عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    14-Apr-2026

من ضجيج الأخبار لهدوء الطبيعة والأشجار.. رحلة تعيد التوازن الداخلي

 الغد-رؤى أيمن دويري

 مع أول نسمات الربيع، وبعد شتاء طويل مثقل بالأخبار الصعبة والضغوط اليومية، يبدأ الناس بالبحث عن شيء بسيط يعيد التوازن إلى داخلهم. ليس بالضرورة سفرا بعيدا أو تكلفة عالية، بل مساحة خضراء، شجرة مزهرة، أو مشهدا طبيعيا يفتح النفس. وكأن الطبيعة، بكل بساطتها، تقدم علاجا صامتا يعيد ترتيب الفوضى الداخلية للإنسان.
الخبير النفسي الدكتور رضوان بني مصطفى يبين أن الإنسان يميل بشكل تلقائي إلى الطبيعة عند الشعور بالضغط النفسي، باعتبارها متاحة للجميع ومجانية، وتشكل ملاذا بسيطا وسريعا للتخفيف من التوتر. ويضيف أن الناس يختلفون في طرق التكيف، فالبعض قد يلجأ أيضا إلى الأصدقاء أو الموسيقى أو ممارسة الرياضة، إلا أن الطبيعة تبقى خيارا شائعا وسهل الوصول.
في حين يوضح الخبير النفسي الدكتور عبدالرحمن مزهر أن لجوء الإنسان إلى الطبيعة عند الشعور بالضغط ليس سلوكا عشوائيا، بل هو جزء من تكوينه البيولوجي، حيث يعرف هذا الميل بمفهوم Biophilia أو "الانجذاب الحيوي". فالإنسان مبرمج فطريا على الارتباط بالطبيعة باعتبارها بيئة آمنة، لذلك يفسرها الدماغ كمساحة مريحة تقل فيها التهديدات، ما ينعكس مباشرة على شعور الفرد بالطمأنينة.
الهروب الآمن واستراحة يلتقطها الإنسان
في ظل حالة الإرباك والقلق التي فرضتها الظروف الإقليمية مؤخرا، لم يعد الضغط النفسي مجرد شعور عابر، بل حالة يومية يعيشها كثيرون بين متابعة الأخبار الثقيلة وضيق المساحات. هذا التراكم المستمر خلق حاجة حقيقية لما يمكن وصفه بـ "الهروب الآمن"، ليس هروبا من الواقع بقدر ما هو استراحة منه، مساحة قصيرة يلتقط فيها الإنسان أنفاسه ويعيد توازنه الداخلي.
هذا النوع من الهروب لا يرتبط بالإنكار أو التجاهل، بل هو محاولة واعية لحماية النفس من الاستنزاف. فالعقل البشري، مهما كان قويا، يحتاج إلى فواصل زمنية يبتعد فيها عن مصادر التوتر ليتمكن من الاستمرار دون إنهاك. وهنا تبرز الطبيعة كخيار فطري يلجأ إليه الإنسان دون تخطيط، وكأن هناك ذاكرة داخلية تدله عليها.
ويوضح بني مصطفى أن التعرض المستمر للأخبار السلبية يعد مصدرا رئيسيا للقلق والتوتر، مشيرا إلى أن تأثيرها يختلف من شخص لآخر، لكنه قد يتفاقم مع الوقت ليصل إلى الاكتئاب، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون أصلا من القلق النفسي. لذلك ينصح بالتقليل من متابعة الصور والأخبار المزعجة لما لها من تأثير مباشر على الصحة النفسية والعامة.
في المقابل، فإن التعرض المستمر والمتكرر للأخبار السلبية يؤدي إلى آثار نفسية مرهقة، حيث يرفع مستويات القلق والتوتر ويولد شعورا بالعجز والاستنزاف الذهني. ويرتبط ذلك بكون الدماغ لا يميز بشكل كامل بين الخطر الحقيقي والمشاهد المتكررة، ما يبقيه في حالة استنفار دائم.
الانخراط في بيئات مبهجة مثل الطبيعة
الطبيعة تقدم هذا "الملاذ المؤقت" بطريقة بسيطة لا تضغط على الإنسان ولا تطلب منه جهدا إضافيا. مجرد الجلوس في مكان مفتوح، مراقبة حركة الأشجار، أو السير بين مساحات خضراء، كفيل بإحداث تحول تدريجي في الإحساس الداخلي. يخف الضجيج وتتباطأ وتيرة الأفكار.
