الغد
جون بولتون* - (الإندبندنت) 2026/1/4
لا يحتاج بيبي إلى تذكير بمدى كون ترامب محباً للصفقات وغير استراتيجي، لكن نتنياهو وإسرائيل أعادا الآن ملء ذخيرتهما السياسية للمستقبل المنظور.
نال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ما أراده من دونالد ترامب خلال زيارته لفلوريدا بعد عيد الميلاد. كان الهدف الرئيس لنتنياهو هو تنبيه ترامب إلى حقيقة سعي إيران إلى استعادة عافيتها، على أمل أن تعيد بناء شبكة حلفائها الإرهابيين الذين يشكلون "حلقة النار" وإحياء برامجها النووية والصاروخية.
لم يكن كلام ترامب القوي في دعمه لإسرائيل واضحًا تماماً، ولم يوح بأن الولايات المتحدة على وشك اتخاذ أي إجراءات في القريب العاجل، لكنه أعطى إسرائيل كل ما تحتاج إليه في الوقت الحالي.
وقال ترامب: "أنا لست قلقاً بشأن أي شيء تفعله إسرائيل". وهذا تعريف جيد للصلاحية المطلقة التي يعطيه لها. لكن ترامب لم يكتف بذلك، بل توعد طهران باستخدام القوة العسكرية، مضيفاً: "آمل أنهم لا يحاولون التسلح مرة أخرى، لأنهم إن فعلوا ذلك فلن يكون أمامنا من خيار سوى القضاء على هذا التسلح بسرعة".
علاوة على ذلك، حذر ترامب "حماس" من أن أمامها "وقتاً قصيراً جداً لنزع سلاحها"، وإلا فإن دولاً لم يسمها ستقوم بـ"القضاء عليها".
بطبيعة الحال، كما هو الأمر مع جميع تصريحات ترامب، فإن هذا الكلام صحيح إلى أن يثبت العكس. وقد أقر ترامب بأن أميركا وإسرائيل لا تتفقان بالكامل على مستقبل غزة أو الضفة الغربية، واعترف بوجود خلافات بينهما حول مستقبل سورية بعد رحيل نظام الأسد.
لا يحتاج بيبي إلى تذكير بمدى كون ترامب محباً للصفقات وغير استراتيجي، لكن نتنياهو وإسرائيل أعادا الآن ملء ذخيرتهما السياسية للمستقبل المنظور.
بالنسبة لمن يسعون إلى تحقيق سلام وأمن إقليميين دائمين، فإن السؤال الأساسي هو تحديد الأولوية الصحيحة بين عدد من المشكلات الجيوستراتيجية. لقد حظيت غزة باهتمام كبير منذ هجمات "حماس" الوحشية خلال السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2025، والاتفاق على مستقبلها أمر مهم، لكنه ليس الأولوية العظمى على المدى البعيد. إن استدامة أي سلام وأمن في الشرق الأوسط تعتمد على القضاء على تهديدات طهران، سواء لجيرانها في المنطقة أو للعالم بأسره.
وينبغي على إسرائيل أن تدرك هذه الحقيقة خصوصاً، على الرغم من أن التركيز على قضية الرهائن في غزة، الذي حركته السياسة الداخلية الإسرائيلية وعكس أيضاً أولويات المعارضة المناهضة لنتنياهو، حجب الصورة الأكبر في السابق.
الآن وقد تم حل قضية الرهائن بالكامل تقريباً، ابتعدت هذه القضية من مركز النقاشات الداخلية الإسرائيلية، مما خفف الضغط السياسي على نتنياهو كي "يتصرف" بشأن المحتجزين.
وبناء عليه، يمكنه أن يركز اهتمامه على تهديدات أكثر استراتيجية، ولا سيما إيران. بيد أن نتنياهو أراد -حتى يتأكد من هامش الحرية المتاح لإسرائيل كي تتحرك ضد إيران، وكي تسعى إلى إشراك الولايات المتحدة مرة أخرى ضد برنامج طهران النووي- أن يضمن أن ترامب أيضاً يركز اهتمامه على إيران وليس على غزة أو الضفة الغربية. وقد نجح بيبي في ذلك إلى حد كبير، على الأقل خلال الوقت الحالي.
