الغد-عزيزة علي
يأتي كتاب "فلسفة التكنولوجيا" للدكتور أيوب أبو دية ليقدم قراءة تاريخية وتحليلية معمقة لهذه العلاقة، متتبعا جذورها الفكرية وتحولاتها عبر العصور، ومناقشا أبعادها المعرفية والإنسانية والبيئية في عالم باتت فيه التكنولوجيا قوة فاعلة تعيد تشكيل المجتمعات وأنماط التفكير.
ويبرز الكتاب الصادر عن "الآن ناشرون وموزعون"، سؤال العلاقة بين الفلسفة والتكنولوجيا بوصفه سؤالا ملحا يتجاوز حدود التقنية إلى فضاءات الأخلاق والثقافة والهوية؛ حيث يشير أبو دية، في مقدمة كتابه، إلى أن الهدف منه يتمثل في التعريف بتراث الإنسانية من حيث تطور علاقة الفلسفة بالتكنولوجيا عبر تاريخ البشرية، وتحديدا منذ انفصال العلم عن الفلسفة واستقلاله عنها، ومن ثم إنتاج التكنولوجيا بوصفها ذراعا تطبيقية له. أما ارتباط التكنولوجيا بالعلم فهو تاريخي ووثيق، وكذلك ارتباطها بالفلسفة والأخلاق والبيئة؛ وإلا باتت خطرا يهدد البشرية بالدمار، وربما الاندثار الحضاري.
ويضيف المؤلف أن من أهداف الكتاب أيضا تعزيز قدرات الشباب العربي بعامة، والأردني بخاصة، على تفهم الدور العربي الإسلامي في الوصول إلى تكنولوجيا العصر المتقدمة، والنظر إلى التكنولوجيا بوصفها نتاجا عالميا لا حكرا على أحد، الأمر الذي يسهم في تفهم الاختلافات بين الشعوب والحضارات، ورؤيتها إرثا ثقافيا مشتركا بين الحضارات العالمية كافة.
ويرى أبو دية أن الكتاب يسهم في تطوير قدرات الشباب على التحليل والنقد العقلاني، وإعادة تركيب المفاهيم برؤية معاصرة، من خلال الاطلاع على العلاقة التاريخية القائمة بين الفلسفة والعلم والتكنولوجيا: كيف تطورت، وما العوامل التي أسهمت في تطورها أو أعاقته. ومن شأن ذلك اتخاذ هذه التجربة منهجا في تحليل العلائق والثنائيات القائمة بين المفاهيم المختلفة ضمن رؤية كونية شمولية، مثل ثنائيات: العلم والدين، والوحدة والكثرة، والشمال والجنوب، وغيرها.
ويشير إلى أن فلسفة التكنولوجيا فرع من فروع الفلسفة يدرس طبيعة التكنولوجيا وتطورها ومضامينها، بوصفها مجالا تطبيقيا يعمل داخل المجتمع من خلال أفراد متميزين، كما يدرس علاقاتها المتنوعة بالعلوم الطبيعية، وآثارها الثقافية والجمالية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية والسياسية والبيئية وغيرها. وهذا تعريف مؤقت لها؛ لأن الفلسفة بطبيعتها تفترض عدم وجود تعريف نهائي لأي مفهوم، وفقا لقاعدة نسبية الحقيقة؛ فالتعريفات تظل مؤقتة في "الزمكان"، أي في حدود الزمان والمكان فحسب.
ويوضح أنه لما كانت الفلسفة تنظر إلى العالم من منظور كلي، فإن التكنولوجيا لا بد أن تكون أحد موضوعاتها. ولكي نفهم العلاقة بين الفلسفة والتكنولوجيا، ينبغي الانطلاق من دراسة تطور علاقتهما التاريخية في أبعادها الإنسانية والاجتماعية والمعرفية منذ انفصال العلم عن الفلسفة، فضلا عن بحث علاقة فلسفة التكنولوجيا بفلسفة العلم، والثقافة، والعلوم الاجتماعية، وعلم الأخلاق، وعلم الجمال، وغيرها من الحقول المعرفية.
ويبين أبو دية أن الكتاب يتخذ مدخلا تاريخيا للتعريف بفلسفة التكنولوجيا، ثم يمضي باحثا في جذورها منذ نشأة الحضارات القديمة حتى العصر الحديث، مرورا بتجارب الحضارة العربية الإسلامية في العلوم التطبيقية و"علم الحيل"، وصولا إلى انفصال العلم عن الفلسفة في القرن السابع عشر -قرن الثورة العلمية الكبرى- وظهور التكنولوجيا المعاصرة بوصفها الوسيلة التطبيقية للنظريات العلمية، ومن بين أهدافها السيطرة على الطبيعة، كما تجلى ذلك في انطلاقة الثورة الصناعية الأولى في أواخر القرن الثامن عشر، استنادا إلى اختراع المحرك البخاري واستخدام الفحم الحجري مصدرا للطاقة.
ولتوضيح مفهوم فلسفة التكنولوجيا وتطوره، يرى المؤلف أنه لا بد من بيان علاقتها بفلسفة العلم، وعلم الأخلاق، وعلم الجمال، والعلوم الاجتماعية والإنسانية الأخرى، من حيث أثر هذه العلائق المتشابكة في المجتمع وثقافته وهويته، وذلك من منظور المدارس الفلسفية المتنوعة، في مواطن اتفاقها واختلافها.
