الغد
لم يكن الأردن، منذ نشأته، دولة تنعم بالرفاه السياسي أو الاقتصادي، ولم يمتلك الموارد الطبيعية التي تضمن له الاستقرار في محيط إقليمي معقد، تتشابك فيه الصراعات، وتتعاقب الأزمات، وتطفو الحروب والانقسامات، وتسقط فيه الأنظمة. ومع ذلك، استطاع الأردن، عبر عقود طويلة من العمل الجاد والمثابرة، أن يحافظ على استمرارية الدولة، وأن يؤسس نموذجاً نسبياً من الاستقرار في منطقة غارقة في الفوضى والانهيارات والاضطرابات والحروب.
هذا الاستقرار لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج رؤية سياسية واعية، قادرة على الموازنة بين متطلبات الداخل وتشابكات الإقليم، ووعي شعبي بأهمية الدولة كمظلة جامعة وحامية لمصالح الوطن والمواطنين، رغم ما شاب التجربة من بعض التحديات والإخفاقات.
غير أن الأحداث الأخيرة في غزة تحمل درساً سياسياً بالغ الأهمية. فالأردن لم يقصر في دعم الجهود الإنسانية والسياسية خلال الحرب، وكان في مقدمة الدول الساعية لتخفيف المعاناة، والحفاظ على التهدئة، والعمل على إدخال المساعدات ودعم الجهد الإنساني. إلا أن وقف الحرب شكلياً، مع استمرار الخروقات وإطلاق النار، وتحويل الاتفاقات إلى نصوص غير مطبقة، يشكل تحذيراً صارخاً لكل دولة تسعى إلى حماية استقرارها الداخلي في هذا الإقليم المضطرب. فالانشغال بالملفات الإقليمية على حساب الداخل لا يمكن أن يستمر دون كلفة مباشرة على الدولة والمجتمع.
لقد تحمل الأردن، خلال السنوات الماضية، تبعات أزمات لم يكن طرفاً في صناعتها، من موجات لجوء متتالية أثقلت كاهل البنية الديمغرافية، إلى ضغوط اقتصادية متزايدة على سوق العمل والخدمات والبنية التحتية. ومع ما يشهده الإقليم اليوم من بوادر هدوء نسبي في بعض ساحاته، فإن الوقت لم يعد يسمح باستمرار السياسات التقليدية أو اعتبار الانشغال الإقليمي مبرراً لتأجيل معالجة الملفات الداخلية.
المواطن الأردني اليوم لم يعد قادراً على الانتظار أكثر. الأزمات الاقتصادية والاجتماعية تراكمت، والثقة بالنخب السياسية والإدارية تآكلت، والمطلوب نتائج ملموسة، لا شعارات، ولا بيانات عامة، ولا محاولات متكررة لترحيل الأزمات.
سياسياً، باتت الحاجة ملحة لإعادة النظر جذرياً في آليات إنتاج النخب القادرة على قيادة المشهد، وإعادة بناء المؤسسات لتكون أدوات فعل لا منصات ترويج و منافع، فالنخب التقليدية، التي غلب على بعضها منطق المصالح الشخصية أو الفئوية، لم تعد قادرة على تلبية تطلعات المجتمع، بينما يطالب المواطن بكفاءات جديدة، بروح شبابية، وقدرة حقيقية على إدارة الأزمات، وسيادة القانون وتعزيز الحريات، في ظل تطور تكنولوجي متسارع، وانتشار واسع للمعلومة، وارتفاع مستوى الوعي العام وخاصة لدى الشباب.
اقتصادياً، التحديات أكثر وضوحاً وخطورة. معدلات البطالة، خاصة بين الشباب، تجاوزت حدوداً غير مقبولة، ما يشكل تهديداً اجتماعياً وسياسياً طويل الأمد. إن استمرار هذا الواقع يفاقم الهشاشة الاقتصادية، ويضعف قدرة الدولة على تحويل الاستقرار السياسي إلى تنمية حقيقية وتحسين ملموس في مستوى معيشة المواطن. المطلوب إذا سياسات عملية قابلة للتنفيذ، تركز على تحريك سوق العمل، وخلق فرص عمل حقيقية، وجذب استثمارات فاعلة، وإصلاح التشريعات المرتبطة بالاستثمار والضرائب، بما يحقق توازنا عادلا بين حق الدولة وحق المواطن والمستثمر.
إدارياً، لم يعد الإصلاح مسؤولية الحكومات وحدها، بل مسؤولية مجتمعية شاملة. فترسيخ ثقافة العمل العام، وتعزيز قيم النزاهة والإنتاجية، يبدأ من الموظف نفسه، الذي يجب أن يدرك أن الوظيفة العامة تكليف ومسؤولية، لا امتيازا. والإدارة الفاعلة لا تبنى بالقوانين وحدها، بل بعقول وسلوكيات ملتزمة، مع ضمان المسؤولية ومعاقبة المقصر ، في وقت يشهد فيه المواطن ترهلاً إدارياً واضحاً في العديد من مرافق الدولة.
إن استمرار الاضطراب في الإقليم ليس بعيدا عن الأردن أو عن استقراره الداخلي. وهو رسالة واضحة بأن أي دولة، مهما بلغت درجة توازنها، لا تستطيع تجاهل الداخل ومشاكله وأزماته. فالسياسة الخارجية لا يجب أن تكون مبرراً لتأجيل الملفات الوطنية الداخلية، لأن سيادة القانون، والمشاركة الحقيقية في صنع القرار، وحماية الهوية الوطنية والتنمية، والعدالة الاجتماعية والاقتصادية، هي ركائز الدولة القوية، ولا يمكن فصلها عن بعضها.
اليوم يقف الأردن أمام استدارة جادة نحو الداخل، وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية، واستثمار الاستقرار الإقليمي النسبي لصالح الإصلاح والتنمية، وهذا هو السبيل الوحيد لحماية الدولة ومكتسباتها، وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الخارجية، فالاستدارة إلى الداخل لم تعد خيارًا.. بل ضرورة وطنية.