ولكن يتعين على إسرائيل أيضاً أن تتيقن من امتلاكها هامشاً كافياً للتحرك ضد إيران، بدعم -أو على الأقل بموافقة الحكومات العربية. وهذا ما لا يمتلكه نتنياهو حتى الآن، ولا سيما على الصعيد العلني. في الواقع، تشير تحليلات المعلقين الإقليميين وغيرهم، الذين رصدوا الضرر الجسيم الذي ألحقته إسرائيل وأميركا بطهران ووكلائها الإرهابيين، إلى عكس ذلك.
ودفع تحليلهم بعض العواصم العربية إلى الاعتقاد بأن التهديد الذي يشكله نظام الملالي تضاءل إلى درجة كبيرة، إذ إن أولويات دبلوماسية أخرى، ولا سيما فكرة إقامة دولة فلسطينية ومستقبل غزة، طغت على مسألة إيران. وتشير التقارير إلى وجود من يؤيدون هذا الرأي داخل البيت الأبيض، خشية الإضرار باتفاقات أبراهام.
إلا أن القبول بمثل هذا التحليل هو خطأ فادح. فمحاولات إيران للتعافي حقيقية، كما يتضح من خلال مواصلة طهران تقديم المساعدة لـ"حماس" و"حزب الله" وغيرهما من الجماعات الوكيلة، وإحياء برامجها النووية والصاروخية الباليستية. وتشكل هذه التهديدات خطراً وجودياً لا يمكن إنكاره بالنسبة لإسرائيل. لكنها قد تمثل خطراً وجودياً أيضاً على دول الخليج المنتجة للنفط.
من شأن تجاهل خطورة انتعاش إيران أو التقليل من شأن هذه المسألة أن يكون بمثابة "الصفير أمام المقبرة"، كما يقول المثل الإنجليزي القديم، أو إلهاء الذات خوفاً من الخطر.
ويكتسب تحديد الأولويات الاستراتيجية الصحيحة أهمية متزايدة بسبب التطورات الداخلية في إيران. فالأوضاع الاقتصادية تتدهور مجدداً بصورة مستمرة، مما يؤدي إلى اندلاع احتجاجات شعبية واسعة النطاق.
وإذا أضفنا إلى هذه المؤشرات وجود استياء من مصادر أخرى للسخط في أوساط النساء والشباب والجماعات العرقية المتململة مثل الأكراد والعرب، فإننا نجد أن عدم الاستقرار الداخلي سيتفاقم في ظل الأزمة الحتمية التي سيواجهها النظام عند وفاة المرشد الأعلى علي خامنئي.
الآن هو الوقت المناسب لزيادة الضغط الخارجي على نظام طهران على أمل إسقاطه، وعدم السماح له باستعادة عافيته وإعادة تشكيل تهديدات خطرة في جميع أنحاء الشرق الأوسط.
كما أن هذا ليس الوقت المناسب كي تنشغل الدول العربية الكبرى بنزاعات لا تؤدي إلا إلى تشجيع الملالي.
يجمع بين السعودية والإمارات هدف مشترك يتمثل في الإطاحة بالحوثيين في اليمن، مما سيسمح بعودة الاستقرار إلى تلك البلاد المنكوبة، وفي الوقت نفسه القضاء على التهديد الإيراني في فنائهما الخلفي.
يجب بذل جهود عاجلة لحل الخلافات بين السعودية والإمارات وتجنب إفادة أعدائهما المشتركين.
وكما كان يقول لي دائماً وزير الخارجية جيمس بيكر، أحد رؤسائي السابقين في وزارة الخارجية "أبق عينيك على الهدف". وفي الشرق الأوسط اليوم، يجب أن تكون كل الأنظار موجهة نحو إيران.
*جون بولتون: سياسي ومستشار أميركي معروف بمواقفه الصارمة تجاه السياسة الخارجية، وقد شغل منصب مستشار الأمن القومي للولايات المتحدة من 2018 حتى 2019 في إدارة الرئيس دونالد ترامب. يتميز بولتون بدعمه القوي لاستخدام القوة العسكرية في مواجهة ما يسميه "التهديدات الاستراتيجية"، وهو معروف بتأييده لسياسات صدامية تجاه إيران وكوريا الشمالية وفنزويلا. شغل أيضًا مناصب رفيعة في وزارة الخارجية، بما في ذلك وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية، وعُرف بنهجه المحافظ والنزعة أحادية الجانب في العلاقات الدولية، مما جعله شخصية مثيرة للجدل في الدبلوماسية الأميركية.