ويشير بني مصطفى إلى أن الدماغ يتفاعل إيجابيا مع المشاهد الطبيعية الجميلة، حيث يؤدي التعرض لها إلى زيادة إفراز هرموني الدوبامين والسيروتونين، وهما المسؤولان عن الشعور بالسعادة والراحة. كما أن الانخراط في بيئات مبهجة، مثل الطبيعة أو حتى مشاهدة الصور واللوحات الجميلة، يساهم في تحسين المزاج وتعزيز الشعور العام بالرفاه.
وبحسب مزهر؛ عند التعرض لمشاهد طبيعية هادئة، تحدث مجموعة من التغيرات في الدماغ، إذ ينخفض النشاط في المناطق المسؤولة عن الخوف والتوتر، مثل اللوزة الدماغية، في مقابل زيادة النشاط في المناطق المرتبطة بالتركيز والاسترخاء. كما يتحسن إفراز النواقل العصبية، وعلى رأسها الدوبامين، الذي يلعب دورا أساسيا في تحسين المزاج وتعزيز الشعور بالرضا.
اللافت أن هذا التأثير لا يأتي من حدث كبير، بل من تفاصيل صغيرة. لون أخضر ممتد، ضوء شمس دافئ، صوت طيور، أو حتى نسمة هواء. هذه العناصر تعمل معا لتعيد ضبط الحواس وتخلق حالة من التوازن بين الداخل والخارج، وكأن الإنسان يستعيد انسجامه الطبيعي الذي فقده تحت ضغط الأيام.
 الشعور بالهدوء والاسترخاء بالهواء الطلق 
ومع تكرار هذه التجربة، تتحول الطبيعة من خيار مؤقت إلى وسيلة حقيقية للحفاظ على الصحة النفسية. هي لا تغير الواقع الخارجي، لكنها تمنح الإنسان قدرة أفضل على التعامل معه بهدوء ومرونة. وهذا ما يحتاجه كثيرون اليوم، ليس الهروب الكامل بل لحظات كافية تمنعهم من الغرق.
ويؤكد بني مصطفى أن التعرض للأشياء المفرحة، وعلى رأسها الطبيعة، يساعد في تقليل إفراز هرمون التوتر (الكورتيزول)، الأمر الذي ينعكس إيجابا على الصحة العامة ويحسن القدرة على التركيز. ويرى أن الألوان الطبيعية، مثل الخضرة والزهور، تلعب دورا مهما في هذا السياق، لما تتركه من أثر مهدئ على النفس.
وتدعم الدراسات العلمية فكرة أن التواجد في الطبيعة يسهم في خفض مستويات الكورتيزول، وهو الهرمون المسؤول عن التوتر، ما يعزز الشعور بالهدوء والاسترخاء. كما أن التعرض للهواء الطلق والضوء الطبيعي يساعد في تنظيم الساعة البيولوجية، وتحسين جودة النوم، ودعم توازن الجهاز العصبي، وبالتالي تقليل مستويات التوتر.
فلا يقتصر تأثير الطبيعة على منح شعور سريع بالراحة، بل يصل إلى تغيرات فعلية داخل الجسم والدماغ. التعرض للمساحات الخضراء ينشط الجهاز العصبي المسؤول عن تهدئة الجسم بعد التوتر، ما يساعد على إبطاء نبضات القلب وتحسين التنفس بشكل طبيعي. هذا يعني أن الإنسان لا يشعر فقط بالهدوء، بل يدخل في حالة تساعده على التعافي من الضغط.
الأمر لا يتوقف عند اللون الأخضر، رغم أهميته، فالعين تتعامل مع هذا اللون بسهولة، ما يمنح الدماغ فرصة للراحة. لكن التأثير الحقيقي يأتي من تكامل عناصر الطبيعة، الضوء الطبيعي، الهواء النقي، والأصوات الهادئة مثل حفيف الأشجار أو زقزقة الطيور. هذه التفاصيل تخفف من النشاط الزائد في الدماغ المرتبط بالقلق والتفكير المفرط.
اللافت أن هذه الفوائد لا تحتاج إلى وقت طويل أو ترتيبات معقدة. دقائق قليلة في بيئة طبيعية قد تكون كافية لإحداث فرق واضح في المزاج، حتى لو كانت مجرد حديقة صغيرة أو شرفة فيها بعض النباتات. هذا ما يجعل الطبيعة خيارا سهلا وسريع التأثير في حياة مليئة بالضغوط.