ويستدعي هذا المنهج بدوره تعريف مفاهيم عدة، مثل: التقدم، والعدالة الاجتماعية، والاغتراب، والاستلاب، والمسؤولية الأخلاقية، والقيمة الجمالية لذاتها، وأسطورة التكنولوجيا، والتفسير الأداتي لها، واستيراد التكنولوجيا ونقلها، والحتمية التكنولوجية، وحقوق الإنسان، وحقوق عناصر الطبيعة الحية، وغيرها.
وينتهي الكتاب بفصل عن تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي، الذي يتعامل معه الشباب يوميا عبر الهواتف الذكية التي أصبحت ضرورة لا غنى عنها؛ لذا ينبغي مناقشة أثر ذلك في ثقافتهم ونفسياتهم وطرائق تفكيرهم، وكذلك في علاقاتهم الاجتماعية وقيمهم وغيرها. كما يتضمن فصلا عن فلسفة النانوتكنولوجيا، التي يتوقع أن تفتح آفاقا جديدة في التساؤلات الفلسفية، معرفيا ووجوديا. وأخيرا، يضم الكتاب فصلا عن البيئة وفلسفة التكنولوجيا من منظورين: أولهما بيئي عميق ومستدام، وثانيهما سطحي غير مستدام.
وخلص إلى أن كل فصل من الفصول العشرة ينتهي بملخص يحمل عنوان: "ماذا نفهم؟"، إضافة إلى مجموعة من الأسئلة التي تهدف إلى إثارة القدرات النقدية لدى الشباب، وتحفيزهم على التساؤل والبحث. ويختتم الكتاب بخاتمة تقويمية، ثم ملحق يضم أهم المفاهيم والمصطلحات، وثبت بالمصادر والمراجع العربية والأجنبية.
وفي خاتمة هذه الدراسة، يوضح أبو دية أن علاقة الفلسفة بالتكنولوجيا هي انعكاس للتراث الفكري البشري، وهي في الوقت ذاته تمثل موقفا فلسفيا من التكنولوجيا عبر تاريخها الطويل الضارب في القدم، وصولا إلى نشأة العلوم الحديثة؛ أي حين انفصل العلم عن الفلسفة نحو القرن السادس عشر الميلادي بفعل المنهجية العلمية الصارمة التي انتهجها.
وقد ظهرت فلسفة العلم تعويضا عن ذلك الانفصال المزعوم، وما لبثت الفلسفة أن ازدادت تخصصا؛ فنشأت فلسفة التكنولوجيا التي أخذت تتابع النشاط العلمي منذ مراحل تصميمه، للتأكد من مناحيه الأخلاقية في التعامل معه، وللحد من أضراره المحتملة التي يمكن التنبؤ بها أحيانا.
وربما كانت المرحلة المفصلية في تاريخ التكنولوجيا اختراع القنبلة الذرية واستخدامها ضد البشر؛ إذ عندها شعر العالم بضرورة السيطرة على هذا المارد الذي لا تتوقف اختراعاته عند حد. وقد تأكد ذلك مع الثورة الرقمية التي سيطرت على حياتنا اليوم، وجعلتنا أسرى لها، خاضعين لأبعادها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية من دون أدنى تذمر أو قلق. غير أن فلسفة التكنولوجيا تأبى إلا أن تعتبر "القلق من المجهول" الناجم عن التكنولوجيا فريضة عقلية.
وفي ضوء هذا الارتباط بين الفلسفة والتكنولوجيا، أعيدت اللحمة بين العلم والفلسفة من جديد؛ إذ تبين أن المشكلات التي تثيرها التكنولوجيا تفتح آفاقا جديدة للبحث العلمي، فعادت العلاقة بين العلم والفلسفة أكثر قوة، وتعمقت في ضوء الأبعاد الأخلاقية والجمالية والبيئية للتكنولوجيا، ولا سيما البعد البيئي الطبيعي الذي تضع الفلسفة معاييره للحفاظ على التوازن والانسجام بين التكنولوجيا والبيئة.
ويرى أن آثار التكنولوجيا ما تزال تتبدى بوضوح متزايد في مجتمعاتنا، من حيث إعادة صياغة علاقات الإنتاج في المجتمعات الرأسمالية المعاصرة والسعي إلى استدامتها. وبناء على ذلك، أصبح من الضروري إسناد مهام جديدة إلى الفلسفة في مواجهة الحتمية التكنولوجية وهيمنة ثقافتها على مجتمعاتنا، ولا سيما في البلدان المتأخرة تكنولوجيا التي لا تستطيع بعد استشراف أبعاد التكنولوجيا كما تفعل الدول المتقدمة، الأمر الذي يجعل آثارها السلبية أكبر في مجتمعاتنا النامية. ومن هنا تبرز ضرورة التعامل مع التكنولوجيا في مختلف أبعادها، ومحاولة أنسنتها تمهيدا لإدماجها في ثقافتنا السائدة إدماجا واعيا.
وإذا كانت عولمة التكنولوجيا مرحلة لا مفر منها، فإن من الواجب التنبه إلى التغيرات التي تصاحبها على الصعد الاجتماعية والسياسية والنفسية والاقتصادية والصحية وغيرها، والسعي إلى توجيهها وضبطها من خلال "فلسفة التكنولوجيا"، بوصفها آلية فكرية لتحقيق ذلك الهدف. كما ينبغي إدراك المخاطر التي قد يتعرض لها مستهلك التكنولوجيا من نظرائه المستخدمين الآخرين، مما يستدعي تحديد المسؤولية الأخلاقية لمستخدم التكنولوجيا، ضمانا لعدم المساس بحرية الآخرين أو سمعتهم أو مصالحهم، من خلال نشر معلومات غير دقيقة أو محرضة أو غير ذلك.