عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Jan-2026

الأعمال القصصية الكاملة لأبو جحجوح: تجربة إبداعية وإنسانية

 الغد-عزيزة علي

 أصدرت وزارة الثقافة الفلسطينية، المجلد الكامل للأعمال القصصية للروائي الفلسطيني عثمان خالد أبو جحجوح، الذي يضم أربع مجموعات قصصية تمثل أبرز محطات تجربته الإبداعية. وتستعرض هذه المجموعات "ويحكي البحر حكاية عشق"، "مهرجان في سوق الباذنجان"، "الغروب المشرق"، "النوار والدبابة".
 
 
ويفتتح المجلد بمجموعة "ويحكي البحر حكاية عشق" التي كتبت العام 1995، وقد أهداها المؤلف إلى أرواح ثلاثة شهداء هم "والده ورفيقاه إسماعيل غنيم قنن ونظمي زقوت، الذين استشهدوا على شاطئ بحر خان يونس العام 1956".
يقدم د. عدنان حسين قاسم لهذه المجموعة القصصية، موضحا أن لكل مبدع سمات جمالية خاصة تميزه، ولا يشترط أن تكون هذه السمات خروجا على القواعد، بل قد تنبع من توظيف مبدع لظواهر جمالية معروفة تتحول مع التكرار إلى سمة أسلوبية واضحة. وينطلق قاسم من هذا التصور للكشف عن أبرز تقنيات الإبداع عند القاص عثمان خالد أبو جحجوح، اعتمادا على قراءات متأنية ومتعددة. من أبرز سمات كتابة القاص محاولة تقليص المسافة بين القصة القصيرة والقصيدة، خاصة في جانب التصوير الفني، بما يعكس توجها لإلغاء الحدود بين الأجناس الأدبية، كما دعا إلى ذلك عزرا باوند في مشروعه الكتابي.
يرى قاسم أن الطابع الشعري في قصص أبو جحجوح يبرز من خلال كثافة الصور الفنية التي تجعل السرد قريبا من الشعر، كما يتضح في وصفاته التفصيلية في قصة "ويحكي البحر حكاية عشق". ويؤكد أن القاص عمل على تمييع الحدود بين القصة القصيرة والقصيدة، فتم دمج خصائص كلا الجنسين الأدبيين، مع تعزيز هذا التداخل باستخدام تكنيكات السينما والمسرح في بناء مشاهد متتابعة وحركية.
يتضح التأثر بالسينما في قصص القاص من خلال المشاهد المكونة من لقطات متتابعة، كما في تصوير نزول الصيادين وحركتهم الجماعية، حيث تمنح الصور النص طابعا حركيا وديناميكيا يشبه الفن السينمائي. ويتجلى ذلك بشكل بارز في قصة "البحر الممغنط"، التي يبدأ السرد فيها بأسلوب يشبه افتتاح المشاهد السينمائية، مع وصف حي للشاطئ وحركة الصيادين وتوزيع الأدوار.
يناقش قاسم مسألة استخدام العامية في الحوار، مشيرا إلى وجود تبرير لدى بعض النقاد الاجتماعيين لهذا التوجه، رغم اختلاف دوافعهم. ويرى أن محدودية الحوار في القصص وحصره في جمل قصيرة يجعلانه أكثر تركيزا، مع إبداء رأي شخصي بأن تحويله إلى الفصحى قد يمنحه ثراء أكبر.
ويؤكد أن القاص اعتمد الحوار العامي في جميع قصصه القصيرة حتى أصبح سمة أسلوبية واضحة في كتابته. ورغم تحفظه المسبق على توظيف اللهجات العامية في النصوص السردية والمسرحية، فإنه يجيز استخدام الأهازيج البحرية الشعبية لما تضيفه من نكهة خاصة تعزز بيئة البحر في هذه المجموعة القصصية، من دون أن تضعف القيمة الفنية.
ويشير قاسم إلى أن هذه الأهازيج لا تقتصر على بعدها الشعبي، بل تحمل دلالات عميقة تعبر عن روح المقاومة والاعتزاز بالذات والإمكانات الكامنة، رغم ما قد يبدو على ظاهرها من بساطة أو ضعف. وبذلك يسعى القاص، من خلال توظيفها، إلى خلق أجواء حية تحاكي الواقع البحري وتستحضر مناخاته الاجتماعية والثقافية.