ومع التكرار، تصبح هذه اللحظات جزءا من الروتين اليومي وكلما اعتاد الإنسان عليها، أصبح أكثر قدرة على مواجهة التوتر قبل أن يتراكم. وكأن الطبيعة هنا لا تعمل كحل مؤقت فقط، بل كوسيلة تحافظ على التوازن النفسي مع الوقت.
 لماذا نبحث عن الألوان بعد التعب؟
بعد فترات طويلة من الضغط أو التعرض المستمر للأخبار المرهقة، يدخل الإنسان في حالة من الإجهاد الحسي. تصبح المشاهد اليومية باهتة ومتشابهة، ويقل تفاعل الدماغ مع التفاصيل من حوله. في هذه الحالة، لا يكون البحث عن الألوان مجرد تفضيل جمالي، بل حاجة نفسية لإعادة تنشيط الحواس واستعادة التوازن.
وبحسب مزهر؛ فتظهر الحاجة إلى "استراحة نفسية" من خلال مجموعة من المؤشرات، أبرزها صعوبة التركيز، وفقدان الحماس، والعصبية، وسرعة الانفعال، إضافة إلى الرغبة في العزلة. هذه العلامات تعد إشارات واضحة على أن الجهاز النفسي وصل إلى مرحلة من الإجهاد تستدعي التوقف وإعادة التوازن.
وتدعم ذلك دراسة نشرتها American Psychological Association أن التعرض المستمر للأخبار السلبية، خاصة في أوقات الأزمات، يرتبط بارتفاع مستويات القلق والتوتر وحتى أعراض شبيهة باضطراب ما بعد الصدمة.
الألوان الطبيعية تلعب دورا مهما في ذلك لأنها مرتبطة في الذاكرة بالحياة والاستمرار. اللون الأخضر يعكس الطمأنينة والنمو، بينما تعطي ألوان الزهور مثل الأصفر والوردي شعورا بالدفء والبهجة. عندما يرى الإنسان هذه الألوان، يبدأ الدماغ بإرسال إشارات إيجابية تخفف التوتر وتعيد تنشيط الشعور بالراحة.
أما من ناحية الألوان، فيؤكد مزهر ارتباط انجذاب الإنسان للون الأخضر بما يعرف بـ علم نفس الألوان، حيث يعد هذا اللون مريحا للعين ومرتبطا بدلالات إيجابية مثل الأمان والسكينة. كما أن ألوان الزهور تحفز المشاعر الإيجابية وتمنح طاقة عاطفية مريحة، إذ تعمل الألوان الطبيعية بشكل عام على تحسين المزاج وتعزيز التركيز دون أي مجهود واع من الإنسان.
ولا يقتصر التأثير على اللون نفسه، بل يشمل التنوع والحيوية في المشهد. بعد فترة من الروتين البصري، تأتي الطبيعة بألوانها المختلفة لتكسر هذا الجمود وتعيد الانتباه للحظة الحالية بدل الغرق في القلق. الربيع هو أوضح مثال على هذا التغيير. الأشجار التي كانت جافة تبدأ بالإزهار، والمساحات الباهتة تمتلئ بالحياة. هذا التحول السريع يشبه رسالة بسيطة بأن التجدد ممكن، وأن الشعور بالثقل ليس دائما.
مع هذا التغيير، يشعر الإنسان وكأنه يستعيد جزءا من خفته. ليس لأن الظروف تغيرت، بل لأن نظرته لها أصبحت أخف. الألوان هنا لا تزين المشهد فقط، بل تعيد تشكيل الحالة النفسية وتمنح شعورا هادئا بأن الحياة مستمرة.
 الابتعاد عن الضجيج وضغط المهام
رغم الاعتقاد بأن تغيير الجو يحتاج إلى سفر أو ميزانية كبيرة، إلا أن الواقع أبسط من ذلك بكثير. الطبيعة موجودة حولنا بأشكال مختلفة وقريبة أكثر مما نتخيل. قد تكون حديقة في الحي، طريقا تحيطه الأشجار، جلسة في مكان مفتوح، أو حتى زاوية صغيرة في المنزل فيها بعض النباتات.
الفكرة لا تتعلق بالمكان بقدر ما تتعلق بطريقة التعامل معه. عندما يبتعد الإنسان قليلا عن الضجيج، الهاتف والأخبار وضغط المهام، يصبح لأي مساحة طبيعية تأثير واضح على حالته النفسية. هذه اللحظات تعيد ترتيب الإيقاع الداخلي وتمنح شعورا بالهدوء دون تعقيد.
