الغد-عزيزة علي
نظّمت وزارة الثقافة ندوة نقدية بعنوان "البعد الوطني والمضامين الإنسانية في شعر عبد المنعم الرفاعي"، بمشاركة عدد من الأكاديميين والباحثين، بهدف تسليط الضوء على التجربة الشعرية للرفاعي بوصفها واحدة من التجارب التي تداخل فيها الإبداع الأدبي مع المسؤولية السياسية والدبلوماسية.
وقد جاءت الندوة التي أقيمت برعاية وزير الثقافة مصطفى الرواشدة، في المكتبة دائرة المكتبة الوطنية. ضمن اهتمام ثقافي متواصل بإعادة قراءة منجز الرفاعي الشعري في ضوء سياقاته الوطنية والقومية والإنسانية.
وتناول المتحدثون في الندوة أبعاداً متعددة في شعر الرفاعي، أبرزها حضوره القوي في القضايا الوطنية الأردنية والفلسطينية، إضافة إلى البعد القومي الذي عكس انشغاله بقضايا الأمة العربية. كما ركز الباحثون على طبيعة تجربته الشعرية التي اتسمت بالانضباط الفني، وارتباطها الوثيق بمسيرته السياسية ومواقعه الرسمية، ما جعل شعره وثيق الصلة بالواقع السياسي والاجتماعي الذي عاشه.
وفي ورقته المعنونة "دوائر المعنى وحقول الدلالة في شعر عبد المنعم الرفاعي"، أشار الدكتور ناصر شبانة إلى أن الرفاعي يمثل حالة شعرية فريدة، اتسمت بالتنظيم والتهذيب، وقدّمت صيغة تصالحية بين السلطة والقصيدة، خلافًا لما ساد في تجارب شعراء رأوا في القصيدة نقيضًا للسلطة.
وأوضح أن الشاعر استطاع، بخبرة السياسي وحنكة المجرب، بناء خطاب متوازن يراعي مختلف الأطراف، مع الحفاظ على مركزية الذات الشعرية بوصفها منبع المعاني والأفكار ومرجعها.
وبيّن شبانة أن هذه الذات ظلت حاضرة ومهيمنة في النص، حتى بعد اكتماله، إذ عُرف عن الرفاعي ميله إلى التدقيق والمراجعة المستمرة، وحرصه على ضبط نصوصه وفق رؤيته الفنية وأعراف مجتمعه. وكان شديد الحذر في الكتابة، لا يتردد في حذف أجزاء من قصائده حتى يبلغ مستوى الرضا الفني الذي ينشده.
ورأى شبانة أن القارئ يلمس حضور الذات الشاعرة وثقل تأثيرها في شعر الرفاعي، لا سيما في النسخة المحققة من أعماله، حيث يواجه تعدد روايات القصيدة الواحدة، ما يضعه أمام حيرة في اختيار النص المعتمد. كما أشار إلى التغييرات التي طرأت على توزيع العناوين داخل الديوان، خاصة عند إعادة نشر ديوان "المسافر"، بعد عامين من صدوره الأول عام 1977 في عمّان.
ورجّح أن هذا الحرص الشديد على ضبط القصيدة والديوان يعكس صرامة الشاعر مع ذاته في تحمّل المسؤولية بأمانة وإخلاص، وحرصه على أداء واجباته في مختلف المناصب التي شغلها، وصولًا إلى رئاسة الوزراء.
وأشار شبانة إلى أن القصيدة، في مفهومها العام، تُعدّ فعلًا ثوريًا ينشأ في لحظة استثنائية، متحررًا من القيود والأعراف، وتدفعه قوى اللاوعي دون خضوع كامل لرقابة الوعي. لذلك تمنح القارئ والشاعر معًا مساحة من التجاوز، حيث يُباح للشاعر ما لا يُباح لغيره.
غير أن هذه المساحة تضيق حين يكون الشاعر صاحب مسؤولية رسمية؛ إذ لا تحتمل القصيدة زلاته أو هفواته. وقد أدرك عبد المنعم الرفاعي ذلك، ففرض رقابة صارمة على نصه، متابعًا تفاصيله الفنية بدقة، وحاذفًا ما لا ينسجم مع رؤيته أو موقعه. فجاءت قصيدته منضبطة، محكمة الصياغة، تعكس توازنًا بين حساسية الشاعر وصرامة المسؤول.
