عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    20-Feb-2026

رائحة الزينكو لزياد أبو لبن: حكاية المخيم بين الذاكرة والرمز

 الدستور-سمير اليوسف

 
رائحة الزينكو ليست مجرد عنوان لمجموعة قصصية، بل هي بمثابة نافذة على عالم كامل يتنفس من بين ألواح الصفيح وأزقة المخيم، ويمتد بعمقه الرمزي إلى الذاكرة الجمعية الفلسطينية. منذ اللحظة الأولى يشعر القارئ أنّ الكاتب زياد أبو لبن لا يكتب قصصاً منفصلة بقدر ما يكتب سيرة وجدانية لحيّز اجتماعي ونفسي ظلّ يتوارث أجيالاً من الوجع والأمل. المخيم هنا ليس مكاناً عارضاً في التاريخ، بل هو مركز الكون بالنسبة لشخصياته، وهو المرآة التي تعكس صورة شعب بكامله في لحظات الجوع والحرمان، وفي لحظات الفرح الصغير أيضاً. المقدمة التي افتتح بها الكاتب المجموعة تكشف عن وعي واضح بطبيعة مشروعه، حين قال إن هذه ليست مجرد قصص عن الطحين والفلافل والحليب، بل عن شعب يعيش ويضحك ويحلم رغم كل شيء. وهذا التصريح يهيئ القارئ لرحلة مع نصوصٍ تجعل من التفاصيل اليومية الصغيرة رموزاً كبرى، ومن الأشياء البسيطة علامات على معنى الكرامة والصمود.
 
تقوم هذه المجموعة على عناصر القصة القصيرة جميعها، لكنها تعيد صياغتها بما يخدم التجربة الخاصة للمخيم. فإذا نظرنا إلى الشخصيات مثلاً، نجد أنها في أغلبها لا تبرز كأفراد بقدر ما تحضر كجماعات. الطفل في قصة «المفتاح لا يفتح هنا» ليس مجرد فرد، بل هو صورة لكل أطفال عين السلطان الذين كانوا يركضون حفاة في الأزقة الضيقة، ويلعبون بين البيوت الطينية، ويحملون في أعينهم دهشة لا تزال مشتعلة حتى بعد عقود. كذلك فإن الرجال الصامتين في المقهى الصغير في ذات القصة، الذين يحدقون نحو الجبل كأنهم ينتظرون شيئاً لا يأتي، يمثلون وجهاً من وجوه التيه الفلسطيني الممتد. أما شخصية موسى في «طوبة ناقصة في السور»، فهي شخصية فردية بقدر ما هي نموذج جمعي؛ فالطفل الذي يراقب الفجوة في سور المدرسة ويتخيل العالم خارج المخيم، هو في الحقيقة رمز لكل أبناء المخيم الذين يتطلعون إلى الانفلات من ضيق المكان نحو فضاء أوسع. الشخصيات هنا تتشكل من تفاصيلها البسيطة: أم تنتظر ابنها على باب الخيمة في «عيد البقج»، أب يضع المفتاح على مسمار في «المفتاح»، طفل يقف في طابور الحليب في «طابور الحليب»، وكلها صور تبني معاً شخصية جمعية كبرى هي «اللاجئ» بما يحمله من أبعاد إنسانية.
 
أما الزمن في هذه المجموعة فليس خطياً ولا متسلسلاً كما في السرد التقليدي، بل هو زمن دائري يعيد إنتاج نفسه جيلاً بعد جيل. ففي «خيمة رقم 11» مثلاً يبدأ الزمن مع لحظة النزوح الأولى، حين نُصبت الخيام على أرض ما زالت طرية من أثر الأقدام، ثم يمتد عبر سنوات البراكيات والإسمنت، لكنه يظل عالقاً في لحظة الخيمة الأولى التي لم تبرح الذاكرة. وفي «المفتاح» يتسع الزمن أكثر، ليمتد من لحظة النكبة عام 1948 إلى لحظة معاصرة يورّث فيها الأب مفتاح البيت لابنه، والابن بدوره يورّثه لحفيده، في سلسلة زمنية تتحدى الفناء. الزمن هنا إذن ليس فقط إطاراً للأحداث، بل هو عنصر دلالي يُحيل إلى معنى استمرار القضية وتجدد الذاكرة. حتى في تفاصيل الحياة اليومية يظهر الزمن بوصفه عبئاً دائماً، كما في «صحن العدس البارد» حيث يتحول تأخر الأب عن العودة إلى البيت إلى انتظار طويل تجسده برودة الصحن، أو كما في «على باب الطحين» حيث يصبح الطابور رمزاً للزمن المعلّق بين الحاجة والكرامة.
 
