الغد
جون سوبيل* - (الإندبندنت) 2025/7/21
من يملك (ماغا)؟ أعني، ليس بالمعنى الحرفي بالطبع. إن (ماغا) هي فكرة وليست شيئاً ملموساً. إنها ليست متجراً أو كتاباً. لا تملك مقراً -على الرغم من أنني لو تقاضيت 10 في المائة من ثمن كل قبعة حمراء مكتوب عليها "لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى" بيعت إلى حد اليوم، لما كنت جالساً هنا أكتب هذا المقال.
السبب الذي دفعني إلى طرح هذا السؤال هو أنه عندما ثارت ضجة حول إرسال قاذفات قنابل لاستهداف المنشآت النووية الإيرانية، رد الرئيس على منتقديه في ترامبلاند الذين قالوا إن هذا لا يتماشى مع المبادئ الأساسية لـ(ماغا) وأميركا أولاً.
قال بشكل أو بآخر: "أنا اخترعت حركة (ماغا)، ولذلك، فإن (ماغا) هي ما أقوله". وقد نجح الأمر. غضب منتقدوه قليلاً، لكنهم سرعان ما صمتوا. انضم تحالف (ماغا) إلى صفوف بطلهم.
لكن الأمر مختلف تماماً في ما يتعلق بجيفري إبستين؛ المليونير الفاسد والمتحرش بالأطفال الذي توفي في الحجز أثناء انتظار محاكمته. بهذا الشأن، أصبحت أصوات منتقدي ترامب أعلى، وأعدادهم تتعاظم. وللمرة الأولى، لا تصدق القاعدة ما يروج له دونالد ترامب. أو بعبارة أخرى، يمثل شخص مات قبل ست سنوات أكبر تحد لسلطة الرئيس منذ عودته إلى البيت الأبيض في كانون الثاني (يناير).
الأمر يدعو إلى السخرية. لا مفر من الاعتراف بالأمر، على مر السنين، بدا أن ترامب كان مصدراً وحيداً لنظريات المؤامرة، وأشهرها نظرية "مكان الولادة"، التي تقول إن باراك أوباما لم يولد في الولايات المتحدة، بل في كينيا، وهو بالتالي غير مؤهل لتولي منصب رئيس الولايات المتحدة.
حاول البيت الأبيض في عهد أوباما في البداية التغاضي عن الأمر، لكن نظرية المؤامرة لم تتبدد. وهكذا، عرضوا في النهاية شهادة ميلاده، التي تنص بوضوح على أن أوباما ولد في هاواي. لكن أولئك الذين صدقوا النظرية قالوا إن هذه شهادة ميلاد موجزة وليست كاملة. واستمر الأمر على هذا المنوال.
الخلاصة التي استخلصها المقربون من أوباما مما تقدم هي أنه على الرغم من أنه يمكنك تقويض نظرية المؤامرة من خلال إقناع المواطنين العقلانيين والمتفتحين، وعلى الرغم من أنه بوسع المرء صرف انتباه الناس وتركيزهم على شيء آخر، فإنه لا يمكنه القضاء على نظرية المؤامرة بالكامل. إنها مثل العشبة اليابانية أو العث في خزانة ملابسك.
وإذا كان هناك من يعرف ذلك حق المعرفة، فهو ترامب. إنه يزداد توتراً وغضباً لأن الجمهور الأميركي -مؤيديه على وجه الخصوص- لا يقبلون استنتاج وزيرة عدله، بام بوندي، بأن نظرية مؤامرة إبستين لا أساس لها من الصحة. ومفاد تصريحها: من فضلكم، امضوا قدماً. لا يوجد ما يستحق الوقوف عنده هنا.
لأن نظرية المؤامرة نشأت في الأصل في عالم ترامب. وقد تحدث عنها نائب الرئيس، جي دي فانس، وابن الرئيس، دون جونيور. وكان لسان حالها إلى حد يقول ما يلي: كان لدى إبستين قائمة بجميع المليونيرات والسياسيين الفاسدين الذين استضافهم في جزيرته الرهيبة؛ حيث أجبرت فتيات قاصرات على ممارسة أفعال جنسية مع هؤلاء الرجال النافذين -بعضهم من الديمقراطيين البارزين، وفق ما يزعم.
عندما عثر عليه ميتاً في زنزانته في سجن نيويورك في العام 2019، لم يفارق الحياة جراء الانتحار -كما أثبت تشريح الجثة. لقد قتل، كما زعموا. وفقاً لأساطير المؤامرة، مات لأن تلك الفئة النافذة، ممن كانت أسماؤهم مدرجة في دفتره الأسود الصغير، أرادت قتله قبل أن يتمكن من المثول أمام المحكمة وتوريطهم.