وأوضح شبانة أن الشاعر عاصر بزوغ الحركة الرومانسية في الشعر العربي، فاستفاد من معطياتها بوضوح؛ إذ مالت حقول الدلالة والبناء التصويري في قصائده نحو هذا التيار، واستمدت صوره الفنية من أجوائه، كما طبعت العاطفة الرقيقة نصوصه بطابعها.
وأضاف شبانة أن البنية الإيقاعية تأثرت بدورها بهذه التحولات، فاتجهت نحو التخفف من الصيغة التقليدية للقصيدة المحافظة، ومالت إلى أشكال أكثر مرونة وغنائية. فتنوعت القوافي، وتبدلت أنماط ترتيب الشطرات في صيغ متعددة من التشطير، ما أتاح للشاعر مساحة أوسع للتعبير عن انفعالاته، ومنح النص طابعًا موسيقيًا غنيًا، تبدو فيه المفردات كأنها زهرات تزيّن فضاء القصيدة.
وأضاف شبانة أن الشاعر ظل وفيًا للنهج الذي اختطه لقصيدته، مكرّسًا إياه في مجمل تجربته الشعرية. وعندما ظهرت قصيدة التفعيلة وانتشرت سريعًا في المشهد الشعري، تعامل معها بحذر وتشكيك، قبل أن يعلن رفضه لها. فقد كان قد رسّخ بناءه الشعري على أسس تقليدية راسخة، ولم يرَ من الممكن أن يهدم ما شيّده على امتداد تجربته.
وأشار شبانة إلى أن الرفاعي نظر إلى القصيدة بوصفها إطارًا محافظًا على الأعراف الشعرية، لا ساحة للانقلاب عليها، فتمسّك بما أسّسه، معتبرًا أن التخلي عنه قد يُعد خيانة للنهج الذي التزمه. وهكذا حافظ على ما يمكن تسميته "مؤسسة القصيدة"، التي وازَت، في نظره، التزامه الوظيفي، وظل أمينًا لهذا التصور، رافضًا الانسياق وراء التحولات التي دفعت شعراء آخرين إلى تبني قصيدة التفعيلة، ومتمسكًا بأسلوبه حتى آخر نص كتبه.
وأشار شبانة إلى أن الشاعر يمتلك تجربة شعرية ثرية ومتنوعة، اتسمت بتطورٍ محسوب وحذرٍ انعكس في حرصه المستمر على المراجعة والتنقيح. وقد هيمنت شخصيته على موضوعات نصوصه، فكان معبّرًا عن الوجدان الوطني الأردني، وصوتًا لأحلام العرب في الوحدة والقوة، ومرآةً إنسانيةً صادقةً لما شهدته فلسطين من نكبات.
وخلص إلى أن النزعة إنسانية تجلت في شعر الرفاعي تعبّر عن تطلعات الإنسان إلى الحب والسلام والأمن، إلى جانب حضور ذاتٍ وجدانية دافئة تسعى إلى التعبير عن أشواقها ضمن أطر فنية وجمالية راسخة.
تحدث الدكتور إبراهيم الكوفحي عن "البعد الوطني في شعر عبد المنعم الرفاعي"، مشيراً إلى أن الرفاعي لم يمضِ في موطنه الأول فلسطين سوى فترة قصيرة من شبابه، فيما قضى معظم حياته في الأردن الذي استقر فيه نهائياً، وتقلّد فيه مناصب سياسية ودبلوماسية رفيعة.
ورأى الكوفحي أن الرفاعي يُعدّ أبرز شعراء البلاط الهاشمي، إذ ارتبط به مبكراً منذ تعيينه عام 1938 كاتباً خاصاً للأمير عبد الله بن الحسين، واستمر في هذا الدور حتى وفاته عام 1985 في عهد الملك الحسين بن طلال، إلى جانب توليه مناصب مهمة، من أبرزها رئاسة الوزراء.
وأضاف أن شعر الرفاعي في معظمه جاء ضمن سياق المناسبات والموضوعات الوطنية والرسمية، ما يجعله جديراً بلقب "شاعر الدولة الأردنية"، لما نظمه في مديح ملوكها وأمرائها، واعتزازه بجيشها وعلمها وأعيادها ورجالها.