المكان في هذه القصص ليس خلفية محايدة، بل هو البطل الأبرز الذي يتنفس في كل نص. المخيم يُرسم بأزقته الضيقة وبيوته من الصفيح وأسطحه التي تحمل خزانات ماء متشققة. في «رائحة المخيم» مثلاً يتضح أن السوق ليس مجرد مكان للبيع والشراء، بل هو فضاء للمقاومة اليومية، حيث يصبح الفطور طقساً جماعياً للتماسك. وفي «رائحة البؤس» يتحول الحمام العام إلى صورة للقهر الجمعي، حيث تُختزل الخصوصية الإنسانية في جدران طينية لا تقي الروائح ولا تحفظ الكرامة. أما «الزفتة السوداء» فتصور المكان في علاقته بالسلطة، إذ يحاول مشروع تزفيت الشوارع أن يمنح المخيم شكلاً حضارياً، لكن الجدة تقول بمرارة: «الزفتة ما غطّت الفقر، بس سوّدته»، لتفضح التناقض بين الصورة الرسمية والواقع المرير. المخيم في هذه النصوص فضاء مزدوج: قاسٍ ومؤلم من جهة، لكنه أيضاً حامٍ للذاكرة وحامل للهوية من جهة أخرى.
 
تتوزع الرموز بكثافة في المجموعة حتى يصير كل شيء تقريباً قابلاً للتأويل. المفتاح في قصة «المفتاح» هو الرمز الأكثر وضوحاً، فهو ليس مجرد قطعة حديد صدئة، بل هو عهد وكرامة وذاكرة. البطانية المرقعة في القصة التي تحمل اسمها تتحول إلى رمز للذاكرة المشتركة التي خيطت من أثواب الماضي. الأرجوحة المصنوعة من حبل الغسيل في «أرجوحة من حبل الغسيل» ترمز إلى رغبة الطفولة في التحليق رغم ضيق المكان، بينما حبل الغسيل نفسه في قصة «حبل الغسيل لا يسقط» يصبح علماً بديلاً يعلن الوجود ويؤكد الثبات: «كل قطعة معلّقة عليه، هي سيرة حياة». حتى الأشياء التافهة مثل المشط ذو الأسنان المكسورة في القصة التي تحمل اسمه تكتسب دلالة رمزية، إذ يصبح رمزاً للأدوات الناقصة التي ترافق حياة اللاجئ، لكنها رغم ذلك تؤدي دورها وتُبقي على النظام في وسط الفوضى. الرموز هنا ليست زخرفية، بل هي لبّ السرد، إذ تحوّل التفاصيل اليومية إلى علامات كبرى على معنى البقاء.
 
اللغة في «رائحة الزينكو» تنوس بين البساطة والتكثيف الشعري. الكاتب يستخدم لغة قريبة من العامية في بعض المواضع لتصوير التفاصيل المعيشية، كما في حوار الأب عن أسعار الكاز في «عربة الكاز»: «قديش اليوم؟ – زي دايم، بس ناقص الشلن، بكرا بتوصلي»، وهو حوار ينقل روح الحياة اليومية بدقة. لكنه في الوقت نفسه يرتفع باللغة إلى مستوى شعري رمزي، كما في وصف بركة الفوسفات في «بركة الغولة»: «كانت بركة الفوسفات شرقي المخيم كغولة جائعة تبتلع أبناء المخيم بلا رحمة»، حيث تتحول الصورة إلى استعارة مكتملة تجمع بين الأسطورة والواقع. هذا التوازن بين اللغة اليومية البسيطة واللغة الرمزية الكثيفة هو ما يمنح النصوص طابعها الخاص، إذ يتيح لها أن تكون قريبة من القارئ وعميقة في دلالتها في آن واحد.
 