ويشير مزهر إلى أن الابتعاد المؤقت عن مصادر التوتر يعد سلوكا صحيا وضروريا، شريطة أن يكون بنية الاستراحة وليس التجنب الدائم. فالتوازن يكمن في القدرة على أخذ مسافة عند الحاجة، دون الانسحاب الكامل أو الهروب المستمر من الواقع. كما يؤكد أن الشعور بالراحة لا يعني غياب الإحساس أو اللامبالاة تجاه ما يحدث، بل هو جزء من الحفاظ على الصحة النفسية.
كما أن الخروج إلى الطبيعة يمكن أن يكون جزءا من السياحة الداخلية. في الأردن، هناك تنوع كبير في الأماكن الطبيعية، ما يمنح فرصة لاكتشاف مناطق جديدة دون الحاجة للسفر خارج البلاد. زيارة مكان قريب أو غير مألوف قد تخلق تجربة مختلفة حتى لو كانت بسيطة وغير مكلفة.
هذه التجارب لا تمنح فقط راحة نفسية، بل تعزز أيضا الشعور بالمكان والانتماء له. وتدفع إلى أسلوب حياة أكثر توازنا، حيث يصبح الخروج إلى الطبيعة عادة وليس استثناء.
الكثيرون اليوم يعيدون التفكير في معنى "التغيير"، ويكتشفون أن نزهة بسيطة أو وقتا قصيرا في مكان طبيعي قد يكون أعمق من أي تجربة مكلفة. لأنها تعيد الإنسان إلى إيقاع أهدأ وأكثر انسجاما مع نفسه.
 
 
 
التغيير يبدأ من الداخل
ما تمنحه الطبيعة لا يتوقف عند تحسين المزاج. هي تفتح مساحة داخلية يعيد فيها الإنسان ترتيب أفكاره ومشاعره. عندما يبتعد قليلا عن التوتر ويمنح نفسه لحظة هدوء، يبدأ برؤية الأمور بشكل مختلف، وأخف مما كانت عليه.
هذا التغيير لا يحدث بشكل مفاجئ، بل يأتي تدريجيا. مع كل لحظة هدوء، يصبح التعامل مع الضغوط أسهل، وتصبح ردود الفعل أكثر توازنا. وكأن الطبيعة لا تغير ما يحدث حولنا، لكنها تغير الطريقة التي نراه بها.
ومع تكرار هذه اللحظات، تتكون مساحة داخلية أكثر مرونة، قادرة على التعامل مع الضغوط دون انهيار. الهدوء الذي تمنحه الطبيعة لا ينتهي بمجرد مغادرتها، بل يستمر في طريقة التفكير والتعامل مع الحياة.
ويختم بني مصطفى بالتأكيد على أن تعقيدات الحياة المتزايدة تؤدي إلى ارتفاع مستويات القلق والتوتر، ما ينعكس سلبا على الصحة الجسدية والنفسية، وقد يسهم في ظهور أمراض مثل القلب والسكري والاكتئاب. وفي ظل هذه الضغوط، يشدد على أهمية الخروج إلى الطبيعة أو ممارسة أي نشاط ممتع كوسيلة فعالة وشائعة للتخفيف من التوتر والحفاظ على التوازن النفسي.
 التقليل من الانخراط بصراعات يومية
وفي ظل الضغوط السياسية والاقتصادية الراهنة، يوجه مزهر رسالة بضرورة الحفاظ على التوازن النفسي، من خلال تجنب الإجهاد المستمر، والتقليل من الانخراط في الصراعات اليومية، والحد من التعرض المكثف للأخبار السلبية، إلى جانب تخصيص وقت للراحة واللجوء إلى الطبيعة كوسيلة فعالة لاستعادة الهدوء الداخلي.
 
 
في النهاية، قد لا نستطيع تغيير الواقع بسرعة، ولا إيقاف كل ما يرهقنا. لكن يمكننا دائما أن نمنح أنفسنا لحظة هدوء. لحظة بين شجرة وسماء، بين ظل وضوء، أو حتى أمام نبتة صغيرة. لحظة تعيد ترتيب الداخل بهدوء.
وهنا تكمن قوة الطبيعة. هي لا تقدم حلولا مباشرة، ولا تغير العالم، لكنها تغيرنا نحن بما يكفي لنواجهه بشكل أخف، أكثر هدوءا، وأكثر قدرة على الاستمرار.