مجلس السلام بشأن غزة.. هل يعيد إعمار القطاع المدمر؟
الغد-محمد الكيالي
استضافت واشنطن أمس اجتماعا لمجلس السلام، كشف عن تعهد الدول الأعضاء بتقديم أكثر من 5 مليارات دولار لدعم جهود إعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية في قطاع غزة.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت، إن الدول المشاركة التزمت أيضا بتوفير آلاف الأفراد لتشكيل قوة دولية لتحقيق الاستقرار في القطاع.
وكان مجلس السلام قد أُنشئ برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في البداية للإشراف على الهدنة بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية "حماس" ومتابعة عملية إعادة الإعمار، لكنه سرعان ما تحول إلى هيئة ذات طموحات أوسع تسعى لمعالجة النزاعات الدولية كافة، وهو ما أثار مخاوف من أن يكون الهدف تقويض دور الأمم المتحدة.
وعند الإعلان عن تأسيس المجلس في كانون الثاني (يناير) الماضي، كشف ترامب عن خطة لإنشاء "المجلس التنفيذي لغزة" ليعمل تحت مظلة مجلس السلام.
ومنذ إطلاق المجلس خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، وقّعت ما لا يقل عن 19 دولة على الميثاق التأسيسي في خطوة تعكس اتساع دائرة الدعم للمبادرة رغم الجدل الذي
يحيط بها.
وأفادت صحيفة "فاينانشال تايمز" الأميركية أمس، نقلا عن مصادر مطلعة، أنّ بنك "جيه.بي مورغان" يُجري محادثات لتقديم خدمات مصرفية إلى "مجلس السلام" الذي تقوده أميركا، وهو مؤسسة مكلفة بإعادة إعمار غزة.
كل ذلك، طرح تساؤلات من بينها ماذا يمكن أن يقدم المجلس لغزة خصوصا بعد جمعه 5 مليارات دولار بحجة إعادة إعمار القطاع.
ترامب يسعى لتسويق وقف الحرب كإنجاز شخصي
وفي هذا السياق، أكد أستاذ علم الاجتماع السياسي د. بدر الماضي، أن الاجتماع المتعلق بقطاع غزة والذي انعقد في نيويورك وواشنطن يشكل نقطة تحول مهمة في مسار القضية الفلسطينية، مشيرا إلى أن هذا الاجتماع يُسجل بالدرجة الأولى لصالح الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يسعى لتحقيق مكاسب شخصية وسياسية من خلاله.
وأوضح أن ترامب يحاول أن يظهر بمظهر من أوقف الحرب الإسرائيلية على غزة ولو إعلاميا، وأنه يسعى لتسويق هذا الإنجاز باعتباره ثمرة جهوده المباشرة، وهو ما يفسر حرصه على عقد اجتماع رسمي يجمع الأطراف المعنية بالملف الفلسطيني.
وأضاف إن وقف المجازر التي ارتُكبت بحق سكان القطاع لم يكن ليتحقق بهذا الشكل لولا تدخل ترامب، رغم أن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو لم يكن راغبا بالوصول إلى مثل هذه النتائج، حيث كان يفضل إبقاء الأمور في دائرة التعقيد وعدم الحل.
وبين أن الاجتماع يمثل ضغطا كبيرا على نتنياهو وحكومته، إذ لم يعد أمامهم خيار سوى الالتزام بالحد الأدنى من متطلبات المجتمع الدولي والدول المانحة التي تعهدت بتقديم مساعدات لإعادة إعمار غزة.
وأكد أن هذا التطور يحمل أهمية بالغة للفلسطينيين، بخاصة فيما يتعلق بترميم ما دمره الاحتلال وإعادة بناء القطاعات الحيوية كالصحة والتعليم.
وأشار إلى أن من أبرز النتائج المتوقعة للاجتماع دخول الإدارة الجديدة إلى غزة لبدء وضع خطط لإدارة القطاع، سواء في مجال الإعمار أو الخدمات الأساسية.
ولفت إلى أن فكرة تشكيل قوة دولية لم تعد مجرد طرح نظري، بل تحولت إلى واقع مع استعداد عدد من الدول لإرسال قوات إلى القطاع، ما يشكل ضغطا إضافيا على حركة حماس، في ظل الإصرار الأميركي والإسرائيلي والدولي على نزع سلاحها.