حتى بوندي سجلت وعودها السابقة بنشر "حمل شاحنة" من الوثائق المثيرة للفيدراليين عن إبستين. وقالت لـ"فوكس نيوز" في أواخر شباط (فبراير) إنها تمتلك بالفعل الكتاب الأسود المزعوم للمجرم الجنسي المدان الذي يضم أسماء شخصيات بارزة متورطة في أنشطة جنسية غير قانونية. "إنه موجود على مكتبي الآن لأراجعه"، قالت وزيرة العدل لمذيع "فوكس نيوز" جون روبرتس في ذلك الوقت. "هذه توجيهات من الرئيس ترامب".
عند مقارنة ذلك بالمذكرة غير الموقعة المكونة من صفحتين، التي أصدرتها وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي الأسبوع الماضي، والتي خلصت إلى أن الوكالات لم تجد دليلاً يذكر على أن إبستين قُتل في زنزانته أثناء انتظار محاكمته في العام 2019. وبالإضافة إلى ذلك، لم يتمكنوا من العثور على أي قائمة بأسماء الزبائن الأقوياء الذين كان إبستين يحاول ابتزازهم بممارسة الجنس مع فتيات قاصرات.
جرى الترويج لنظريات المؤامرة بلا هوادة من قبل أشخاص كاش باتيل -رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي الحالي، ونائبه (مقدم البودكاست اليميني السابق) دان بونجينو- وملايين من أنصار (ماغا) الذين صدقوا ذلك إلى أقصى حد. كان ذلك بمثابة عملية تستر أقدمت عليها الدولة العميقة، إذا كان هناك أي تستر على الإطلاق.
كل هذا جعل وزيرة العدل والرئيس يبدوان معزولين ويخوضان معركة خاسرة عندما يصران على أن ملف إبستين لا يحتوي على أي شيء يذكر. وقد ترددت إشاعات بأن بونجينو قد يستقيل من منصبه بسبب ذلك.
وثائق محكمة إبستين محفوظة لدى القضاء الفيدرالي -وهو فرع غير مقيد بمبدأ حرية المعلومات. وإحجام ترامب عن الكشف عنها يجعله يبدو على النقيض من قاعدته أكثر فأكثر -هو أمر لا يحدث دائماً.
وصف ترامب قصة إبستين بأنها "مملة"، وقال إن من يروج لها ليسوا سوى "أشخاص سيئين". إنها خدعة. وعلى منصته "سوشيال ترث"، وصف نظرية المؤامرة حول إبستين بأنها "هراء" -وأشار إلى أولئك الذين صدقوها بأنهم "أنصاره السابقون" (بأحرف كبيرة مثلما كتبها هو)- كما لو أن هناك عملية طرد من الطائفة للمرتدين عن الإيمان بعقيدة (ماغا).
حتى أكثر أتباعه انصياعاً وتملقاً يزمجرون ويكشرون عن أنيابهم. مايك جونسون، رئيس مجلس النواب -الذي يبدو أحياناً أنه وجد على وجه الأرض لإسعاد ترامب فحسب- يطالب وزارة العدل بنشر كل ما لديها عن وفاة إبستين. وأعضاء الكونغرس الجمهوريون يقولون صراحة إنهم لا يصدقون أو يثقون بما تقوله لهم الإدارة.
أقيمت مسيرة نظمتها مذيعة قناة "فوكس" السابقة، ميغين كيلي؛ ومذيع الراديو اليميني تشارلي كيرك -وهما شخصيتان مؤثرتان للغاية- حيث سألا 7 آلاف شخص من الحضور عما إذا كانوا يصدقون تفسير "لا شيء يذكر هنا". وكان الرأي بالإجماع هو أن الناس لا يصدقون، وهم يعتقدون أن هناك عملية تستر.
وهناك خطر آخر يتهدد ترامب، هو أن هذا الأمر يولد نظرية مؤامرة في الاتجاه المعاكس: أن الرئيس هو الذي لديه ما يخفيه ويقوم بالتستر عليه لحماية نفسه، وأن إبستين كانت لديه قائمة -وأن اسم ترامب موجود فيها. في نهاية المطاف، هذا هو الادعاء الذي قدمه إيلون ماسك عندما وقع بينهما خلاف حاد قبل بضعة أسابيع. ويجب أن أضيف أنه لا يوجد دليل على ذلك، على الرغم من أن إبستين وترامب كانا يعرفان بعضهما بعضاً وقد جمعتهما صور مشتركة.
ليس الأمر تماماً مثل الدكتور فرانكشتاين الذي فقد السيطرة على المسخ الذي صنعه، ولكن إذا كنت تعتاش على نظرية المؤامرة -مثلما فعل ترامب- فإنك قد تلقى حتفك بسببها أيضاً.
*جون سوبيل Jon Sopel: صحفي بريطاني بارز، عمل لسنوات في هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) قبل أن ينتقل إلى مؤسسات إعلامية أخرى من بينها "الإندبندنت". اشتهر بتغطيته السياسية، خاصة من واشنطن؛ حيث شغل منصب مراسل الـ"بي. بي. سي" في الولايات المتحدة.