عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    13-Jan-2026

أزمة التعليم… حين يسبق السوق الجامعة*أ.د. محمد الرصاعي

 الراي 

علاقة السوق بالجامعة علاقة وظيفية مهمة، حيث تتنافس الجامعات في توفير الطاقات البشرية المؤهلة؛ لشغل الوظائف المتاحة في السوق في المجالات المتنوعة، كما ترفد الجامعات السوق بالمعرفة الجديدة التي تطور المنتجات، وتحسن العمليات، وتزيد من التنافسية بين الشركات والمنتجين، من خلال البحث العلمي الذي يعد المهمة الثانية للجامعات بعد التعليم. الشيء الذي دفع الصناعات المختلفة في السوق للاعتماد كلياً إلى فترات قريبة على سد الشواغر الوظيفية لديها من خريجي الجامعات، كما دعمت كبريات الشركات ورواد الأعمال البحث العلمي لغايات العائد النوعي على منتجاتهم جراء المعرفة والتقانة الجديدة التي ينتجها البحث العلمي والتي تتسبب في أرباح مالية كبيرة، ونجاحات متقدمة في سباق التنافسية المحتدم مع النظراء في السوق.
ولقد أصبحت السمعة التوظيفية للجامعات من أهم المعايير التي يتم تصنيف الجامعات اعتماداً عليها، إلى جانب البحث العلمي التطبيقي، وهذان المؤشران يمتلكان ارتباطاً وثيقاً بالصناعة والسوق. وتأتي في مقدمة قائمة تصنيف الجامعات العالمية، الجامعات الأكثر إنتاجاً للبحوث التطبيقية، والتي في الوقت ذاته تمتلك سمعة توظيفية متميزة، ويتأتى ذلك من خلال سعي الجامعات إلى اعتماد مناهج دراسية ومحتوى أكاديمي يركز على المعرفة الحديثة التي تواكب المستجدات، إضافة إلى الاهتمام بالمهارات، والقيم التي يحتاجها أرباب السوق، أو ما يسمى (Stakeholder)، وقد تتجاوز بعض الجامعات هذا السعي إلى إشراك أرباب العمل وأصحاب المصالح الصناعية في تصميم هذه المناهج الدراسية، كما تحرص الجامعات على صلة وثيقة بالصناعة فيما يخص البحث العلمي حيث تحتضن الجامعات الأفكار والغايات التي تبرز من السعي للتطوير وحل المشكلات في الصناعة وتخضعها للبحث العلمي الذي بدوره يحول هذه الأفكار إلى تطبيقات ومبتكرات تقنية تزيد من القدرة التنافسية في السوق.
 
عدد قليل من الجامعات في العالم تستطيع أن تبقى على صلة مع الصناعة والسوق وتواكب احتياجاتهما من العمالة الماهرة القادرة على التطوير والابتكار، كما بقي البحث العلمي في غالب الجامعات بحثاً تقليدياً لا يقدم نفعاً يذكر للصناعة، وهذا ما دفع العديد من الشركات إلى إنشاء مراكز بحث وتطوير تابعة لها، واستقطبت الخبرات العلمية والبحثية المتخصصة واستطاعت الاستغناء عن الجامعات والأكاديميات. فقد أنشأت Google مركزاً بحثياً ومختبراً (Google AI & Labs) لتطوير نماذج للذكاء الاصطناعي المتقدمة وتقنيات الحوسبة، وقد سلكت معظم الشركات العالمية الكبرى هذا المسلك كشركات (Microsoft و Apple)، وعربياً يسجل لمجوعة شركات كبرى في السعودية هذا النهج كشركة أرامكو التي أنشأت مركزاً بحثياً لغايات خفض الانبعاثات الكربونية، والتطوير في تقنيات هندسة البترول وعلوم الجيولوجيا، وكذلك شركتي سابك ونيوم السعوديتين.
 
كما اهتمت الشركات الكبرى بالتدريب والتأهيل من خلال إنشاء مراكز ومعاهد لإعداد طاقات بشرية تمتلك المهارات اللازمة لاستمرار العمل وفق الخطط والاستراتيجيات التي تستند للتطوير والابتكار، بحيث يتفوق من يتلقى التدريب في هذه المراكز على خريجي الجامعات الذين تنقصهم في الغالب مهارات السوق والصناعة.
 
هذه التحولات التي تتعمق وتتوسع يومياً جعلت السوق يسبق الجامعات، ويخلق أزمة حقيقية للتعليم، قد تضع التعليم الجامعي في مهب الريح، وتهدد استمرار عمل الجامعات والغاية من وجودها، وقد يستشعر الجميع هذا الشيء حيث أصبحت الجامعات عبئاً على كاهل الدولة والمجتمع من جهة الأعداد الكبيرة للخريجين الذين يصطفون في قائمة الانتظار الطويلة للعاطلين عن العمل.