يجب أن تخجل من نفسك"، بدلا من ايصال رسالة أن هذا السلوك غير مقبول.
وتشير غيث إلى أن التوجيه التربوي الصحيح فعال ولكن التوبيخ أمام الآخرين غير فعال، اذ إن فعاليته قد تكون لحظية بمعنى أنه يوقف السلوك الخاطئ لحظيا بسبب الخوف وسلطة الكبار، لكنه تربويا ونفسيا غير فعال على المدى البعيد.
تزويد الطفل بأدوات تساعد بتفادي الوقوع بالخطأ
وتوضح غيث انه يبني عند الطفل الامتثال الإجباري القهري وهذا لا يساعده على تطوير الضبط الذاتي، اذ يصبح لديه "self-regulation ،self-contrl"، وهذا يجعل الطفل يقوم بسلوكات غير مقبولة مثل العناد، التمرد، الكذب أو الانسحاب وغالبا هذا الأسلوب لا يطور ثقة بالذات، اعتداد بالنفس او شعور بالاحترام الذات.
وتبين أن المشكلة تتضاعف في الفضاء الرقمي لأن هذا الأذى قد يكون دائم فالقاعدة "ما هو على الانترنت يبقى على الانترنت" اي متداول وخارج سيطرة الطفل.
ووفق غيث، عندما يرتكب الطفل سلوك خاطئ أمام الآخرين وحدوث تربية لحظية موقفية والحقيقة هذه ليست تربية، مؤكدة أن الطفل يتربى كل يوم بيومه من خلال تفاعله المباشر مع عائلته وتوجيهاتهم و النموذج الذي يقدمونه له من خلال القصة، القراءة والحوار بمعنى انهم يربونه طوال الوقت.
وتشدد غيث انه عندما يخطئ الطفل علينا ان نعلمه اين الخطأ وطرق تفاديه وليس فقط ان نحكم عليه انه أخطأ، وتزويده بطرق أدوات ومهارات لتفادي الوقوع بالخطأ والتصرف بشكل صحيح.
وتضيف ان هنالك بدائل عملية مثل الاتفاق على كلمة سر أو إشارة بينهم وبين الطفل مثل نظرة او كلمة معينة أنه أنت فعلت سلوك خطأ عليك إيقاف، كما يمكن إبعاد الطفل لمكان جانبا والحديث معه بشكل مختصر.
وعلى الطفل ان يتحمل مسؤولية سلوكه الخاطئ وعواقب منطقية مرتبطة بسلوكه، فإذا كسر لعبة عليه أن يشارك بإصلاحها أو يتوقف عن استخدامها لفترة بمعنى مسؤولية على السلوك.
وتذكر غيث ان هنالك قاعدة ذهبية رقمية مهمة وهي أنه لا تصوير ولا نشر ولا مشاركة لعقاب الطفل أو لبكائه أو استيائه أو تصرفه الخاطئ عبر الانترنت، مؤكدة بذلك ان هذه ليست تربية أبدا بل انتهاك خصوصية وقد يترك أثرا نفسيا طويل الأمد فقد يتعرض لتنمر وسخرية وعواقب وخيمة.
الطفل يحتاج لملاذ آمن
وتشير غيث إلى أن هذا قد يخلق نتائج متوقعة منها التعلق والرابطة الآمنة، بمعنى التعلق الآمن بالأب أو بالأم يتم إضعافه، موضحة ان الطفل يحتاج ملاذا آمنا له، والصراخ والإحراج يفعلان العكس ويجعلان الأب أو الأم مصدر تهديد، فالنتيجة أن الطفل يبتعد عنهم عاطفيا أو يتعلق فيهم تعلق قلق.
وتشير غيث الى ان الطفل يصبح لديه شعور بالعار والخزي وبعدها يصبح همه صورته أمام الآخرين لا سلوكه الصحيح، والتربية الإيجابية والفعالة لا تبنى من خلال اثارة الخوف عند الطفل وتهذيبه واهانته أمام الآخرين بل تبنى من خلال حفظ كرامة الطفل ووضع حدود واضحة حتى انه يعمل ضمنها وما يتعداها وبعواقب.
وتقول غيث "على الطفل ان يتحمل مسؤولية ويتعلم من اخطائه، ويجب أن نكون مساندين له لا أن نصطاد الأخطاء ونوبخه بعدها.