العلاقات الاجتماعية في المخيم كما تنعكس في هذه النصوص تكشف عن نسيج معقد من التضامن والخصام، من الفرح الجماعي والخذلان الفردي. في «عيد البقج» نرى كيف تحوّلت المساعدات إلى مناسبة للفرح، حيث كانت الأم تفتح البقجة كأنها كنز، وتوزع الملابس على أبنائها بفرح مشوب بالحنين. في «حكايات الدوم» يتجلى دور الأم كحافظة للذاكرة، تروي الحكايات لأطفالها كي يهربوا من قسوة الواقع، فتغدو الحكاية نفسها شكلاً من أشكال المقاومة. في المقابل، تظهر التوترات الاجتماعية في «حنفيات الغضب» حيث تتحول طوابير الماء إلى مسرح للشتائم والمشاجرات، ويُفضح البؤس الذي يحول أبسط الحاجات إلى مجال للعراك. هذا التوازن بين صور التضامن وصور الصراع يعكس طبيعة الحياة في المخيم: حياة ضيقة تفرض التلاصق، لكن هذا التلاصق يفضي أحياناً إلى التآزر وأحياناً إلى الانفجار.
 
المقاربة بين القصة والواقع الاجتماعي للمخيم تكشف أن النصوص ليست متخيلة بالكامل، بل هي مأخوذة من تفاصيل واقعية عاشها الناس. الطابور في «بطاقة الجوع» أو في «طابور الحليب» هو صورة يومية مألوفة في حياة اللاجئين، لكنه في القصة يتحول إلى رمز للانتظار الطويل الذي يتجاوز حدود الخبز والحليب إلى حدود الوطن ذاته. صحن العدس في القصة التي تحمل اسمه يرمز إلى غياب الأب وتأخره، لكنه في الوقت نفسه يحيل إلى صورة أوسع عن غياب الوطن وتأخر العودة. حتى الأشياء المنزلية مثل الصوبة ذات الفتيل أو براد الشاي المحروق تحيل إلى صورة الفقر الجماعي لكنها تكشف أيضاً عن الدفء الإنساني الذي استطاع الناس أن يستخرجوه من أقل القليل. هذه المقاربة بين السرد والواقع تجعل القصة القصيرة هنا وثيقة اجتماعية لا تقل عن كونها عملاً فنياً.
 
إن ما يمنح هذه المجموعة قيمتها الكبرى هو قدرتها على تحويل تفاصيل المخيم البسيطة إلى صور بلاغية واسعة الدلالة. فالكاتب لا يكتب عن السياسة مباشرة، لكنه يجعل من كل تفصيل سياسيًّا بامتياز. حين يصف الطفل في «على باب الطحين» وهو يجر كيس الطحين على الأرض قائلاً: «هذا مفتاح خبزي... مش مفتاح رجعتي»، فإنه يختصر المأساة كلها في عبارة واحدة تجمع بين قسوة الحاجة واستمرار الحلم. وحين تصف «الزفتة السوداء» كيف انزلقت امرأة مسنة على الرصيف، فإنها لا تصف حادثة عابرة، بل ترمز إلى خذلان المخيم من مشاريع لا تمس جوهر البؤس. هذه القدرة على الشحن الرمزي هي ما يجعل المجموعة تنتمي إلى أدب التفاصيل، حيث يصبح كل تفصيل يومي جزءاً من السردية الكبرى للمنفى.
 
في الخاتمة يمكن القول إن مجموعة «رائحة الزينكو» تقدم نصوصاً قصصية مشبعة بالرمزية والذاكرة، وتنجح في بناء صورة شاملة للمخيم كفضاء إنساني واجتماعي ونفسي. لقد استطاع زياد أبو لبن أن يجعل من الأشياء الصغيرة ــ البطانية، الصوبة، الأرجوحة، المشط، الباب الذي لا يُغلق إلا بحجر ــ علامات على معنى أوسع يتجاوز حدود المخيم ليصل إلى معنى الوطن المفقود. هذه النصوص، بما تحمله من لغة متوازنة بين البساطة والحمولة الشعرية، وبما تحويه من شخصيات جماعية وزمن دائري ومكان خانق لكنه حي، تمثل إضافة حقيقية إلى الأدب الفلسطيني الذي يسعى إلى صون الذاكرة في وجه النسيان. وإذا كانت القصص القصيرة عادة تقوم على لحظة خاطفة أو موقف عابر، فإن هذه المجموعة وسّعت من معنى اللحظة لتجعلها مرآة لتجربة أمة بأكملها. في النهاية، تترك «رائحة الزينكو» في نفس القارئ شعوراً مزدوجاً بالوجع والحنين، بالخذلان والأمل، وتقول بصوت خافت لكنه عميق إن المخيم ليس مجرد جغرافيا، بل هو سردية كاملة، تتجدد في كل جيل، وتبقى ما بقيت الذاكرة. إنها نصوص تكتب التاريخ من وجهة نظر المهمشين، وتؤكد أن الرائحة، مهما بدت بسيطة، قادرة أن تحفظ هوية بأكملها من الضياع.