وأضاف، إن إسرائيل كانت تستخدم قضية سلاح حماس كذريعة سياسية وعسكرية، رغم أن الحركة لا تمتلك أسلحة ثقيلة وإنما أسلحة فردية محدودة، وهو ما بدأ يتكشف اليوم بشكل أوضح.
وأكد أن الاجتماع يمهد للانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب، الأمر الذي قد يمنح سكان غزة شعورا نسبيا بالاطمئنان، مشددا في الوقت ذاته على أن المرحلة المقبلة ستكون صعبة ومعقدة، مليئة بالتساؤلات أكثر من الحلول ولا يمكن النظر إليها على أنها نهاية للأزمة أو بداية لمرحلة وردية.
تحديات سياسية قائمة
فيما أكد الخبير الأمني والإستراتيجي د.عمر الرداد، إن الإنجازات التي يروج لها مجلس السلام وفي مقدمتها جمع 5 مليارات دولار لإعادة إعمار غزة بما يشمل البنى التحتية المدمرة، ما تزال محاطة بهالة إعلامية تتسم بالمبالغة، في وقت تواجه فيه جهود السلام عقبات جوهرية لم تُذلل بعد.
وأوضح أن مواقف نتنياهو تمثل عقبة رئيسة أمام رؤية المجلس، سواء فيما يتعلق بملف القوة الدولية، أو قضية نزع سلاح حركة حماس، أو تحديد دور السلطة الفلسطينية في غزة.
وأضاف، إن الأهداف الإستراتيجية الإسرائيلية ما تزال قائمة، وفي مقدمتها التهجير وفصل القطاع عن الضفة الغربية والقدس.
وأشار إلى أن جوهر فكرة مجلس السلام يقوم على تحويل قضية غزة من كونها قضية احتلال وتحرر إلى مجرد قضية مساعدات إنسانية، لافتا إلى أن الحديث عن مشاريع الإعمار يتركز في ما يُسمى "غزة الشرقية" وهي المنطقة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية وفق مقاربة تقسيم القطاع إلى شرقية وغربية.
ومع ذلك، شدد على أن هذه العقبات لا تعني بالضرورة فشل المجلس في تحقيق أهدافه، حيث يحظى بدعم مباشر من ترامب إضافة إلى تأييد إقليمي وعربي وإسلامي واسع، وهو ما يمنحه قوة دفع قد تعزز فرص نجاحه.
وأكد أن المجلس يستجيب لمطالب إنهاء معاناة سكان غزة وفي الوقت ذاته ينسجم إلى حد كبير مع المطالب الإسرائيلية.
أموال لإبقاء المشروع قائما
بدوره، أكد الباحث بالشأن الإسرائيلي عصمت منصور، أن الأولوية التي يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتحقيقها عبر مجلس السلام تتمثل في جمع الأموال.
وأشار، إلى أن هذه المبالغ لا تبدو مخصصة فعليا لإعادة إعمار غزة، حيث إن الإعمار الحقيقي يتطلب مبالغ أكبر بكثير إضافة إلى انسحاب إسرائيلي كامل ووجود جهة فلسطينية قادرة على إدارة القطاع بشكل شامل، وهو ما لا يتوفر حاليا بسبب عدم حسم مسألة حكم حركة حماس وسلاحها.
وقال إن الأموال التي جُمعت ستُوجه في الأساس لإبقاء المشروع قائما، عبر تمويل اللجان الإدارية والقوات المزمع تشكيلها والمشاريع المرتبطة بهذه الأطر، مؤكدا أن ما قد يُنفذ من عمليات إعمار لن يتجاوز نماذج محدودة أو تحسينات جزئية، وليس إعادة إعمار حقيقية.
وأضاف، أن ترامب يسعى عبر هذه الخطوة إلى تعزيز الركائز التي يقوم عليها مشروعه، سواء عبر المؤسسات والأطر العسكرية التي أنشأها أو عبر مجلس السلام واللجان التابعة له وضمان استمرار تمويلها بما يتيح له الانطلاق لاحقا في تنفيذ خطته.