الاختصاصية النفسية أسماء طوقان تلفت إلى أن توبيخ الطفل العلني يؤثر على شخصيته ويضعف من نظرته لذاته ويكوّن صورة سلبية عنها، موضحة أنه يرى نفسه شخصا فاشلا وأقل من الآخرين حيث تضعف ثقته بنفسه ويتجنب التعبير عن رأيه أو المبادرة خوفا من الإحراج.
وتشير طوقان الى أنه يصبح شديد الحساسية للنقد ويزيد لديه القلق الاجتماعي والشعور بالخجل، الخوف والتوتر من تقييم الآخرين فيتجنب التفاعل مع الآخرين ويصبح انعزاليا.
"العدوانية والعنف" نتيجة طبيعية لسلوك الطفل
ووفق طوقان فإنه قد يظهر لديه سلوك آخر كرد فعل عكسي تجاه التوبيخ كالعدوانية، العنف، الصراخ، التمرد، العناد والمبالغة في التحدي مما يؤثر أيضا بشكل سلبي على علاقاته بالآخرين في المستقبل.
وتذكر طوقان أن توبيخ الطفل علنا وتكرار هذا السلوك يجعله يشعر بعدم الأمان والعجز أمام الآخرين، خاصة عندما يكون هنالك نوع من الاهانات او السخرية او تقليل شأن الذات وقد يتحول الى تجارب نفسية مؤلمة أو صدمات نفسية لشدة الألم الذي تعرض له علنا.
وتذهب إلى أنه اكثر خطورة وضرر على نفسية الطفل اذ كانت عبر منصات التواصل الاجتماعي لانه يضاعف الشعور بالخجل والعار بسبب فضيحته امام المتابعين والحزن والتوتر ويجعلها تجربة أليمة مستمرة بالنسبة له بسبب انتشارها ويصعب نسيانها.
وتضيف طوقان أنها قد تؤدي الى ظهور اضطرابات سلوكية ونفسية للطفل مثل العدوانية، اضطراب السلوك، الاكتئاب، القلق واضطرابات في النوم والطعام والانسحاب الاجتماعي وصعوبة ضبط الانفعالات بالاضافة الى تدني تقدير الذات وصعوبة بناء علاقات صحية.
جيل اليوم أكثر وعيا بقيمتهم الشخصية
وتنوه طوقان إلى أن بعض الأطفال يرتدون أقنعة سلوكية قوية لإخفاء شعورهم بالألم والبعض الآخر يعيشونه بصمت وكبت داخلي عميق لا يلاحظه الآخرون المحيطون بهم.
وتذكر طوقان أن أطفال جيل اليوم اكثر وعيا بقيمتهم الشخصية وأكثر انفتاحا على حقوقهم واكثر حساسية لنظرة الآخرين لهم مما يجعل التوبيخ مؤلما لهم بشكل اكبر من الأجيال السابقة حيث يصبح الأثر النفسي مضاعفا.
وذلك لأن الموقف لم يعد لحظة وينتهي بل تجربة تبقى عالقة في ذهنه وعند الآخرين لوجود ذاكرة الانترنت التي لا تنسى مما تجعله يشعر أن صورته قد تشوهت ولا يمكنه إصلاحها، وذلك يعزز القلق لديه والخوف من التجربة والخطأ كما يضعف ثقته بنفسه.
وتنصح طوقان الأهل والمربين بأن الأسلوب الذي تتبعه في تصحيح الخطأ لا يقل أهمية عن الخطأ نفسه فعند وقوع الخطأ فالتربية تقوم على حفظ الكرامة قبل تعديل السلوك.
وتشدد على فكرة معالجة السلوك على انفراد والابتعاد عن التوبيخ العلني والنشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، الى جانب التركيز على السلوك وليس على شخصية الطفل واستخدام لغة حوار هادئة ومنحه فرصة للفهم والتعلم.
وتختم طوقان حديثها مؤكدة أن الطفل الذي يشعر بالأمان يتعلم بشكل أفضل وينمو نفسيا بشكل صحي واكثر استقرارا، فبناء الانسان من الداخل افضل من كسره من الخارج والخطأ جزء طبيعي من النمو النفسي والسلوكي.