عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    13-Jan-2026

"مختصر البناء" لفتحي ملكاوي.. تساؤلات حول مفاهيم الفكر والمفكرين

 الغد-عزيزة علي

 صدر عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي في الأردن كتاب بعنوان "مختصر البناء الفكري: مفهومه ومستوياته وخرائطه"، للدكتور فتحي حسن ملكاوي، مدير المعهد وعضو مجمع اللغة العربية الأردني، يتناول فيه قضايا البناء الفكري ومكوناته ومستوياته، في محاولة للإجابة عن أسئلة فكرية متنامية في أوساط الشباب المسلم خلال العقود الأخيرة.
 
 
ويوضح ملكاوي، في مقدمة الكتاب، أن العقدين الأخيرين شهدا تزايدا ملحوظا في إقبال الشباب المسلم على ما يعرف بـ"الكتابات الفكرية"، ويعزو هذا الإقبال إلى تنامي شعور لدى شريحة واسعة من الشباب بالضيق من هيمنة التوجهين العلمي - الفقهي والثقافي - الحركي، اللذين طغيا على جهودهم خلال المرحلة المعروفة بالصحوة الإسلامية في الربع الأخير من القرن العشرين.
ويشير إلى أن هذه المرحلة تعد نفسها الفترة التي شهدت بروز عدد من المشاريع الفكرية في الدائرة الإسلامية، حيث لم يكن بعض روادها معروفين في المؤسسات التقليدية للعلوم الإسلامية، ولا في الأطر التنظيمية والحركية السائدة.
وقد أثارت ظاهرة الإقبال على "الكتابات الفكرية"، جملة من التساؤلات حول مفاهيم الفكر والمفكرين، والبرامج والمدارس الفكرية، وكذلك حول طبيعة العلاقة بين هذه المفاهيم والمصطلحات وما يتصل بها أو يتقاطع معها.
ويبين المؤلف أن المنهج المعتمد في الكتاب لا يسعى إلى تقديم تعريفات نهائية "جامعة مانعة"، للمفاهيم التي يتناولها، بل يعالجها ضمن سياقها الدلالي، بما يتيح للقارئ مساحة أوسع للتعبير عن فهمه واستيعابه بلغة مرنة منفتحة على تنوع الصياغات وزوايا النظر، وربما اختلاف الاستجابات الوجدانية. ومن معالم هذا المنهج أيضا عدم التركيز على ذكر أسماء الشخصيات الممثلة للتوجهات الفكرية محل النقاش، تجنبا للتأثير المباشر في البنية الفكرية للقارئ أو ملء فراغاتها بما يريده الكاتب.
ويوضح ملكاوي أن هذا الكتيب يعد مختصرا لكتابه السابق "البناء الفكري: مفهومه ومستوياته وخرائطه"، آملاً أن يسهل هذا المختصر على بعض القراء الإحاطة بمضامين الموضوع، وأن يشكل حافزا لآخرين للعودة إلى الكتاب الكامل. وقد حافظ المختصر على هيكل الكتاب الأصلي من حيث الفصول والعناوين الفرعية، في حين بلغت مادته نحو ثلث حجم الكتاب الأصلي.
وفي خاتمة الكتاب، يوضح ملكاوي أن هذه المادة تناولت مفهوم البناء الفكري، ويرجح أن يكون القارئ قد لاحظ أنه بناء يتسم بالتنظيم والتماسك، ويحتكم إلى مرجعية كلية تمنحه وصفا محددا وتميزه عن غيره، وهو بناء يتغير باستمرار اتساعا وعمقا. أما موضوع هذا البناء فهو الفكر، بوصفه خاصية إنسانية كرم الله بها الإنسان، وأمانة في عنقه، تتطلب رعايتها بما يضمن لها النمو السليم والتطوير والتحسين.
ويضيف أنه عند بلوغ القارئ هذا القدر من القراءة يحق له أن يتساءل عما قرأه، وغالبا ما سيعيد النظر في عنوان المادة وقائمة موضوعاتها، ليستحضر العناصر الفكرية الكبرى التي شكلت "تضاريس" خريطة الأفكار المعروضة. وقد يدفعه ذلك إلى إعادة قراءة بعض العناوين الفرعية لاسترجاع ملامح عناصر محددة من الموضوع، وربما التفكير في نقل خلاصته إلى أحد أفراد أسرته أو معارفه، مع تحديد ما سيقوله، والأسئلة المتوقعة، والملاحظات التي سيثيرها.