ويرى قاسم أن معرفة أبو جحجوح بحياة البحّارة قد أسهمت في توظيف الأمثال الشعبية الفلسطينية، كما في "هجرة النورس الخريفية"، وكذلك استثمار الموال الشعبي في "ويحكي البحر حكاية عشق"، بما يعكس حرصا واضحا على ترسيخ الهوية الفلسطينية وتأكيد ملامحها الثقافية الأصيلة من خلال أمثالها وأغانيها الشعبية.
ومن السمات الأسلوبية البارزة في هذه المجموعة، كما يبين قاسم، اعتماد القاص على الجمل القصيرة المتلاحقة ذات الإيقاع السريع، والتي تخلو غالبا من أدوات الربط، فتأتي أشبه بزخات متتابعة تعزز التوتر والحركة في السرد. ويتجلى ذلك في قصة "البحر سنة إداري"، حيث يسهم هذا الأسلوب في تكثيف الحدث وتسريع إيقاعه، بما ينسجم مع أجواء القلق والاضطراب التي يعيشها أبطال القصص.
ويشير قاسم إلى أن القارئ سيدرك أن الأسلوب القائم على الجمل القصيرة المتلاحقة يهيمن على القصة منذ بدايتها حتى نهايتها، وهو أسلوب ناتج عن شدة الانفعال وحرارة العاطفة. وقد أفرز هذا النهج نموذجا تصويريا يصفه الكاتب بـ"الصورة القلادة"، وهي سلسلة من الصور الجزئية المتتابعة التي تتآلف لتشكل صورة كلية واحدة، كما يتضح في قصة "ويحكي البحر حكاية عشق"، حيث تتكاثف الصور الاستعارية المشحونة بالإحساس وتدل على خصوبة المخيلة الإبداعية للقاص.
كما يلفت الكاتب إلى اعتماد القاص على النهايات المفتوحة في قصصه، في دعوة واضحة للمتلقي إلى المشاركة في إنتاج المعنى وسد الفجوات النصية وفق ثقافته وتجربته، بدل الاكتفاء بدور المتلقي السلبي. ويتجلى ذلك في خاتمة قصة "البحر سنة إداري"، التي توحي بالأمل والتفاؤل بالمستقبل رغم المعاناة، مستخدمة عناصر الطبيعة بوصفها رموزا لمشاعر داخلية.
ثم تحدث قاسم عن السمات اللافتة أيضا: دقة التصوير الحركي والنفسي للشخصيات، كما في قصة "أبو سمرة"، حيث يعنى القاص بتفاصيل الجسد والحركة بما يعكس ملامح الشخصية وواقعها، وهي سمة ترتبط بالاتجاه الواقعي في السرد الأدبي.
ويقول قاسم إن هذه المجموعة القصصية تمثل أدب مرحلة تاريخية مفصلية ارتبطت بأحداث الانتفاضة الفلسطينية، التي تركت أثرا عالميا وأدخلت مصطلح "الانتفاضة" إلى القاموس السياسي والعسكري.
ويحسب للقاص أنه تناول هذه الأحداث بذكاء فني، من دون افتعال أو مباشرة، إذ دمجها في نسيج النص بسلاسة، معتمدا بناء سرديا يبدأ بالحياة اليومية الهادئة ثم يفاجئ القارئ بانكسار هذا الهدوء بفعل ممارسات الاحتلال.
ويؤكد أن القارئ المستقبلي سيدرك قسوة العدو الصهيوني من خلال السياق السردي نفسه، من دون تكلف أو خطاب مباشر، كما في الإشارة العارضة إلى الاعتقال في قصة "البحر الممغنط"، حيث يبدو القمع وكأنه جزء اعتيادي من حياة الأسر الفلسطينية.
وفي المقابل، يعبر القاص أحيانا عن ضيقه من الواقع عبر شخصياته، مستخدما الانفعال وعلامات الترقيم لإبراز المعاناة والعبثية، خاصة فيما يتعلق بالتصاريح التي تمتد حتى إلى البحر.
وفي ختام التقديم، يسجل ملاحظة نقدية مفادها بأن القاص اعتمد تكنيكات سردية متشابهة في جميع قصص المجموعة، وهو ما يدعو إلى تطوير أدوات البناء الفني في الأعمال المقبلة، مع الإقرار بقيمة عطائه وتميز تجربته الإبداعية.