ومن قصائده الأردنية في هذا السياق، على سبيل المثال لا الحصر، قصيدة "حماك الله صقر بني قريش"، التي ألقاها عام 1935 بين يدي الأمير عبد الله، وبحضور الأمراء طلال وعبد الإله ونايف، ومن أبياتها: "سمعتُ الشعبَ باسمك بات يشدو/مع المساء وكلَّ طلوع فجرِ/فكنتَ بكلِّ قلبٍ مستقِرّاً/وليسَ لكَ في الدنا من مستقرِّ".
كما تناول الكوفحي حضور فلسطين في شعر الرفاعي، مشيراً إلى أن قضيتها، بأبعادها السياسية والدينية والإنسانية والوطنية، احتلت مساحة واسعة في شعره. ويتضح ذلك من خلال عناوين قصائده في مجموعاته الكاملة، حيث أفرد عدداً كبيراً منها لفلسطين وما يتصل بها، فضلاً عن حضورها في نصوص أخرى كُتبت في مناسبات مختلفة.
وأشار إلى أن الرفاعي خصص في ديوانه "المسافر"، مجموعة كاملة تناولت قضية وطنه الأول فلسطين، وقد وردت في الطبعة الأولى عام 1977 بعنوان "فلسطينيات"، ثم أعيدت في الطبعة الثانية عام 1979 بعنوان "وطن الفداء".
ونظراً لأن هذا الديوان لم يتضمن إلا قرابة نصف إنتاجه الشعري، اعتماداً على الاختيار دون الشمول، فإن هذه المجموعة لا تحيط بكل ما نظمه الرفاعي في الشأن الفلسطيني، إذ بقيت قصائد أخرى خارج إطارها.
وفي حديثه عن البعد الوطني في شعر الرفاعي، أشار الكوفحي إلى أن حياة الرفاعي ارتبطت بمرحلة حافلة بالأحداث والتحولات في جنوب بلاد الشام (فلسطين والأردن)، حيث عايش مقدمات احتلال فلسطين في ظل الانتداب البريطاني وما رافقه من تمهيد لقيام المشروع الصهيوني، وصولاً إلى احتلالها وتشريد أهلها.
كما عايش مرحلة تأسيس الدولة الأردنية في عهد الأمير عبد الله بن الحسين، ثم مراحل تطورها حتى وفاته في منتصف ثمانينيات القرن العشرين. لم يكن شعره معزولاً عما يجري حوله من أحداث بلاده، بل كان مرآة صادقة تعكس رؤيته وموقفه منها، خاصة أنه لم يكن مراقباً من الخارج، بل كان قريباً من دوائر القرار، متفاعلاً مع القضايا الوطنية بحكم ما تقلده من مناصب ومسؤوليات سياسية.
ومن المهم قبل التطرق إلى البعد الوطني في شعره المتصل بمنطقة جنوب بلاد الشام، الإشارة إلى بعد آخر لا ينفصل عنه، وهو البعد القومي؛ إذ انشغل الرفاعي بقضايا الوطن العربي الكبير، ولا سيما ما تعرض له من استعمار ومحاولات تمزيق وإضعاف.
ورأى الكوفحي أن البعد العربي يظهر أيضاً في قصائده التي كتبها أثناء زياراته لبعض الأقطار العربية، سواء كانت رسمية أو خاصة، وكذلك في المناسبات المرتبطة بالتعاون العربي المشترك، حيث عكست نصوصه هذا الانتماء القومي بوضوح.
وخلص الكوفحي إلى أن الرفاعي أولى عناية واضحة بالموضوعات الوطنية، سواء ما تعلق منها بفلسطين وطنه الأول أو الأردن وطنه الثاني، إذ بدا شديد التفاعل مع هذه القضايا، لا بوصفه شاعراً فحسب، بل أيضاً من منطلق إحساسه العميق بالمسؤولية، بحكم موقعه الدبلوماسي والسياسي وما أتاحه له من قرب مباشر من مجريات الأحداث وصناعة القرار، وما كان يُحاك ضد بلاده من مخططات خارجية