ويرى المؤلف أن القارئ قد يتذكر موضوعات لم يجدها في النص، أو عناوين كان يبحث عنها دون أن يعثر عليها ضمن هذه المادة، ما قد يدفعه إلى مراجعة الخريطة مرة أخرى للتأكد من غيابها، ثم الانتقال إلى تحديد مهمة جديدة تتمثل في البحث عن مواد أخرى لاستكمال القراءة.
وعند هذه المرحلة ستخطر ببال القارئ مواد أخرى في الموضوع سبق أن اطلع عليها، فيتأمل أوجه الشبه والاختلاف بينها وبين المادة التي فرغ من قراءتها. وبناء على ذلك، سيقوم بعملية تصنيف ذهني يدرج فيها هذه المادة ضمن فئة معينة من النتاج الفكري؛ فهي، على سبيل المثال، فكر إسلامي، لكنها أقرب إلى الانتماء لمدرسة فكرية إسلامية محددة، ما يستدعي إلى ذاكرته أسماء الكتاب والمؤلفين والمفكرين المنتمين إلى تلك المدرسة.
ويشير ملكاوي إلى أن هذه العمليات تمثل نماذج من التداعي الذهني وحركة العقل وجريان الخواطر وجولان الفكر، وهي جميعا صور من النشاط العقلي الإنساني التي تعبر عن الحالة الصحية في توظيف القدرات الفكرية. أما أي ضعف يلحظه القارئ في ممارسة هذا النشاط، فيرجعه المؤلف إلى خلل في تنظيم عمليات التفكير، وهو خلل يحتاج إلى معالجة.
ويتوقع المؤلف من القارئ أن يكتسب وعيا بدرجة الجذب التي تمارسها المواقع الفكرية التي يشغلها بعض أفراد النخبة في المجتمع، وبالمستويات المتفاوتة للبناء الفكري التي تميز فئات النخبة، فضلا عن خصائص الغالبية العظمى من الناس الذين يصعب إدراجهم ضمن موقع فكري محدد.
وسيتعلم القارئ أن الحالة الطبيعية في المجتمع تقوم على تفاوت مستويات البناء الفكري بين الأفراد والفئات، وأن هذا التفاوت أمر محمود؛ إذ لكل فرد مستوى فكري ودور يؤديه، وتتكامل هذه الأدوار في أداء الوظائف الفكرية داخل المجتمع.
ومن المتوقع أن يتساءل القارئ عن موقع بنائه الفكري ضمن الصور التي عرضها الكتاب، فيسأل نفسه عما يملكه من أفكار، وأي المدارس الفكرية هو أقرب إليها، وما معالم الخريطة الفكرية التي تمثل مجموع أفكاره وعناصرها الكبرى، وما العوامل التي أسهمت في تشكل هذه الخريطة، وكيف أثرت فيها، ومتى، وبأي قدر. وربما يدفعه ذلك إلى تحديد الموقع الذي يطمح إلى أن يكون فيه مستقبلا: موقع العالِم، أو المثقف، أو الداعية، أو المصلح، أو الفيلسوف، أو المفكر.
كما يتوقع المؤلف أن يتساءل القارئ عن العلاقة بين الفكر والسلوك، وما الذي يدل عليه اتساقهما أو اختلافهما، فتستحضر ذاكرته نماذج من الشخصيات العامة في حالتي الانسجام أو التناقض، ويتخيل أيهما يختار لنفسه.
ويتوقع أيضا أن يطرح القارئ أسئلة حول محددات شخصية الإنسان، ومكانة البناء الفكري فيها مقارنة بالبناء العاطفي والوجداني: هل هما بناءان مختلفان؟ وكيف يؤثر كل منهما في تشكيل الشخصية؟ وما طبيعة العلاقة بين الموضوعية والذاتية في كل منهما؟ وإذا نجحت هذه المادة في إثارة مثل هذه الأسئلة لدى القارئ، ودفعته إلى البحث عن إجابات لها، فإنها تكون قد حققت جانبا مهما من أهدافها.
يذكر أن الدكتور فتحي حسن ملكاوي، هو أستاذ جامعي أردني، حاصل على درجة الدكتوراه في التربية العلمية وفلسفة العلوم من جامعة ولاية ميشيغان الأميركية العام 1984. شغل منصب المدير الإقليمي للمعهد العالمي للفكر الإسلامي، وهو رئيس تحرير مجلة "إسلامية المعرفة"، وعضو في مجمع اللغة العربية الأردني.